عيد الرابع
2026.04.19
أحمد رفعت يوسف
يوم السابع عشر من نيسان..
هو يوم جلاء المستعمر الفرنسي عن بلادنا.. لكنه بالنسبة لمناطق الساحل السوري، والسفح الشرقي لتلك الجبال، هو يوم اخر..
هو عيد الربيع (الرابع)..
الذي يوافق الرابع من نيسان، وفق التقويم الشرقي، الذي كان يؤخذ به في العرف الشعبي للمنطقة، الى سنوات قليلة خلت، لذلك كان يسمى هذا العيد (عيد الرابع).
هو عيد تجدد الطبيعة، مع بدء الربيع، واخضرار الاغصان، والاوراق، وتفتح الزهور..
هو عيد متجذر في عمق الحضارة السورية، الاعرق، والافضل، والاجمل، على وجه الارض..
كان هذا اليوم لمجتمع تلك المناطق، هو اهم عيد، لأنه عيد فرح، ومحبه، ونشاط، وشعور بتجدد الحياة..
تاريخيا.. تقول الأساطير القديمة، أن هذا اليوم، هو يوم الربيع، حيث تتمكن عشتار، آلهة الأنوثة عند السوريين القدماء، من تخليص تموز، إله الذكورة، من العالم السفلي، ليعود إلى الحياة، ويخصب عشتار، ويجلب إلى الأرض الربيع والخضرة.
وتم تبني هذا العيد، عند كل الشعوب والمجتمعات، في بلاد الشام، والرافدين، وفارس، والأتراك، وشعوب آسيا الوسطى.
كان الناس يتهيؤون له، قبل فترة طويلة، بشراء الملابس الجديدة، وإعداد الاكلات، والحلويات الخاصة به، واهمها اقراص العيد..
وكان الموظفون، والجنود، والموجودون خارج مناطقهم، والأهل والأقرباء، يؤجلون إجازاتهم وزياراتهم، الى هذه الفترة ..
كانت احتفالات هذا العيد، تمتد لعدة ايام، عبر تجمعات تتم كل يوم في مكان، يقيم فيها المحتفلون، حلقات الدبكة والرقص، وترديد الأغاني الشعبية والتراثية الجميلة، ولا يزال ابناء تلك المناطق، يحتفظون حتى الان، بالكثير من التراث السوري الغريق، من العادات والتقاليد، والمناسبات، واللهجة والمفردات اللغوية، التي تعود الى تلك الفترات، التي كانت فيها سورية بلاد الشام، اهم نقطة اشعاع حضاري على وجه الارض، من يوم اختراع السوريين للأبجدية، والنوتة الموسيقية، والالعاب الرياضية والاولمبية، وقبل الحضارة اليونانية، التي هي وليدة الحضارة السورية، وليست حضارة مستقلة بذاتها، ومن اهم دلالائها، ان ملعب عمريت قرب طرطوس، والذي لازالت اطلاله موجودة، اقدم من ملعب الأولمب في اليونان، بألف ومئة سنة، والسوريون هم من بنوا ملعب الاولمب، على نفس مقاييس ملعب عمريت، ولو كان هناك اهتمام بتراثنا، وتاريخنا العريق، لكانت الالعاب الاولمبية، تنسب لملعب عمريت، وليس للملعب الأولمبي، ولكان ملعب عمريت قائما حتى الان.
عيد الرابع (الربيع) لم يكن مجرد عيد للطبيعة، وتجدد الحياة، وانما كانت له عادات وتقاليد اجتماعية، تعتبر قمة في الحضارة والرقي الاجتماعي، ومن اهمها، أنه كان اهم مناسبة لتواصل الأسر، والأهل والأقرباء، ولتعارف الناس، وخاصة جيل الشباب، المقبل على الحياة والزواج، فكانت الاعياد تنتهي من هنا، لتبدأ بعدها مباشرة حفلات الخطوبة والزواج، للشباب الذين تعارفوا خلال فترة العيد، وكم من الازواج حاليا، يروون قصة تعارفهم على الشريك، في هذه المناسبة.
ولا يزال المنتمون إلى تلك الفترة الجميلة، يتذكرون ألعاب العيد، وخيمة الساحر، وحلقات الدبكة، والزمر والمجوز، وفرح الأطفال، وابتسامات ولقاءات العشاق، ممن تعارفوا في هذه المناسبة.
كانت فرحتنا بهذا العيد لا توصف، والأيام التي كانت تسبقه، كنا نشعر بأنها طويلة جداً، ومن أطرف ما كان يحدث مع الأطفال (وأنا منهم) كثيراً مالبسنا ثياب العيد، في الليلة التي تسبق موعده، بحجة تجريبها، ومن فرحتنا ننسى أنفسنا، وننام فيها، وحتى بأحذيتنا الجديدة احيانا.
من المؤسف، ان التجمعات والاحتفال بهذه المناسبة، توقفت مع احداث الاخوان المسلمين، في ثمانينيات القرن الماضي، ففقدت المنطقة أجمل ايامها وافراحها، وتمت محاولات للعودة اليها، لكنها لم تنجح حتى الان..
وكم أتمنى ان يعود الامن والامان لبلادنا، واعادة احياء تلك العادات الاجتماعية الراقية.
وبهذه المناسبة نقول، لجميع المنتمين الى الحضارة السورية، حضارة بلاد الشام العريقة، كل عام.. وكل ربيع وأنتم بخير..