علي كنعان: مهاد الشعر
يبدو لي أن الإنسان طيف عابر في رحلة الحياة، مهما اتسعت حوله الفضاءات وامتدت به الطريق، ولا يبقى وراءه من أثر يدل على أن خطاه مرت على تربة الزمن إلا ما يترك وراءه من أعمال إبداعية فكرية، فنية، جمالية، علمية.. وتطبيقية، في مختلف الفنون من أدب وتشكيل وموسيقى وعمارة، وفي شتى ميادين العلوم والصناعات المكرسة لخدمة الإنسان وراحته وسلامته، بدءا من الإبرة حتى عربات الفضاء ومحطاته. إن أرسطو وبوذا وطرفة والجاحظ وابن سينا وطاغور ونيوتن وموزارت وبيكاسو وسنمّار، وصولا إلى السياب وخليل حاوي وكوروساوا وغاغارين وسهى حديد.. وأمثالهم من المبدعين لا نذكرهم ولا يؤكدون حضورهم في صفحات التاريخ لولا أعمالهم، وتميزهم الإبداعي في تلك الأعمال...
بدأت نشر أولى محاولاتي الشعرية وأنا في العشرين من عمري، في أوائل 1956. وفي ربيع 2010 صدرت الطبعة الأولى من أعمالي الشعرية، وأنا في الرابعة والسبعين. وفي مستهل هذه الأعمال جاءت مقدمة الناقد الرصين والصديق الودود صبحي حديدي. ومع صدورها عشت مشاعر وهاجة متشابكة من المسرة والأمل والأسى ومرارة الذكرى، وبخاصة أني كنت بعيدا عن دمشق.. ولا من أخ قريب أو شاعر صديق يشاركني فرحة صدورها. لم يكن أمرا عابرا أو عاديا أن ترى حياتك، بشتى خلجاتها الوجدانية وعلى امتداد عشرات السنين، بدءا من أحوال القرية ومأساة فلسطين، مسبوكة في كلمات مجازية وصور شعرية مكثفة كأنها رحيق مقطّر من أعناب أينعت وادخرت في ظلال النفس حتى اختمرت وآن تحولها السحري العجيب لتأخذ صيغتها الأخيرة في شكل قصيدة، فنيا وجماليا ومعاناة وجدانية. كيف يعمل الشعر على إحراق الهواجس والهموم وتقطير المشاعر والرؤى والخيبات والأحلام والأشجان بمثل هذه الطريقة الغامضة، الممتعة والموجعة معا، والتي عبر عنها يوما بشار بن برد بأنه يثقب الدر.
أكان الشاعر ضريرا فاقد البصر فعلا.. أم أن البصيرة الكاشفة والموهبة الساطعة تغني عن البصر، في كثير من الأحيان؟ وهل الآلة الحادة التي يثقبون بها الدر تكتفي بأداء عملها الرتيب أم أنها تنحرف أحيانا، في عجلة أو غفلة طارئة، لتجرح صاحبها وتثير في نفسه ألوانا متشابكة من الحذر والألم والاغتباط، بعد أن يطهر الدم تلك الدرر المجازية ويمنحها بركته، ناسيا أن يمنحها لونه الأرجواني؟
مرة قلت لشاعر صديق: الشعر يحتفي بلغة المجاز، فهل كانت حياتنا كلها مجازا، ولم نعشها على حقيقتها؟ ويوم شهدت أول شريط سينمائي في سينما "الفردوس" بحمص، وأنا في حدود الثانية عشرة، وكان من بطولات رعاة البقر، وقد أذهلني الجواد الأدهم أكثر من الفارس، خرجت من الصالة المعتمة بكثير من القلق والتساؤل والحيرة وأنا أتلمس صدري ورأسي وذراعي: هل نحن، بني آدم، كائنات حية تتحرك وتعيش وتتفاعل أم ظلال وأشباح وخيالات لكائنات أخرى، تحيا في فلك آخر، لا نعرفها ولا ندرك موقعها وأحوالها؟ ثم تطورت الفكرة مع الأيام ومكتسبات المعرفة، فغدوت أتصور أن ثمة نصا مكتوبا ومخرجا متخفيا عنا وراء ستائر الغيب، يمسك بالخيوط ويحركها من وراء حجاب، ونحن مجرد دمى طينية نؤدي أدوارنا في مسرح عرائس نسميها "حياتنا الدنيا"!
وهنا أطل حكيم المعرة هاتفا:
أيُّها الغِرُّ، إن خُصِصتَ بعقلٍ فاسألَنْه فكلُّ عقلٍ نبيُّ
لكن استلامي للنسخة الأولى من هذه القصائد غيَّر فكرتي السينمائية وعشت حالة ملتبسة، مزيجا غامضا من البهجة والشجن، وربما الأمل المتصابي الطموح كمن يهجس أو يحدس بعشق جديد، بعد أن فاته قطار التصابي أو كاد، وما من أمل بـ"رجوع الشيخ إلى صباه".. ولا من رقية سحرية تيسر للعجوز المشرف على الغروب هزيعا من ليلة "الجميلات النائمات"!
لا أدري.. أسعيد أنا أم بائس أم لامبالٍ؟ لم أكن في حالة وردية أو رمادية أو كامدة، زرقاء أو صفراء أو بنفسجية؛ ربما كنت في مزيج عجيب من جميع أطياف الضوء وظلالها في قوس السحاب ومدار الخيال، لكن تلك الأطياف لم تكن منسقة في موقعها الطبيعي المألوف، كانت متشابكة ومتناثرة كأنها نسيج موشّى تبتكره طفلة مسكونة بالرؤى والتشكيلات المضطربة وتبدعها بعفوية عبثية/ جدية طليقة، كما يحلو لها، بلا مثال يحاكى أو تصميم محدد؛ إنما تستجيب لذلك الهاجس الوجداني الغائم الذي يضع الشاعر بين حالات فكرية، وشعورية ولاشعورية، وتعبيرية وإيقاعية ضاغطة، رغم تشابكها، من الداخل والخارج: الانفجار أو الاختناق.. ولا فكاك له منها إلا بالكتابة، وهو في حالة جديدة مختلفة تماما أشبه ما تكون بالنشوة أو الخدر.. وربما الذهول.
كانت النظرة الأولى إلى هذه القصائد، وقد احتضنها وعاء واحد، ضبابية ملتبسة لا تخلو من تساؤل وارتياب: كيف لدورق واحد أن يجمع بين رحيق معتق من خمسين، أربعين، عشرين سنة، وحتى حفنة من السنين.. وسلافة جديدة لا يزيد عمرها عن سنة؟ السر الكوني يكمن في جوهر الشعر وسر خمرته وأوان انبثاقه وتشكله في كلمات وصور فنية ذات إيقاع موجي دافق.
خطر لي أن أجمل ما أفعله، احتفاء بهذه المناسبة، أن أبدأ بالكتابة عن الحاضنة التي نبتت بذور الشعر في تربتها وتنامت في مناخها فارتوت بغيثها واكتوت بصقيعها ونعمت بدفء شمسها، وطافت رؤاي وهواجسي وتأملاتي طويلا في أفلاكها وتقلبات فصولها وأنوائها، دون أن أنسى التفاعل الحي مع بيئتها الاجتماعية أو أغفل عن رعاية الأهل وفضائل الكتب والمعلمين ومجالس الأنس. إنها القرية التي ولدت ونشأت فيها ولم أغادرها، إلا في سفرات قصيرة بصحبة الأهل، حتى بلغت الثانية عشرة. ولولا نداء العلم في المدينة والرغبة في اكتساب المعرفة، لم يكن لي أن أغيب عنها أكثر من يوم أو بعض يوم، طوال هذه السنين. تلك القرية هي المهاد الذي احتضن الطفولة والصبا الأول، أعني مهاد الشعر وطفرات الخيال وهموم العيش البائس والشباب المكلوم. ومع أني طفت بقاعا شتى في هذا العالم من بلاد العم سام حتى اليابان، مرورا بالعديد من العواصم والمدن الأوربية ما بين استوكهولم وموسكو واسطنبول، وصولا إلى سمرقند وبكين، فضلا عن العواصم العربية، فقد ظلت "الهزة".. بكروم عنبها ولوزها وحقول حنطتها وسهرات بيادرها ونجوم لياليها الصافية، وحتى بشتاءاتها الصحراوية القاسية وسيولها الجارفة، بحكاياتها البدوية وسير أبطالها الشعبية ودواوين الشعر المعدودة في بيوتها، بأحاديث الضيوف وأغاني الأعراس وأحزان الأمهات في المآتم والأخطار المباغتة.. ظلت تشغل ركنا أساسيا في الوعي والقلب والذاكرة والوجدان.
.. ولهذا بقية سوف يحتضنها كتاب (الحنظل والرحيق) الذي لم يستكمل تشكله بعد.