معن حيدر: المعتزلة... سرد تاريخي
مع توسع الإسلام، عند نهاية القرن الأول الهجري، ودخول أمم وشعوب كثيرة فيه، أَدخلتْ معها ثقافاتها المختلفة، ومع دخول الفلسفات الإغريقية والهندية والفارسية والأفكار العرفانية (الغنوصية) من خلال حركة الترجمة إلى العربية، بدأت تظهر ملامح حراك فكري ثقافي، نشأت عنه حركات أو فرق إسلامية تأثرت بهذا الحراك، فظهرت الصوفية والمعتزلة وإخوان الصفا والأشعرية، وهي أهم هذه الحركات، ودخلت مصطلحات جديدة على الدين هي مصطلحات فلسفية بحتة، وكذلك دارت نقاشات وحدثت فتن، منها فتنة خلق القرآن أيام الخليفة العباسي "المأمون".
++المعتزلة: اشتهر المعتزلة باعتمادهم على العقل المجرد والمنطق في فهم العقيدة الإسلامية، وقدموه على النقل، وقالوا بأنّ العقل والفطرة السليمة قادران على تمييز الحلال من الحرام.
وكما اختلف الباحثون في زمان ومكان ظهور المعتزلة، فقد اختلفوا في أصل تسميتهم، والرأي الأكثر تداولاً هو ما يُروى عن اعتزال "واصل بن عطاء" (80 – 131 هـ) لمجلس شيخه "الحسن البصري" (الذي كان يعقد مجالسه الكلامية للرد على الخوارج، في زمان فتنة الأزارقة) بعد أن دب خلاف بينهما في مسألة الحكم على مرتكبي الكبيرة، فكان رأي "البصري" إنهم كافرون، وأما "واصل" فقد كان رأيه أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق، ولا كافر بإطلاق، بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرًا على فسقه كان من المخلدين في عذاب جهنم، وعلى إثر ذلك اعتزل مجلس "الحسن البصري" وكوّن لنفسه حلقة دراسية، فقال "الحسن البصري": (اعتزل عنا واصل)، فسمى هو وأصحابه معتزلة.
وبعد ذلك أضاف "واصل" إلى رأيه في مرتكب الكبيرة آراء أخرى أصبحت فيما بعد تشكّل منظومة من العقائد والأفكار، هي الأصول (أو العقائد) الخمسة الشهيرة للمعتزلة، والتي هي:
أولاً- التوحيد: ويراد منه إثبات وحدانية الله ونفي الصفات عنه، تحت حجة أن في إثبات الصفات إثبات لقدمها، وإثبات قدمها إثبات لقديم غير الله، فاللّه عز وجل ليس بجسم ولا عَرَضٍ ولا عنصر ولا جزء ولا جوهر، بل هو الخالق لها، لا تدركه الحواس في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يحصره المكان، ولا له زمان ولا مكان ولا نهاية ولا حَدّ، وأنه القديم، وأن ما سواه مُحْدَث، ومنها قالوا إن القرآن مخلوق وليس قديماً، وأان الجنة والنار تفنيان ويفنى أهلها حتى يكون الله سبحانه آخر لا شيء معه كما كان أول لا شيء معه.
وبالتالي فإن لمبدأ التوحيد مفهوم خاص عند المعتزلة، فهو بالنسبة لهم يعني: أ- التنزيه المطلق: أي تنزيه الله عن أن يكون مثل الأجسام أو الموجودات الحسية، والآيات التي تفيد التشبيه لا يقبلها المعتزلة على ظاهرها بل يقومون بتأويلها. ب- التوحيد: بين الذات والصفات: فالله ذاتٌ ووجود، وهذا الوجود يتصف بصفات ذكرها الله في كتابه: عالم، كبير، قدير، سميع، خالق، بصير. ويعتبر المعتزلة أن هذه الصفات ليست مضافة إلى الذات إنما هي عين الذات الإلهية.
ثانياً- العدل: ويراد منه تنزيه الله عن الظلم عند محاسبة العباد على أفعالهم، فنفوا أن يكون الله خالقًا لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم، إنْ خيرًا وإنْ شرًا، يفعلون ما أمروا به وَنُهُوا عنه بالقدرة التي جعلها اللّه لهم وركبها فيهم، وأنه لم يأمر إلا بما أراد، ولم ينه إلا عمَا كره، وأنه وليُّ كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم مالا يطيقونه، ولا أراد منهم مالا يقدرون عليه، ولو شاء لجبر الخلق على طاعته، ومنعهم اضطرارياً عن معصيته، ولكان على ذلك قادراً، غير أنه لا يفعل.
ثالثاً- الوعد والوعيد: ويراد منه أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب وأنه يفعل ما وعد وتوعد به لا محالة، ولا يجوز الخلف لأنه يستلزم الكذب.
رابعاً- المنزلة بين المنزلتين: وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري.
خامساً- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: يرى المعتزلة أن وجوبهما يُعرف عقلاً، خلافاً لجمهور المسلمين سنة وشيعة، الذين قالوا لولا النص الشرعي لما كان دليلاً على الوجوب، وقد تميزت المعتزلة بجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين الذي لا يتم إلا به.
+ أشهر المعتزلة:
مؤسس هذه الفرقة هو واصل بن عطاء البصري (80- 131هـ/ 699- 749م) الغزّال المتكلم البليغ الذي كان يلثغ بالراء، فلبلاغته هجر الراء وتجنبها في خطابه، ومما قيل في ذلك:
ويجعل البر قمحًا في تصرفـه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرًا في القول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقًا من المطـر
ومن منظري المعتزلة: أبو الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف (226هـ)، وأيضًا إبراهيم بن يسار بن هانئ النظَّام (ت 231هـ)، وثمامة بن أشرس النميري (ت 213هـ)، وكذلك أبو الحسين بن أبي عمر الخياط (ت 300هـ).
ومن أبرز منظري المعتزلة الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر (ت 256هـ)، وهو من كبار كُتَّاب المعتزلة، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة، وقد أورد أفكاره المعتزلية في كتاباته.
ومنهم أيضًا القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني (ت 414هـ) وهو من متأخري المعتزلة، عُيّن قاضياً لقضاء الري عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي، وقد أرّخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية، وله أهم كتاب في مذهب الاعتزال هو (المغني في أبواب التوحيد والعدل) وقد اكتشف مصادفة في اليمن.
وتشعبت المعتزلة إلى فرق عديدة أشهرها الواصلية والهذلية والنظامية والجاحظية والبشرية والتمامية وغيرها كثير.
وبلغ الاعتزال أوجه زمن العباسيين، عندما اعتنق المذهب الخلفاء: "المأمون" ثم "المعتصم" و"الواثق"، وأخذوا يجبرون الناس على الاعتقاد بعقائد المعتزلة، وقد أريقت دماء كثيرة تبعاً لذلك، وكان من ضحايا (محنة خلق القرآن) الإمام "أحمد بن حنبل" الذي حُبس زمن الخليفة "الواثق" وجُلد ألف جلدة حتى كاد أن يموت. وعندما جاء الخليفة "المتوكل" لم تعجبه عقائد المعتزلة، وكان يميل نحو الأشاعرة، فعمل على تقريبهم منه، ونشر مذهبهم في مختلف الولايات حتى صارت الأشعرية دين الدولة الرسمي والممثلة لعقائد أهل السنة والجماعة.
+ وسانقل لكم ما قاله الكاتب المصري "أحمد أمين" تحت عنوان المعتزلة والمحدثون: ((كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنج (العقليين)، عمادهم الشك أولاً والتجربة ثانياً، والحكم أخيراً، وكانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلا إذا أقره العقل، ويؤولون الآيات حسب ما يتفق والعقل، كما فعل الزمخشري في كتابه "الكشّاف")).
وما قاله الشهرستناي في كتابه (الملل والنحل): ((الذي يعمُّ طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعانٍ قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية.
واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ثوابًا وعقابًا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالمًا كما لو خلق العدل كان عادلاً.
واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب -من حيث الحكمة- رعاية مصالح العباد، وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلاً)).
وجاء في أحد المواقع: ((وقد استقوا آراءهم من المقالات والآراء السائدة في عصرهم آنذاك، ففكرة الاختيار ومسئولية الإنسان عن أفعاله أخذها المعتزلة عن القدرية، وعن الجهمية أصحاب الجهم بن صفوان تلقف المعتزلة القول بنفي الصفات وخلق القرآن، وعدم رؤية الله بالأبصار في الآخرة، وهذا الالتقاء يفسر خلط بعض الدارسين بين الجهمية والمعتزلة والقدرية. كما أخذ المعتزلة مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الخوارج، كما اتفقوا مع الشيعة في كثير من الآراء الخاصة بالإمامة، كقولهم بوجوب وجود الإمام في كل عصر، فضلاً عن تجويزهم للتأويل، حتى إن ابن المرتضى يرجع أن واصلاً وعمرو بن عبيد شيخي الاعتزال تتلمذا على "أبي هاشم بن محمد بن الحنفية"، وباختصار، فإن المعتزلة كوّنوا مذهبهم على أساس انتقائي للأفكار والآراء السائدة في عصرهم)).
المراجع: مقدمة إبن خلدون – كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني – كتاب (الفصل بين الملل والنحل) لابن حزم – بعض مواقع الشبكة ذات الموثوقية.