كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جمانة نعمان.. رحلت.. ورحل معها عالم طفولتنا


أمينة عباس - فينكس

كما كانت تعمل بصمت وهدوء بعيدًا عن ضجيج الأضواء، رحلت الكاتبة جمانة نعمان مساء أمس ليرحل معها عالم طفولة كان يحضر بوجودها في أي مكان تحل فيه، سواء في ضحكتها أو في قلبها الذي كان ما زال متعلقًا بتلك الطفلة التي كانت تعيش عوالمها السحرية ضمن عائلة وفرت لها كل أسباب الحلم والطموح، فشكلت خلال مسيرتها حالة استثنائية على الصعيد الإنساني والإبداعي الذي كان فيه الطفل غايتها ومقصدها، فقدمت كمًا هائلًا من المسلسلات والأغاني والقصص التي كانت تكتبها بشفافية وبأسلوب عميق يلامس الطفل بخياله الواسع من خلال قدرتها على ترجمة أي فكرة على الواقع من خلال قصة أو أغنية تقدّمها بمفرداتها النثرية.
حياة مترفة فكريًا وإنسانيًا
كانت نعمان تؤكد دائمًا أن الأطفال كانوا القاسم المشترك في كل محطات مسيرتها الكتابية، وأن التعامل الدائم معهم جعل الطفولة متيقظة في داخلها تخرجها متى تريد، وقد خدمتها كثيرًا في مسيرتها الكتابية وفي حياتها، وهي التي عاشت طفولة غنية جدًا بوجود جدتها التي ربتها بعد أن توفيت والدتها باكرًا، وعاشت معها حياة مترفة فكريًا وإنسانيًا، وقد تأثرت جدًا بالأغاني التي كانت تغنيها لها عندما كانت تنام على ركبتيها لتسمع منها القصص التي تحلق بها نحو عالم الخيال، في حين كان لعمها الأصغر دور كبير في توسيع خيالها، فهي وبعمر صغير كان يحملها إلى سطح البيت ويجعلها تقوم بعد الغيمات الموجودة في السماء، فكان هذا الحب والحياة النقية والنظيفة والمليئة بالحنان والمشاعر والعواطف قد أغناها من جهة روحانية، ومنحها رصيدًا ظلت تنتح منه حتى رحيلها، وكانت في كل كتاباتها تعلم الأطفال :"أن الحلم هو الذي نتوق لتحقيقه بالسعي".
من التدريس للكتابة للطفل
لخصت نعمان في حوار سبق وأجريته معها أنها في المرحلة الابتدائية تميزت بكتابة الموضوعات الإنشائية، وأن أول موضوع تعبير كتبته ونال إعجاب المدرسين كان عن الريف والطبيعة، وذلك بفضل حبها للقراءة وتمتعها بخيال واسع، وبراعتها في ترجمة ما يدور في خلدها، وبفضل لغتها العربية الجيدة لفتت نظر معلماتها في جميع المراحل واللواتي شجعنها على الكتابة والقراءة، وعندما وصلت للمرحلة الثانوية كانت قد تمكنت كثيرًا منهما، وكان لديها قدرة على أن تكتب بأي أسلوب عن أي موضوع وضمن المساحة المخصصة لها، وهي التي كانت تواظب في المرحلة الإعدادية على إرسال مواد متعددة المواضيع للمجلات التي كانت تقوم بنشر ما ترسله من قصص، وبعد نيلها للشهادة الثانوية دخلت إلى دار المعلمات دون رغبة منها، لكن ما حدث أن نظرتها إليه تغيرت كثيرًا، فمن خلاله تميزت وكانت معروفة بقدرتها على الكتابة الأدبية، لذلك كانت تُكلَّف دائمًا بكتابة الجمل القصيرة التي توضع على لوحات المعارض التي كانت تقام فيها، وهذا قد علمها الإيجاز وأهمية الوقت، ثم تابعت نعمان دراستها في قسم الفلسفة بجامعة دمشق، ونالت كذلك دبلوم الفلسفة من الجامعة اليسوعية بلبنان، وعلى الرغم من تميزها في مهنة التدريس، إلا أن الكتابة للطفل ظلت مقصدها، وقد تم اختيارها لتكون إلى جانب كتاب كبار ضمن كادر مجلة الأطفال الطليعي، وأمينة تحريرها، ولاقت قصصها نجاحًا مثل "صيد الذئب حيًا" التي تم اختيارها لتكون ضمن كتاب القصة في الصف الخامس أواخر السبعينات.
عروس البحيرة
خاضت نعمان تجربة الكتابة لبرامج الأطفال في التلفزيون السوري، وفاز فيلمها التلفزيوني المغناة "عروس البحيرة" إخراج ليالي بدر بجائزتي أفضل سيناريو وإخراج في مهرجان الوليد بن طلال للطفولة والأمومة، وقدمت من خلاله مجموعة أغانٍ لاقت صدى كبير، وقد كانت تعتز به وتعتبره من أجمل الأعمال التي أنجزتها، كما كتبت عدة مسلسلات، في حين كانت أولى تجاربها في الكتابة للسينما خلال التسعينيات من خلال فيلم "أرسم حلمي" للمخرج باسل الخطيب، الذي يتناول بحث طفل عن حلمه عبر الرسم وفيه تقول "إحلم.. أنت عظيم بمقدار ما تحلم"، وقد شارك الفيلم في مهرجان سينمائي بميونخ ونال الإعجاب لقصة الإنسانية، وكانت نعمان تميل دائمًا في أعمالها إلى الأغاني: "أحب الأغاني فهي تلون أي عمل وتستهوي الطفل".
الكتابة للكبار
وبحكم الفضول كما كانت تقول، اختبرت في عام 2019 الكتابة للكبار من خلال مسلسل "نسَّاجة ماري"، تأليف نادية الغزي ويتناول حكاية تاريخية قديمة مكتوبة على رقم أثري ، سيناريو جمانة نعمان، موسيقا رعد خلف وهو يتحدث عن تضحية أم من أجل ابنتها، وقد أشارت حينها إلى أن عالم الكبار عالم كبير ومختلف عن عالم الصغار، في حين أضاءت في المسلسل الدرامي والغنائي "توت سياج" على تراث وطبيعة عدة قرى سورية، وقد توجهت نعمان في كتاباتها للكبار والصغار لإيمانها أن الكاتب عندما يمتلك الموهبة واللغة المتمكنة يستطيع النجاح في التوجه للكبار والصغار.
أبني عالمي شعرًا
يعد ديوانها "أبني عالمي شعرًا" من أهم المطبوعات التي صدرت ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية عام 2008، وقد كان هذا الكتاب نتاج ورشة عمل لأطفال من مختلف المدارس الحكومية والخاصة، وكانت حصيلتها خواطر شعرية ضمها هذا الكتاب، وفي كتابها الصادر عن وزارة الثقافة عام 2017 "إلا قليلًا" تحدثت عن مبدعين في مجال الكتابة والشعر والرسم. 
ومن أعمالها الأخيرة كتاب "رسائل إلى جدتي التي لا تعرف القراءة" الذي صدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب، يذكر أن جمانة نعمان من مواليد مدينة اللاذقية عام 1940. 
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته