كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

البغل.. (قصة قصيرة)

محمود الوهب
مثلما يتربع المرء على عرش أو قمة، يتربع السيد عبد الرحيم اليوم على قمة الستين من عمره مرتاحًا يزهو بخلاصه الذي ربما عدَّه نوعًا من الانتصار، بل هو الانتصار الكبير في حياته، فهو لم يتسلق هذه القمة إلا بعد كد وتعب، وطول صبر ومجالدة، فها هو ذا الآن يمدد رجليه على راحتيهما، فلا كرسي بعد الآن يصلب جسده، ولا طاولة تحني ظهره، لا مراجعين ينكدون عليه صفو ذهنه، ولا معاملات تافهة تضيق فضاء أفقه وأحلامه.. والأهم من ذلك كله، أن لا أحد اليوم يخضعه للأوامر..
فلا وزير اليوم ولا مدير ولا حتى رئيس دائرة، فقد ولى الزمن الذي كان يساق فيه مثل بغل في مدار.. نعم لقد ولى ذلك الزمن وولت معه تلك التعليمات السخيفة إلى غير رجعة.. أربعون عامًا نعم أربعون عاماً وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا عانى خلالها عبد الرحيم الروتين الممل.. والتعاليم الفارغة الجافة..
هل يمكن للمرء أن يولد أكثر من مرة؟ (يسأل عبد الرحيم وعينه على المرآة) نعم بكل تأكيد ولم لا؟ (يجيب بثقة مطلقة) وشعوره بتوقده الذهني والروحي يزداد ويتقوى.. يقهقه البياض في جانبي رأسه وتمعن تجاعيد العنق والجبين في تجهمهما.. ولكن لا لن يسمح عبد الرحيم لأي كان أن ينغِّص عليه متعة الولادة الجديدة المكتملة أو يصادر نعيم فرحه الهاطل عليه مطرًا نيسانيًا.. فالصحة عامرة والقلب شباب، بل إن تجربته الطويلة في الحياة يمكن أن تكون غبطة من جيل الشباب نفسه..
ما هو مهم الآن "يا عبد الرحيم" أنك متفرغ لحياتك الجديدة كلياً فلا موعدَ رسميًا يقطع عليك خيوطَ أحلامِك التي اعتادت أن تمنحَ لحظاتِ نومِكَ الأخيرَ متعتَها.. فمنذ الآن لن تلزم نفسك ببرنامج معين حتى وإن كان معنياً بحياتك الجديدة، فأي برنامج محدد هو قيد على حريتك.. لن تخضع نفسك إلا لهواها.. ولن تتصرف إلا على نحو آلي وعفوي..
أما الآن فلترتد ثيابك ولتقم بالطواف على معالم المدينة التي ألفتها وتهفو روحك إليها.. ولعلك أيضاً تلتقي ببعض أصدقاء الطفولة، فتبثهم فرحك باستعادة حيويتك ونشاطك في ظلال الحرية.. وقد تلتقي بمن يدلك على واحدة تشاركك الاستمتاع بجمال هذه الأوقات، وسعادتها..
يمعن عبد الرحيم إلى المرآة.. هذه التجاعيد يمكن التغلب عليها بالرياضة، والأغذية الرطبة.. أما الشيب فليبق.. إذ لا يمكن له أن يضع صباغًا، فلطالما كره هذه المظاهرَ المصطنعةَ والمخادعة.. ارتدى ملابسه وعن عمْدٍ أهمل ربطة العنق، فهذه الربطة لا تنتمي إلى أي من مفردات الحرية، إنها واحدة من قيود الوظيفة والدوائر الرسمية.. فتح باب الغرفة استنشق نسائم الصباح، انتعشت روحُهُ فهمس:
الحياة جميلة وممتعة، وكل ما فيها رائع وبديع.. خطواتي تقول: إنني لمَّا أتجاوز الأربعين، ثمَّ صادق على نجواه: نعم إنها الحقيقة.. ومضى..
بمرح أدار باب المنزل الخارجي.. ثمة حاجز جعله يرتد مذهولًا، تأفف.. أف.. أف ما هذا؟! بغل!؟ ومن أين جاء البغل؟ ومن تراه أوقفه عند باب الدار تماماً؟! العمى، إنه يسد الباب بجسمه الضخم.. بل هو يسده حقيقة.. أعوذ بالله..
هِش.. صاح عبد الرحيم، على نحو عفوي، ملوحًا بيده.. البغل لم يسمع، بل لم يأبه بالصوت، والدليل أنه لم يتزحزح من مكانه! واكتفى بتحريك رأسه وهزِّ ذيله.. ثم ليضرب الأرض بحافره الأمامي الأيمن ضربتين متتاليتين.. فماذا تعني هذه الحركات؟
لا عهد لعبد الرحيم بطبائع البغال! زميله فارس كان يشبِّهُ المديرَ بالبغل.. يقول حين تبدو منه غلظة ما، أو حين يفسر الأوامر العليا بما يرضي نوازعه البيروقراطية: "بغل.. احذروا الرفس.." وكانوا يتضاحكون، لكن أن يلتقي عبد الرحيم ببغل حقيقي وجهًا لوجه، ذلك، لم يحصل في حياته كلها.. ولم يخطر بباله مطلقًا.. فمن تراه ربطه هنا؟ ثمة رسن مشدود إلى مسمار حديدي..
أخذ عبد الرحيم يفكر ماذا يفعل؟ أيبقى في البيت؟ لا أبدًا فذلك غير ممكن.. إنه لن يفوِّت فرصة يوم انتظره طويلًا.. إذًا لينتظر بعض الوقت فلعلَّ صاحب البغل يطل من جهة ما.. وعاد إلى الهش والصياح ثانية.. لكنه لم يأت بأية نتيجة، بل إن البغل عاد إلى تحريك رأسه، وهزِّه في الفراغ وإلى ضرب الأرض والمترسة في المكان، وكأنه يتحدى عبد الرحيم.. فكَّر لو أنه يمرق من تحت بطن البغل، فثمة مجال واسع، ولكن ماذا لو رآه أحدهم؟! ستكون فضيحة.. وسيغدو أضحوكة.. مدَّ يده بلطف إلى جانب من رأس البغل، وبهدوء أخذ يدفع الكتلة الجلدية الملتفة حول رقبته الغليظة الطويلة، وحين استطاع أن يحدث فرجة بين البغل وطرف الباب.. سارع يدسُّ جسده المتواضع قياسًا إلى حجم البغل ثم يحاول الانزلاق، لكن خاطرًا ما، في تلك اللحظة بالذات، راود ذهن البغل، فجعله يدفع برأسه إلى أمام باتجاه الباب، ويصدر شحيجًا من بين مشفريه الغليظين..
صار ظهر عبد الرحيم إلى الجدار بجانب الباب أما صدره فغدا إلى رأس البغل الذي أخذ بثقل دفعه أكثر من الحجر الذي يضغط على ظهره، ومع ذلك فقد عجب من نفسه كيف نجا، إذ لم تدم الحال أكثر من ثوانٍ قليلةٍ وحين تفحَّص حاله لم تزعجه الخسائر البسيطة.. فثمة رُوَالٌ من أنف البغل أندى قميصه، وألم خفيف أحسه في قصبات صدره.. أخرج منديلًا فمسح جوانب قميصه وسترته..
الأوجاع إلى زوال.. ردد عبد الرحيم بينه وبين نفسه، لكن المشكلة في البغل.. أيكون فعله عن قصد؟ ولكن لماذا؟ وما هي دوافعه؟ ثمَّ إنني لم ألمحه طوال حياتي، ولم يحدث أن ربط أحدهم بغلًا أمام باب منزلي، أتكون مكيدة من أحد.. ولكن مِمَنْ؟ ولماذا؟ لا أعتقد ذلك، ولعل البغل هو الآخر قد غُلِبَ على أمره، ربما ضايقته ذبابة سمجة من تلك الذبابات الصفراء الكريهة التي تألف ما تحت ذيول الحيوانات فتزعجهم، وقد حاول المسكين إبعادها، فتصرف على ذلك النحو، وهو البغل الحقيقي الأولى بعبارة فارس..
بتلك الأسئلة والمبررات راح عبد الرحيم يحدث نفسه، بينما تمتد يده بين اللحظة والأخرى تتحسس أوجاعه التي أخذت تشتد أكثر فأكثر..
مهما يكن من أمر فلن يسمح عبد الرحيم لأحد أن يعكر صفو هذا اليوم، إنه يوم انتظره طويلًا.. وستعقبه أيام أخرى كثيرة.. إذاً عليه أن ينسى لتظل البداية نقية وشائقة.. ولكن من يستطيع نسيان صورة ذلك البغل، وتأثيره ما يزال يخزُّ صدْرَه؟!
غالب آلام صدره وراح يتجول في الحي الذي شهد خطوه الأول وكلماته وضحكاته ودموعه.. تأمل ما تبقى من البيوت القديمة والدكاكين، توقف قليلًا جانب المدرسة أخرج علبة تبغه.. أشعل لفافة.. مجَّ دخانها بسرعة، تأمل ذلك العالم البعيد.. لعب ومرح.. تشاجر وتصالح.. ثم عود في المساء ليغفو بحضن أمه وليحلم من جديد بأيام ممتعة أخرى..
أين هي أمُّه الآن؟ وأين أبوه؟ الوقت غير مناسب ليزور المقبرة القريبة.. أكثر من آه طويلة سحبها من مكامن الوجع.. تحسست يده مواطن تأثير رأس البغل في قصبات الظهر.. لعلها أنفاس الدخان قد حركت تلك الأوجاع.. تبدت صورة البغل في رأسه وعينيه من جديد.. إذًا عليه أن يعودَ الآن.. أتراه البغل قد غادر مكانه.. وحث عبد الرحيم الخطو عائدًا..
حمد الله وشكره أن لا بغل ولا يحزنون.. اقترب من باب المنزل، ثمَّةَ بقايا روائح كريهة، خلفها البغل.. الشمس، قال في نفسه، كفيلة بتجفيفها وإزالة بقاياها.. هناك ذبابة كلبية صفراء، هجرت مؤخرة البغل، وتركت جسمها يرتاح عند طرف الباب..
تفو عليك أيتها الحقيرة، أنت السبب فيما حصل.. تناول عبد الرحيم حجرًا من الأرض وقذفها به، فجعلها في الحال وشمًا في المكان.. لكن الحجر الصلد الملوث بدمها النتن، ارتد قويًا إلى الخلف ليصيب حاجب عبد الرحيم الأيمن بجرح قبل أن يسقط متدحرجًا عند قدميه..
تلمس عبد الرحيم حاجبه، أحس بلزوجة الدم وحرارته، نظر إلى يده فوجدها قد تلوثت بالسائل الأحمر، لام نفسه على حمقه، ورعونته، لكنه لم يجد بدًا من دس المفتاح بالقفل، وإدارته دورتين، ليطلَّ على ردهة الدار الواسعةِ المربعةِ وليسرعَ إلى تضميد جرحه، والتأمل في المفاجآت الغريبة التي حدثت..
سامحك الله يا عبد الرحيم كيف تنسى إحضار مؤونة اليوم؟ وجبة الغداء على الأقل.. فما الذي يمكنه أن يسد جوع الساعات الطويلة الحافلة.. أيعقل أن تناسب حواضر البيت، أو بعض الأطعمة الناشفة وجبةً احتفاليةً منتظرة؟
إذًا لا بد من الخروج ثانية، هي دقائق على كل حال لا أكثر، ولكن لابد من كأس صغيرة أولاً، تستعيد معها نشوة الصباح وبهجته.. مد عبد الرحيم يده إلى الخزانة استخرج زجاجة قديمة عنده، بصعوبة اقتلع سدادة الفلين من فوهتها، قرَّب الفوهة من أنفه.. ما أطيبها رائحة الخمرة المعتقة.. ملأ نصف القدح، وأخذ يتم نصفه الأخر بقطع الثلج البلورية، واحدة بعد أخرى، وهو يستمع إلى احتكاك بعضها ببعض، وبالسائل الخمري وبجدار الكأس، وهي تتكامل وتتناغم، فتشدو روحُه، يهزُّ الكأس مرة وأخرى.. لقطع الثلج في العصير المقطر رنين يحمل الروح إلى الرقص مع الأخيلة والأحلام.. إيه لو أنه عثر اليوم على المرأة المؤجلة..
لا يمكنه الجمع بين الوظيفة والمرأة في وقت واحد هكذا كان عبد الرحيم يتخلَّص ممن يلح عليه في السؤال عن عزوبته الطويلة.. ولكن ها هو ذا الآن قد هجر الوظيفة إلى الأبد.. إذاً فماذا لو بحث عن حلمه المؤجل، أية امرأة عظيمة تلك التي كونتها أحلام أربعين سنة وأكثر يا عبد الرحيم.. أووه أبهة إنها الجمال كله والبهاء.. إنها اللطف والدلال والسخاء! قرب الكأس من فمه ورشف رشفة، يا إلهي ما أمتعه! "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكَراً ورزقاً حسناً.." الله.. الله! هو الكلام الحق.. ومع تهلل وجهه وابتهاجه، نهض عبد الرحيم وهو يدندن: "صحَّت والله الحياة وطاب ريقها يا عبدو.."
رشف عبد الرحيم رشفة طويلة هذه المرة.. وحين أخذت الغرفة بالحنجلة، أجهز على الكأس ورشَّ بقاياه على يديه فمسح وجهه، ثم قام إلى جلب الطعام وهو يردد أغنية قديمة لفريد الأطرش: "الحياة حلوة بس نفهمها.. الحياة غنوة ما أحلى أنغامها.."
وبخفة يفتح الباب. لكن الدهشة لم تعقد لسانه فحسب، بل طيِّرت النشوة كلها من رأسه! إذ ما إن فتح الباب، حتى أطلَّ البغل بجسمه الضخم، ورأسه الثقيل، يهم بالدخول.. كيف استطاع أن يغلق الباب في وجه البغل، بتلك السرعة، أهو الخوف أم النباهة؟! هو، حقيقة، لا يعرف.. لكنه بالتأكيد تنفَّس ريحَ الحياة باستعادة الروح..
ما العمل الآن يا عبد الرحيم، لو كان لديك سلاح، بندقية، مسدس، أية وسيلة، يمكن استخدامها عن بعد، اندفع إلى المطبخ ولكن ما تفعل سكين تقشير الفاكهة وفرم الخضار.. ثم إنك يا عبد الرحيم لا تتجرأ على الاقتراب من البغل، فكيف بمنازلته وإدخال نفسك في معركة نتائجها ليست في صالحك حتماً..
أسند عبد الرحيم ظهره إلى الجدار خلف الباب وراح يفكر في حل ما، هل يستنجد بالجوار؟ أيخبر زميله فراس الخبير بطباع البغال جميعها؟

مضى إلى الغرفة.. تناول كأساً آخر من الزجاجة دونما ثلج هذه المرة، وخرج إلى أرض الديار، اقترب من الباب، نظر من شق فيه.. البغل لايزال يتربَّص في مكانه، ويكاد يسد الزقاق كله لا الباب فحسب.. لا سبيل إلى الخروج أبداً.. لفت انتباهه حائط الباب الواطئ نسبياً.. فماذا لو صعد عليه وهوى بحجر ثقيل فوق رأس البغل، وليذهب إلى الجحيم هو وصاحبه.. ولكن هل يقدر على حمل الحجر.. ثم رأى إنه ليس بحاجة إلى حملها من الأسفل.. فيكفي أن يدفع بأي حجر من فوق الجدار حتى تسقط في الحال، وما عليه إلَّا أن يحكم الضربة لتكون القاتلة.. فكر بكأس جديدة.. لابأس، لكن بعد الانتهاء من العملية.. وبسرعة جلب السلَّم القديم، أسنده إلى الجدار، وبسرعة تسلق درجاته.. لم يأبه للدرجات الخشبية المتهرئة التي أخذت تطقطق تحت رجليه.. وحين صار عبد الرحيم فوق الجدار، فاجأه البغل برأسٍ مرفوعٍ إليه، وبضحكة عريضة، قلبت شفته الغليظة العليا، لتظهر من خلفها أسنانه الكبيرة الصفراء.. تبادلا نظرات لئيمة خاطفة، سارع بعدها عبد الرحيم إلى الحجر، يهمّ بإسقاطه، لكنّ الدوار المفاجئ الذي اعتراه، جعله والبغل والحجر الثقيل، يدورون كلّهم في زوبعة واحدة.. أما البغل الذي ارتج من هول الارتطام، وأجفل، فقد نتر رسَنَه على نحو عفوي، فأفلت من حجر الجدار، وحين صارت روحه إلى الحرية، وتاق جسده إلى الحركة، والانطلاق! مضى في ركض هائج، عنيف، يجوب حواري المدينة وأزقتها، والأستاذ عبد الرحيم مكوّم فوق ظهره، تغزو رأسَهُ صورٌ ومشاهدُ، لم تكن لتخطر على باله، من قبل، أبداً..!"

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته