كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"استشراق" إداورد سعيد

أيمن بانور

قرأتُ كتاب الاستشراق خمس مرات. بالعربية أولاً — وكأنني أستعيد ما سُرق مني. ثم بالفرنسية، حيث اكتسب سعيد ثقلاً آخر في لغة المستعمِر ذاتها. ثم بالإنجليزية — في أصله — فاكتشفتُ أن الترجمات، مهما أجادت، تُفقده شيئاً لا اسم له: ذلك الإيقاع الخاص لرجل يكتب بلغة الإمبراطورية ويهدمها من الداخل.
خمس قراءات. وفي كل مرة كنتُ أعتقد أنني انتهيتُ منه. وفي كل مرة كان هو الذي لم ينته مني.
لم أفهم لماذا أعود إليه — حتى رأيت إيران.
سعيد لم يكتب تاريخاً للأفكار. كتب تشريحاً للسلطة تلك الآلية الهادئة التي تحوّل الجغرافيا إلى مصير، والثقافة إلى دليل اتهام، والإنسان إلى موضوع يُدرَس قبل أن يُضرَب. قال بهدوء مُربك: الشرق لم يكتشف، بل اختُرع. وهذا الاختراع ليس وهماً بريئاً — إنه مقدمة لاحتلال.
لكن ما لم أستوعبه في قراءاتي الأولى، وأدركتُه فقط حين نضجتُ بما يكفي لأرى السياسة بعيون الفكر، أن الاستشراق ليس عقيدةً تنتهي بجيل. إنه بنية. وتعيش البنى أطول من أصحابها، وأطول من منتقديها أيضاً.
إيران — وهذا ما يُدهشني كلما فكرتُ فيه — لم تكن المثال الأول في الكتاب. لكنها اليوم أكثر الأجساد التي تتجلى فيها أطروحة سعيد بوضوح موجع. لأن إيران لا تُهاجَم بالصاروخ أولاً. تُهاجم بالمفردة. بكلمات من نوع: "النظام"، "الملالي"، "دولة راعية للإرهاب"، "التهديد الوجودي". هذه ليست أوصافاً — إنها استشراق مُحدَّث، بناء الجريمة قبل تنفيذ العقوبة، اختراع المتّهم قبل افتتاح المحاكمة.
علّمني سعيد — في تلك القراءات الخمس — أن الاستشراق لا يقول أبداً: هذا الشعب خطير. يقول بطريقة أكثر رهافةً وأشد فتكاً: هذا الشعب لايفهم الحداثة. هذه الثقافة تُنتج الاستبداد طبيعياً. هؤلاء يحتاجون — في أعماقهم — من يُخلّصهم من أنفسهم. الضربة الكبرى ليست إهانةً صريحة — إنها استيعاب مُتعجرف: نحن نعرف الشرق أكثر مما يعرف نفسه.
وحين استعار سعيد من فوكو مفهوم الخطاب، فهمتُ أنه لا يتحدث عمّا يُقال، بل عمّا يجعل الأشياء الأخرى قابلةً للقول. خطاب الاستشراق لا يُبرر فقط الحرب، و إنما يجعلها الخيارَ الوحيد المنطقي، بل الخيار الأخلاقي الوحيد الممكن..يعد الأرضية قبل أن تقلع الطائرة.
وما يُثقل صدري، أنا الذي قرأتُ سعيد بثلاث لغات وأعرف حججه عن ظهر قلب، أن إيران ليست "شرقاً" بالمعنى الساذج. هي الحضارة التي أنجبت ابن سينا وحافظ، التي حملت الفلسفة اليونانية حين أحرق الغرب كتبه بيديه، التي أعطت الإنسانية ما لم تستردّه بعد. حضارة يمتد عمقها إلى ما قبل أن توجد الدول التي تحكم عليها اليوم بأحكام باتّة.
لكن الاستشراق لايقرأ التاريخ — يُجمّده. يختار لحظةً بعينها يُعلن فيها أن هذا الشعب توقف عن التطور، وأن التوقف قدَره الأزلي، وأن الضربة، في النهاية، نوع من الإيقاظ.
هذا ما سمّيته في نفسي، مستعيناً بسعيد، استشراق الحرب: المرحلة التي تجاوزت إنتاج المعرفة عن الآخر إلى جعله مادةً للإلغاء. والبنية واحدة لم تتغير: المعرفة في خدمة القوة، والقوة تُنتج المعرفة اللازمة لتبرير نفسها — دوّامة لا تنكسر من الداخل، ولا ينجو منها إلا من يُسمّيها.
وحين أرى اليوم مثقفين غربيين- أكاديميين وصحفيين وفلاسفة ورثوا سعيد نظريا- يصمتون أو يُأطّرون أو يتفهّمون بلغة "الردع" و"الأمن الإقليمي"، أتذكر جملةً من تمثيلات المثقف لا تفارقني منذ قرأتها: المثقف حين يتخلى عن دوره لا يصمت — يُشارك. يُشارك في إنتاج الشرعية التي يحتاجها من يُطلق الصواريخ كي ينام مرتاح الضمير.
الصمت أيضاً خطاب. والحياد أيضاً موقف. وليس في زمن القنبلة مكانٌ للوقوف خارج الأشياء.
في كل مرة أعود فيها إلى كتاب الاستشراق، أجد أنه يكبر. ليس لأنه تغيّر، بل لأن العالم يُثبت صوابه بطرق جديدة، بأسماء جديدة، بخرائط جديدة. سعيد رحل قبل أن يرى كل هذا. لكنه — وهذا ما يُفزعني ويُعزّيني في آنٍ — رآه قبلنا بثلاثين سنة.
قرأتُ كتابه خمس مرات. وفي كل مرة كنتُ أظنّ أنني أقرأ الماضي. ثم تأتي الأخبار، فأكتشف أنني كنتُ أقرأ الغد. 
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته