كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الملفّات النازفة.. أين اختفت أرشيفات القضايا الحساسة لنظام الأسد؟

أنس أزرق
في ملف الاغتيالات الأسدية، هناك أسماء كثيرة أبرزها اللواء محمد عمران، والذي اغتيل عام 1972 في مزرعة قرب طرابلس حيث كلفت المخابرات السورية "نزيه زرير" ( كان رئيس فرع أمن الدولة في حمص حينها) بدس مجموعة من منظمة الصاعقة الفلسطينية مؤلفة من رجلين وامرأة بإطلاق الرصاص عليه، وقد روى الطيار محمد سيجري الذي اعتقله نظام حافظ الأسد عشر سنوات بسبب وشاية عليه أنه لن يقصف حماة بأنه شاهد رجلي الصاعقة يتمتعان بامتيازات كبيرة في سجن تدمر.
جاء اغتيال صلاح البيطار، أحد مؤسسي حزب البعث عام 1980، في باريس بعد لقاء جمعه مع حافظ الأسد عام 1978، إذ أراد الأخير أن يعود البيطار من منفاه ليكون رئيساً للوزراء، ما يعطيه الشرعية الحزبية، وربما السنية، لعهده، بعد بداية صراعه مع النظام البعثي العراقي وبداية ما عرفت بأحداث الثمانينات والتي أثرت على حكمه.
عرض الأسد على البيطار ما ظنّه منحة كبيرة وتنازلاً منه، فيما اشترط البيطار وقف القبضة الأمنية ومكافحة الفساد وفتح التعدّدية السياسية، ما أوصل العلاقة إلى مزيد من السوء، فكتب البيطار مقاله الشهير "عفوك شعب سورية العظيم"، فتلقى رد الأسد بأربع رصاصات قاتلة.
لم يكن الرد بالاغتيال على الكلمة استثناء، فقد سبقه اغتيال الصحافيين اللبنانيين سليم اللوزي، رئيس تحرير مجلة الحوادث عام 1977 في بيروت، وقد وجدت أصابع يده مكسورة، ثم اغتيال نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه ورئيس تحرير صحيفة العمل عام 1980 في بيروت. وطبعاً لا يمكن إغفال اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، والذي جاء اعتقال مدير المخابرات الجوية والمخابرات العامة سابقاً، اللواء إبراهيم حويجة، بعد سقوط النظام بسبب دوره باغتيال جنبلاط وغيره.
أما دور نظام بشار الأسد بملف الاغتيالات فيكفيه ملف اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 في بيروت، وبعده عدة نواب (وليد عيدو عام 2007، أنطون غانم عام 2007) وسياسيين مثل (جورج حاوي عام 2005، بيار الجميل عام 2006) وإعلاميين (سمير قصير عام 2005، جبران تويني عام 2005) وأمنيين (وسام عيد عام 2008) فضلاً عن محاولات عدة فشلت كلياً أو جزئياً لشخصيات في سورية أو خارجها.
ما دفعني إلى هذا البحث، إعداد مقابلة مع باحثة فرنسية - سورية شابة، هي ليلى سورا، والمتخصصة بدراسة حركة حماس.
لم تعرف ليلى والدها الباحث والصحافي الفرنسي، ميشيل سورا، فقد ولدت قبل عام من اختطافه في بيروت، فحرمت هي وأختها من رعاية والدهما.
اختُطف ميشيل سورا مع زميله الصحافي جان بول كوفمان في مايو/أيار 1985، عند حاجز مسلح في بيروت الغربية، حيث النفوذ السوري، وأعلنت جماعة الجهاد الإسلامي (كان اسماً منتحلاً لحزب الله) عن مسؤولية الخطف. أطلق سراح كوفمان عام 1988 وتلقى نظام الأسد كالعادة الشكر على دوره بإطلاق الرهينة، فيما أعلنت المنظمة الخاطفة إعدام سورا الذي تبيّن أنه لم يُعدم، إنما مات بسبب إهمال علاجه، ومع ذلك لم تسلم جثته لذويه إلا بعد 20 عاماً، إذ دُفن في باريس عام 2005. المفارقة أن سورا لم يكن له أي دور أمني، إنما كان يعمل باحثاً في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ويداوم في مركز دراسات وأبحاث الشرق الأوسط المعاصر في بيروت، وهو مركز بحثي فرنسي كان ينشط في لبنان خلال الثمانينيات.
لا يمكن فصل عميلة خطف سورا وموته وتأخر تسليم جثته عن جوهر تحليله نظام حافظ الأسد، والذي اختصره بالدولة المتوحشة والحالة الهمجية والنظام البربري. مزج سورا بين أدوات التحليل الاجتماعي الحديثة مع منهج ابن خلدون عن العصبية واستطاع تشريح نظام حافظ الأسد كما نجده بالكتاب الذي جمع مقالاته عن نظام الأسد عام 2012، وصدرت ترجمته العربية عام 2016 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر. وقد تحدث سورا "حول الطغيان الحاصل اليوم" عن سورية بين سنتي 1979 و1982، إذ كان الغرب يغدق على نظام الأسد الثناء بسبب حربه ضد المتطرّفين الإسلاميين. يصف سلطة الأسد: "تعرف تماماً كيف تستغل تباينات المجتمع واختلافاته بمهارة أقل ما يقال عنها إنها مذهلة، وكيف تلعب على كافة الثنائيات في وقت واحد من دون أن تمنح أي طرف السيطرة على الآخر أبداً، خشية أن يخلق ذلك حالة من اللاعودة".
من المفارقات أن يتحدّث سورا في إحدى مقالاته في الكتاب عن الربط بين المنظمات الإرهابية اللبنانية والنظام السوري: "الضحية تختفي من دون أن يتبنى أحد من الفاعلين العملية، أو أن يكشف عن هويتهم، ولكن الضحية تظهر من جديد دائماً - في حال تم التوصل إلى حل للموضوع - مثل أرنب أبيض يخرج من قبعة المخابرات السورية". ويضرب أمثلة على ذلك بما حدث من إطلاق سراح المختطفين، كما الدبلوماسي الأردني هشام المحيسن، ونائب رئيس الجامعة الأميركية ديفيد دودج، والقنصل السعودي حسين فراش.
ما نتحدث عنه من ملفات وأرشيفات لنظام الأسد بعهديه، وضرورة الكشف عنه، ليس فقط تفصيلا عابرا في مجرى تحقيق العدالة أو معرفة ما جرى حبا بالفضول. إن ملاحقة وكشف هذه الملفات سيكون بمثابة DNA لتشريح بنية هذا النظام الأكثر دموية في العصر الحالي. سنعرف كيف كان يفكر وكيف ينفذ ومع من يتعامل وكيف تماسك وعاش لحوالي 55 عاما رغم كل الهزات التي تعرض لها داخليا وخارجياً.
تبقى الأسئلة مشروعة أيضا، هل تم العثور على مثل هذه الأرشيفات في الأفرع الأمنية وأقبية المخابرات، وإذا كان كذلك، لماذا لم يفرج أو يتم الإعلان عنها؟

هل احرق النظام بعضها؟ لا أظن لأن سقوطه السريع لم يسمح له بذلك. هل يمكن أن يكون أخفى بعضها بأماكن سرية؟ ربما ولكن بنية النظام وتفككها وطمعها بالمال والنجاة تسمح لمن يبحث أن يجد هذه الأماكن وهذه الوثائق آجلا أو عاجلا ولقد بدأت بعض الوثائق بالتسرب، وهي غالبا ما أخده بعض موظفي النظام الكبار معهم حين هربوا ليلة السقوط في حين أن الآف الوثائق وربما الملايين موجودة وبعضها صارت بيد النظام الجديد وهي ما زالت تنتظر من يقوم بدراستها وتحليلها.

العربي الجديد 
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه
شيشرون يتحول إلى حجّاج بن يوسف.. جان عزيز ونوال برّي والكامخ بينهما !
السوريون في أوروبا
ما بين انجازات تمّت.. وانجازات مطلوبة ومنتظرة
"إشكالية العدمية السياسية" ومعضلة الولادة الوطنية الثانية في سورية
لا تظلموا كبارنا.. فهم وحدهم القادرون على حفظ الأمن حين تعجز البنادق!