دُعاء الفيلسوف أبي نصر الفارابي
2026.04.02
أسعد صالح
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك يَا وَاجِب الْوُجُود وَيَا عِلّة الْعِلَل قَدِيماً لم يزل أَن تعصمني من الزلل وَأَن تجْعَل لي من الأمل مَا ترضاه لي من عمل.
اللَّهُمَّ امنحني مَا اجْتمع من المناقب وارزقني فِي أموري حسن العواقب،
نجح مقاصدي والمطالب يَا إِلَه الْمَشَارِق والمغارب ربّ الْجوَار الكنّس السَّبع الَّتِي انبجست عَن الْكَوْن انبجاس الْأَبْهَر هن الفواعل عَن مَشِيئَته الَّتِي عَمت فضائلها جَمِيع الْجَوْهَر.
أَصبَحت أَرْجُو الْخَيْر مِنْك وأمتري
زحلاً وَنَفس عُطَارِد وَالْمُشْتَرِي
اللَّهُمَّ ألبسني حلل الْبَهَاء وكرامات الْأَنْبِيَاء وسعادة الْأَغْنِيَاء وعلوم الْحُكَمَاء وخشوع الأتقياء.
اللَّهُمَّ أنقذني من عَالم الشَّقَاء والفناء واجعلني من إخْوَان الصفاء وَأَصْحَاب الْوَفَاء وسكان السَّمَاء مَعَ الصديقين وَالشُّهَدَاء.
أَنْت الله الْإِلَه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت عِلّة الْأَشْيَاء وَنور الأَرْض وَالسَّمَاء
امنحني فيضا من الْعقل الفعال يَا ذَا الْجلَال والأفضال هذب نَفسِي بأنوار الْحِكْمَة وأوزعني شكر مَا أوليتني من نعْمَة أَرِنِي الْحق حَقًا وألهمني اتِّبَاعه وَالْبَاطِل بَاطِلا واحرمني اعْتِقَاده واستماعه هذب نَفسِي من طِينَة الهيولى إِنَّك أَنْت الْعلَّة الأولى
يَا عِلّة الْأَشْيَاء جمعا وَالَّذِي
كَانَت بِهِ عَن فيضه المتفجّرِ
رب السَّمَوَات الطباق ومركز
فِي وسطهن من الثرى والأبحرِ
إِنِّي دعوتك مستجيرا مذنباً
فَاغْفِر خَطِيئَة مذنب ومُقصّرِ
هذب بفيض مِنْك ربّ الْكلّ من
كدر الطبيعة والعناصر عنصري
اللَّهُمَّ رب الْأَشْخَاص العلوية والأجرام الفلكية والأرواح السماوية غلبت على عَبدك الشَّهْوَة البشرية وَحب الشَّهَوَات وَالدُّنْيَا الدنية فَاجْعَلْ عصمتك مجني من التَّخْلِيط وتقواك حصني من
التَّفْرِيط إِنَّك بِكُل شَيْء مُحِيط
اللَّهُمَّ أنفذني من أسر الطبائع الْأَرْبَع وأنقلني إِلَى جنانك الأوسع وجوارك الأرفع.
اللَّهُمَّ اجْعَل الْكِفَايَة سَببا لقطع مَذْمُوم العلائق الَّتِي بيني وَبَين الْأَجْسَام الترابية والهموم الكونية وَاجعَل الْحِكْمَة سَببا لِاتِّحَاد نَفسِي بالعوالم الإلهية والأرواح السماوية.
اللَّهُمَّ طهر بِروح الْقُدس الشَّرِيفَة نَفسِي وَأثر بالحكمة الْبَالِغَة عَقْلِي وحسي وَاجعَل الْمَلَائِكَة بَدَلا من عَالم الطبيعة أنسي.
اللَّهُمَّ ألهمني الْهدى وَثَبت إيماني بالتقوى وبغض إِلَى نَفسِي حب الدُّنْيَا
اللَّهُمَّ قو ذاتي على قهر الشَّهَوَات الفانية وَألْحق نَفسِي بمنازل النُّفُوس الْبَاقِيَة وَاجْعَلْهَا من جملَة الْجَوَاهِر الشَّرِيفَة الغالية فِي جنَّات عالية
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ سَابق الموجودات الَّتِي تنطق بألسنة الْحَال والمقال إِنَّك الْمُعْطِي كل شَيْء مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحقّه بالحكمة وجاعل الْوُجُود لَهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى عدمهَا نعْمَة وَرَحْمَة.
فالذوات مِنْهَا والأعراض مُسْتَحقَّة بآلائك شاكرة فَضَائِل نعمائك وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَعَالَيْت إِنَّك الله الْأَحَد الْفَرد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد.
اللَّهُمَّ إِنَّك قد سجنت نَفسِي فِي سجن من العناصر الْأَرْبَعَة ووكلت بافتراسها سباعا من الشَّهَوَات.
اللَّهُمَّ جد لَهَا بالعصمة وَتعطف عَلَيْهَا بِالرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ بك أليق وبالكرم الفائض الَّذِي هُوَ مِنْك أجد وأخلق وامنن عَلَيْهَا بِالتَّوْبَةِ العائدة بهَا إِلَى عالمها السماوي وَعجل لَهَا بالأوبة الي مقَامهَا الْقُدسِي واطلع على ظلمائها شمسا من الْعقل الفعال وامط عَنْهَا ظلمات الْجَهْل والضلال وَاجعَل مَا فِي قواها بِالْقُوَّةِ كامنا بِالْفِعْلِ وأخرجها من ظلمات الْجَهْل إِلَى نور الْحِكْمَة وضياء الْعقل الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور.
اللَّهُمَّ أرِ نَفسِي صور الغيوب الصَّالِحَة فِي منامها وبدلها من الأضغاث برؤيا الْخيرَات والبشرى الصادقة فِي أحلامها وطهرها من الأوساخ الَّتِي تأثرت بهَا عَن محسوساتها وأوهامها وأمط عَنْهَا كدر الطبيعة وأنزلها فِي عَالم النُّفُوس الْمنزلَة الرفيعة.
الله الَّذِي هَدَانِي وكفاني وآواني.
آمين.)
---------------------
المصدر: كتاب "مبادئ الفلسفة القديمة" لأبي نصر الفارابي