صداقة القصة.. صداقة القاص
2026.04.21
أدناه المقدمة للمجموعة القصصية "تخاريف العم لطوف" لمؤلفها القاص محمود الوهب، وواضع المقدمة هو د. أحمد زياد محبك.
صداقة القصة... صداقة القاص
تقديم
الدكتور أحمد زياد محبّك
في ليلة ساحرة من ليالي رمضان المبارك سهرت إلى الفجر مع العم لطوف، وأنا أستمع إلى حكاياته، أو الحكايات عنه، بل أقرؤها في شاشة الحاسوب، ولست أدري هل تناولت طعام السحور أم لم أتناوله؟ وهل صليت الفجر أم لم أصل، ولعلي شربت كأس ماء ثم صليت ركعتين ونمت، لأستيقظ ضحى، وأسرع إلى الحاسوب، فأجد هذه المقدمة مكتوبة، لست أدري هل أنا من كتبها أم هل كتبها العم لطوف؟ لا أعرف؟
وليس غريباً أن يكون ذلك كله حلماً أو واقعاً بعد دخولي عالم العم لطوف، عند العم لطوف العالم واحد، لا فرق فيه بين حلم أو واقع، حلمه واقع، وواقعه أحلام، وتلك هي متعة عالمه، وهو عالم يحقق فيه ذاته، بل يحقق خلاصه، وكثير ممن حوله يجدون فيه متعة، بل يجدون فيه الخلاص، وبه يواجه العم لطوف الفقر والتسلط والتخلف والحرمان من الحب والحرية.
هو عالم غرائبي، كل شيء فيه طريف، غريب، غير متوقع، يدهش، ويثير، قد لا يقنع، ولكنه يمتع، ويرضي الحواس والخيال ويشبع كل الحاجات، ويكاد في سياق الحكايات يصدق، لأنه يغدو جزءا من التجربة، بل يغدو التجربة كلها، فإذا هو يبني الإحساس، ويصوغ الوجدان ويثير الفكر، وهل ثمة غاية أبعد؟
العم لطوف يسمع صوت ساعته وهي ما تزال تدق كدقات القلب على الرغم من مضي أيام بل أشهر عليها، وهو الذي كان قد أودعها في مكان ما... وهي من الساعات التي تعمل بالشحن، وتحتاج بين عشية وضحاها إلى شحن جديد، ولكن لأنها ساعة لطوف تظل تدق، أو لأن العم لطوف يحكي عنها، وأظنها ما تزال إلى اليوم تعمل.
العم لطوف يزرع بطيخة يتحدى بها الإقطاعي ونائبه وكل القرارات الجائرة ليملأ بها الدنيا ويشبع الكائنات، ولئن كان التجار قد ذهبوا بلبها، فإنهم لم يستطيعوا أن يذهبوا بلبّه، فقد ظل يحكي عنها، ولعله ما يزال إلى اليوم يحكي.
العم لطوف يطعم دجاجته نشارة الخشب، ويستيقظ في الصباح ليرى فراخها تسير، كما يحكي هو، ونحس أننا نراها معه، ونحن لا نكاد نصدق.
العم لطوف يدهشه التلفاز، ويكاد يجتثه، يحس به يتحداه، ولكن ينقذه موقف ما، فينهض ليحتل موقعه، ويأخذ مكانه، فيحكي ويحكي، وما يزال يحكي، فقد انقطع التيار الكهربائي، والتلفاز يبث خبرًا عن نزول أول إنسان فوق سطح القمر.
العم لطوف يواجه الشباب وهم يتحدثون عن الجامعة والصبايا، ويدرك أن خيط حديثه قد انقطع، ولكنه سرعان ما يصله بخيط من وهم وخيال، فيحكي عن حمامتين بيضاوين، بل عن سرب حمام، بل عن صبيتين تقفزان إليه من شرفتين متقابلتين، ويكون ما يكون في الْأَحلام.
هكذا يواجه العم لطوف الواقع بالحلم، وهما عنده سيان، فإذا هو بالحكي ينتصر على الحرمان والفقر والتخلف والجهل والقهر، ويظل يحكي.
العم لطوف ذاهل، ويذهل من حوله، لأنه يعيش في عالم البراءة والحرية والأحلام، لأنه قادر في أي لحظة على صنع خلاصه، وخلاصه يتمثل في الحكي، وهو فن يجيده بل يتقنه، وبه يصنع عالمه ويدخل فيه، ويدخل معه مَن حوله، ليصنع حريته وخلاصه، ويحار المرء: من أين تتبع تلك المتعة؟
هل البراءة هي مصدر تلك المتعة؟ هل فن الحكي هو سر التشويق؟ هل عبق الماضي حيث الحكاية والمقهى وسهرات الريف الجميل أو التفاف البسطاء حول العامل الفقير أو عفوية الساذج الذاهل، وهو يحكي في دكانه المتواضعة، هي سر السحر والمتعة والجمال؟
وثمة في الأعماق قهر بعيد، مرارة عميقة، تختبئ وراء السطور، فالعم لطوف هو بالمحصلة نتاج الصدام بين الفقر والتسلط، تؤكده البطيخة، بين التخلف والتقدم، يؤكده التلفاز، بين الجهل والعلم، تؤكده الحمامتان البيضاوان، بين الفقر والغنى، تؤكده فراخ الدجاجة.
وئمة سخرية مرة، وبسمة جريحة، لا تكاد تفتر عنها الشفاه، لأنها تخفي في العمق ألمًا مزمنًا.
والجميل أن هذه الأشكال من الصدام خفية في الأعماق، بعيدة في الأغوار، ولعل هنا سر المتعة في التخاريف، فالعم لطوف يجيد الحكي، وهو قوي الإحساس، حاضر البديهة، ذكي قادر على الارتجال، هو رجل من الناس الطيبين البسطاء، ليس مفكراً ولا منظرا، ولكن بعد أن يمتع بحكاياته، ويسلّي ويدهش ويفجأ، يجعلنا نفكر، وتلك هي حقيقة الفن.
على أن انفجاراً مدهشاً يحصل في النهاية، في آخر حكاية، أو آخر تخريفة، ويكاد كل ما كان في الأعماق يطفو على الوجه ويظهر، ويكاد كل شيء ينكشف، ولكنه لا ينكشف، وتكاد التخاريف تقول كل شيء، ولكنها لا تقول، وتظل التخاريف محافظة على إدهاشها وعجائبيتها ومخاتلتها الفنية المذهلة، إذ يمارس على العم لطوف كل ما هو غير متوقع، وكل ما هو غير عادل ولا منصف، وكل ما هو خرافي وأسطوري ومذهل، ويغدو العم لطوف تاريخا وسيرة وأسطورة، وهو حقيقة كذلك.
بل إن النهاية، ولن أتحدث عنها، لتعطف الحس والانفعال والفكر والوجدان، لتعود تلك القوى كلها إلى البداية، وتلف التخاريف كلها وتحيط بها وتوحدها، فإذا هي حكاية واحدة، تمتلك وحدة البطل والحدث والموقف والرؤية والبناء.
لقد أثقل بعض القاصين قصصهم بالفكر والهمّ السياسي والانشغال بالهدف، وجعل بعضهم الآخر القصة مطية لفكرة، ووسيلة للتعبير عن قضية أو موقف، حتى أخذ بعض النقاد يحكمون على قيمة القصة انطلاقا من الفكرة التي تقول، وبات بعضهم الآخر يصنف القصة وفق الغرض الذي تخدمه، فإذا نحن أمام قصة اجتماعية وأخرى وطنية وثالثة سياسية... ونسينا الفن.
وهذا ما لم يفعله العم لطوف في تخاريفه، فقد كان مخلصاً للفن، وحمل إخلاصه للفن في داخله إخلاصه لموقعه الاجتماعي، فجاء موقفه عفويا صادقا معبرا عن موقعه من غير افتعال ولا اصطناع ولا تحميل، فأدى وظيفة الفن أصدق أداء، كما أداها أجمل أداء، وظل وفياً في العمق لحسه الذي يؤديه فنا ونتلقاه متعة ثم نصوغه إذا شئنا فكرا وموقفا، على الرغم من النهاية التي كانت انفجاراً، وكادت تقول كل شيء، ولكنها لم تقل شيئاً، لتترك لنا القول.
ومرة أخرى هذه هي طبيعة الفن ووظيفته، وقد حققتها تخاريف العم لطوف.
والجميل في هذه التخاريف هو الخيال العجائبي الذي يصطنع المواقف الحلمية الذاهلة الخارقة للمألوف لأنها تسبح في عالم من الهذيان والحلم والقهر والحرمان مثلها مثل الحكايات الشعبية، في سردها وبنيتها وطبيعتها، فإذا هي حكاية في داخل حكاية، وإذا هي حكاية في سهرة أو مقهى أو دكان أو سجن، وإذا الملتفون حول الراوي يقاطعونه: يوافقونه ويختلفون معه يصدقونه أو لا يصدقونه، ولكنهم ينفعلون، وانفعالهم يقود إلى وعي، وتلك هي إحدى وظائف الفن.
والجميل في تخاريف العم لطوف تلك الوحدة، هي وحدة الراوي، ووحدة البطل، ووحدة الحس والانفعال والوعي، على الرغم من التنوع في الحالات من فقر إلى جهل إلى قهر إلى تخلف إلى حرمان، بل على الرغم من تعدد الرواة الذين يروون عن راو واحد، وشان التخاريف هنا شأن المقامات، بطلها واحد وراويها واحد ورؤيتها واحدة، وإن تعددت فيها المواقف والحالات.
وسر هذه الوحدة راجع فى الحقيقة إلى أن السارد هو أصدقاء العم لطوف ومَن حوله، ممن كانوا قد استمعوا إلى تخاريفه، ثم رَوَوْها عنه، وسر هذه الوحدة راجع إلى النهاية المدهشة التي وحدت التخاريف، وجعلتها حكاية واحدة.
والجميل في التخاريف أنها عصرية، لا في الحالات والمواقف فحسب، بل في الحكي والقص، فهي تعتمد الحوار والاسترجاع والمونولوج والقطع والاستباق والحلم والإيهام وكسر الإيهام، كما تعتمد دهشة النهاية في كل تخريفة، فإذا هي منتمية إلى القصة القصيرة، كما تعتمد الحكاية الختامية، التي تتضمن نهاية النهايات، والتي توحِّد كل الحكايات، فإذا هي تجمع الحكايات في وحدة، وتجعلها أشبه بالرواية المبنية على عدة وحدات.
والجميل أن هذه النهاية هي نهاية فنية للحكي، ولكنها بداية من أجل العودة إلى التخاريف وقراءتها ثانية بوعي آخر، لتوحيدها فنيا وفكريا، ولكنها بداية أيضا لحياة جديدة للعم لطوف؟ هل مات العم لطوف؟ حتى الآن لم نتكلم في شيء عن نهاية النهايات أو بداية البداية.
ليست هذه التخاريف حكايات شعبية، ولا تقليداً للمقامات، وليست قصصاً تقليدية، وليست بالطبع قصصا حدائية، إنما هي قصص تسعى إلى التأصيل، تستعين بمعطيات القديم والجديد، التراثي والمعاصر، لتقدم ما يمنحها خصوصيتها.
هكذا أنهض ضحى، فأجد هذا التقديم مكتوباً، كيف كتبته؟ ومتى؟ لا أعرف؟
كل ما في الأمر أن الصديق محمود الوهب أرسل إليَّ بالبريد الأثيري مجموعته القصصية الثانية، وكان قبل بضعة أشهر تقريباً قد أهدائي مجموعته القصصية الأولى: "إشراقات الزمن الماضي"، وقد قدم لها الروائي حنا مينة، ولقيني منذ شهر تقريباً وسألني هامسا وهو يبتسم: "هل قرأت المجموعة؟"، وخجلت منه ومن نفسي، إذ لم أقرأها، فأنا أعرف الصديق القاص محمود الوهب، وقد استمعت إلى بعض قصصه في نادي التمثيل العربي بحلب، وفي فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب، وقرأت بعض قصصه في الأسبوع الأدبي وفي الموقف الأدبي، وهو صديق عزيز، ويبدو أننا معشر الأدباء لا يقرأ أحدنا للآخر، ولا سيما عندما نكون أصدقاء، واعتذرت إليه، فابتسم، وهو اللطيف الودود، وقال: "سأعطيك مجموعة جديدة، وستقرؤها"، وشعرت بالخجل ثانية، وأمام الحاسوب قعدت أقرأ المجموعة الجديدة، في ليلة ساحرة من ليالي رمضان، وأفراد الأُسْرة من حولي، والتلفاز أمامي، والفضائيات تتقافز وتتحرك، وأذهل عن نفسي، وأنهض ضحى، وأسرع الى الحاسوب فأجد هذا التقديم.
ولكن يبدو أني لا أملك موهبة العم لطوف ولا قدرته على الإقناع بما هو حلمي غرائبي عجائبي، ولذلك أدعِو القارئ إلى الدخول في عالم العم لطوف فهو أكثر إمتاعاً.
شكراً للصديق القاص محمود الوهب.
حلب
11/6/ 2003