في مصطلح الأقليات
2025.11.26
عبد الرحمن فرحات
مصطلح “الأقليّات“ الذي يُستعملُ في سياق الحديث عن بعض الطوائف أو العرقّيّات في المنطقة يجبُ أن يكون مصطلحًا توصيفيًا واضطراريًا لا أن يكون خطابًا استعلائيًا فوقيّاً.
وهذه “الأقلِّيّات“ هي أصيلة في المنطقة وأبناؤها المُعتّقون المعجونونَ بتراب هذه الأرض: المسيحيّون.. الصابئة.. الإيزيديين.. الآشوريين.. الكلدان.. السامريّين.. حتى اليهود “ديانة“ هم جزء من المنطقة، وكانت لهم أدوار ثقافية وفنّية واقتصادية عديدة سواء في مصر أو العراق أو في بلاد المغرب العربي قبل نكبة ٤٨..
الكورد.. الدروز.. الإسماعليّون.. العلويون كل هؤلاء هم أبناء المنطقة ومتجذرون فيها، بل إن نشأة كيانات حديثة في المنطقة ما كان لها أن تقوم لولا أن بعض هذه “الأقلِّيّات“ قد رفض الصوتُ العالي فيها نظام الدويلات الطائفية..
تاريخ الأقلِّيّات في منطقتنا ليس ورديًا واعتبارهم مجرّد أداة وذريعة لتدخل الأجانب كلام فارغ، وربط الأمر بمسألة الامتيازات الأجنبية العثمانية سذاجة واضحة وتسطيحٌ للقضايا..
منطقتنا فعل بها الأتراكُ ما لم يفعلهُ مجرمٌ مثلهم بداية من مذابح العلويين في سوريا ومذابح الأيزيديين بالعراق بداية العهد العثماني، وليس انتهاءً بما حدث مع الأرمن والسُّريان، وعدم فهم هذه المرحلة العثمانية فهمًا دقيقًا - ولا يقلُّ أهميّة عنها في الفهم المرحلة الانتدابيّة على بلاد الشام والعراق- واستدعاء شعارات الأمة والخلافة والقفز على وقائع موجودة ومثبتة هو إجرام خالص..
وبعض الدول الحديثة بما فيها تركيا الحديثة والعراق الحديث في الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن الماضي في منطقتنا قامت على تطهير وقتل وإبادة لعرقيّات ومكوّنات مختلفة..
مذبحة الأيزيديين في العراق قبل سنوات وما حصل من مآسي لم يهتم الإعلام إلا بالجزء الذي يصنعُ التفاعل.. ومذابح العلويين والدروز هذا العام كامتداد لسلسلة من المذابح على خلاف في التفاصيل ووسط صمت الإعلام العربي أو تبريره؛ وكذا الوجود المسيحي في العراق الذي تناقص إلى حدٍّ كبير ولو بدا أنَّ الهجرة كانت طوعيّة، ولا يمكنُ استبعاد حدوث ذلك مع مسيحيّي سوريا في المستقبل.
عدمُ إدانة هذه المجازر، وعدمُ تفكيك السرديّات والشعبويّات والمزاجيّة التبريريّة التي بنيت عليها ونسفها يجعلُ الكلام عن أي تعايش وأي وحدة وأي أخوة، كلام فارغ ساقط، وشعارات استهلاكية..
اختصار القضية في الوهابية وابن تيمية وأن بقاء هذه المكوّنات إلى اليوم دليل على التسامح إلى آخر الديباجة هذا دجلٌ يمكنُ الضحك به على خطباء المساجد، وعلى حدِّ قول مظفر النواب:
للّهِ ما في تاريِخنا من مَغُول!
الأمر أعمقُ من هذا، ولا يرتبط في المقام الأول بتعاليم دينية كما يكتبُ بعض اللا دينيّين، ولأن بعض المجازر لم تقم على أساس ديني ولكنها بالفعل قد حصلت..
سكوتُ المؤسسات الدينية التقليديّة السنّيّة والشيعية عن الإدانة الحقيقية الواضحة لهذه المجازر الطائفية الأخيرة هذا العام، وعدم محاولة فهمها قبل كل شيئ ولو باستدعاء ممثّلين لهذه المكوّنات أو الأقليات من المثقفين والنخبويين والسماع منهم سماعًا مباشرًا لتكوين رؤية واضحة وهم أولى بدعوات التقريب والأخوة الإنسانية من الغربيّين، وبدلاً من تصنيف الناس بفتاوى قديمة أو حديثة والجدل البيزنطي الذي لا يفيدُ أكثر من أحكام جوفاء مطلقة، أو الخطاب العمومي السائل الذي لا يفكّكُ أيَّ سرديّة.
إنَّ أوهام الاستعلاء ودعوات الوحدة الانصهاريّة لا تحلُّ المشكلة؛ فقط تؤجل المشكلة عدة عقود ولا تحلُّها.. وهذا من أسوأ ما فعله الخطاب القومي العربي وهو القفز على متناقضات موجودة وطوائف مختلفة بدعاوى الأمة الواحدة والوحدة الانصهاريّة، أو فرضها حتى بالقوة على المكونات الأخرى كما هو تاريخ الدمويّة مع الأكراد في سوريا والعراق البعثيّين..
وعلى المستوى الديني: نظرية حكم العالم رغمًا عن أنف الجميع والحرب الابتدائية والغزوات، وأدبيات الاستعلاء واستدعاء أزمنة الحروب الصليبية كلُّ هذا الدجل يجبُ أن ينتهي، وتقسيمات الديار: دار الإسلام ودار العهد ودار الكفر كلُّ هذه تقسيمات وضعيّة اصطلاحية بنت عصرها في عصر التدوين الفقهي.. وهذا التقسيم لم يعد باقيًا وما يترتّبُ عليه ليس واقعًا ولا ساريًا ولن يكون؛ حتى ولو أحبّ البعض أن يغرق في اصطلاحات نظرية، أو أن يرضي ميولًا شاذة عنده بتمسيح الجوخ لتنظيمات ساقطة.
يجبُ أن يتخلَّى مشايخ أهل السنة ومثقّفوهم -وهم الأكثريّة في المنطقة - تمامًا عن نظرية الأمة والطوائف: الطوائف الإسلامية اسمها طوائف ومذاهب وأفكار ومدارس..
السنة طائفة.. الشيعة طائفة.. الإباضية طائفة.. المعتزلة طائفة.. العلويون والدروز والإسماعليّة طوائف إسلامية وعربية انطلاقًا من تصريحات رموزهم وأدبيّاتهم العامة، وليس انطلاقًا من الأسلمة الوحدوية الانصهارية بل لهم خصوصياتهم الكاملة الدينية وقبل ذلك الاجتماعية والتاريخية بطبيعة الحال.
ليس هناك شيئٌ اسمهُ السنة هم الأمة الإسلامية - بعيدًا عن تفسير المصطلح الآن- والباقي طوائف..
لا؛ الباقي على قدم المساواة ورأسًا برأس، ولا يمايزُ بين هذه الأفكار والمذاهب إلّا البحث العلمي الخالص وهذا شأنُ المختصّين بهذه الدراسات وفق المقاييس الدراسية والتعليمية..
مصطلحات علم الكلام هي اصطلاحات فنّيّة اختصاصيّة، والتراث الكلامي المدوَّن هو ابن زمانه وما فيه من أدبيّات هي أدبيّاتُ زمانها، الدعوة إلى تجاوزه والرّمي به ضربة لازب فعلُ المراهقين كما أن الوقوف عند ألفاطه وألحاظه وقياس الناس على مسطرته فعلُ الموتورين..