حول نشر ملفات جيفري إبستين.. كيف تعمل المنظومة السياسية الغربية؟
2026.02.04
عمار وقاف
بدأت فضائح جيفري إبستين تشغل حيزاً في النطاق العام في بريطانيا اعتباراً من العام 2008، مع إداته بممارسة الجنس مع فتيات قاصرات. حينها، تم تسليط الضوء على علاقته الوثيقة بـ "الأمير السابق" آندرو، شقيق الملك تشارلز، وبدأ الهمس فيما لو كان آندرو قد استفاد من خدمات إبستين.
وعندما تم توجيه لائحة اتهام أوسع بكثير لإبستين في العام 2019، هذه المرة بتهمة الاتجار بالفتيات القاصرات بغية تقديم خدمات جنسية للآخرين، برزت مشكلة "الآخرين"، والذين تضمنت لائحة أسمائهم المحتملة مجموعة من الأشخاص الأكثر نفوذاً على سطح هذا الكوكب.
وعندما انتحر إبستين بعد شهر من اعتقاله (سبق ذلك محاولة انتحار قبلها بأسبوعين)، تردد همس عن عملية نحر وليس انتحاراً، منعاً لخروج الفضائح المتعلقة بأولئك الأشخاص النافذين إلى العلن.
وجهة نظري هي الآتية:
فرضية نحره أو إقناعه بالانتحار ليست مستحيلة. ولكن حتى بفرض صحتها، ربما لم يكن الغرض من ذلك منع الفضائح من الخروج للعلن، إذ ها هي تخرج اليوم بأبهى حللها، وبأسماء الأشخاص، وصورهم، ومقاطع الفيديو الخاصة بهم، بمن فيهم رئيس الولايات المتحدة الحالي، دونالد ترامب.
الوحيدون الذين تم طمس هوياتهم هم الضحايا.
ما يهم آليات العمل في المنظومات الغربية أكثر هو ضبط إيقاع نشر الحقائق، منعاً للانهيار. وأرى إن الاعتقاد أن الأشخاص القائمين على العمل كلهم متآمرون معاً على إخفاء الحقيقة هو اعتقاد خاطئ. فهؤلاء الأشخاص متنافسون ومتناحرون إلى أقصى حد، ولكن هناك مصالح تتعلق بالدول والشعوب ينبغي أخذها بعين الاعتبار.
لنأخذ بريطانيا على سبيل المثال...
بعد موت إبستين، تعاظم الهمس المتعلق بآندرو، الأمير حينها، فقرر الخروج للعلن ليدافع عن نفسه ضد التهم الموجهة إليه، ومنها ممارسة الجنس مع قاصر (فرجينيا غوفريه.) بعدها ببضعة أيام، صدر قرار ملكي بتعليق المهام العامة الموكلة لآندرو، ومن ثم تلاه قرار آخر بتنحيته عنها. ومؤخراً، تم تجريده من ألقابه الملكية بشكل نهائي، ليتحول لمواطن عادي.
من جهة أخرى، تم تنحية البارون بيتر مانديلسون (حزب العمال) من منصبه كسفير للمملكة المتحدة في واشنطن بعد أقل من عام على توليه منصبه، بعد ظهور اسمه في إحدى التسريبات في أيلول الماضي.
في الحالتين، وعند تنحية الرجلين عن مناصبهما، لم يكن واضحاً للعامة مدى تورطهما في فضائح جيفري إبستين. وكان الاعتقاد السائد يومها أن المؤسستين، أي العائلة المالكة والحكومة البريطانية، إنما تقومان بالتضحية بعضو أصيل منهما منعاً لجر اسمهما في أتون الجدال العلني الدائر حينذاك.
البارحة، مع دفعة التسريبات الهائلة التي ظهرت، بدا واضحاً للعيان مدى تورط الرجلين. آندرو جنسياً، ومانديلسون مالياً. وصار من المناسب الافتراض أن المؤسستين أعلاه كانتا على علم بتفاصيل دقيقة نجمت تباعاً عن التحقيقات التي أجرتها السلطات الأمريكية، وقررتا اتخاذ إجراءات قبل خروج المعلومات للعلن بفترة كافية، لا بعدها.
سمح هذا بتجنيب المؤسستين، العائلة المالكة والحكومة البريطانية، تداعيات سلبية كثير فيما لو كانت التسريبات قد خرجت للعلن أثناء وجود الرجلين على رأسي عملهما.
الآن، لا أحد يتهم العائلة المالكة بتسهيل الرذيلة، ولا يربط أحد الحكومة البريطانية، وخصوصاً حزب العمال (الذي استقال منه البارحة بيتر مانديلسون أيضاً) بهكذا فضائح.
طبعاً، التداعيات لمّا تنته بعد، وربما نشهد حملات تشهير، لكن الموضوع، من وجهة نظري، ليس إخفاء طبقة الحكم لفضائحها عن الناس، لأن جميع من فيها متآمرون، وإنما إدارة للتسريبات بحيث يكون خروجها للعلن ذا أثر أخف، وبحيث لا تتأثر دول ومنظومات بأكملها، وإنما أشخاص فقط لن يأسف أحد على سقوطهم.
هذا في منطق الحكم في الدول الغربية.
وأما عندنا...