ديوان طَلائع بن رُزّيك الأمير الصالح النصيري الفاطمي
2026.03.13
قلنا:
«إنّ سيف الدولة، إلى جانب شغفه بالفتوح وروحه القتالية، كان قائدًا متسامحًا إلى حدٍّ كبير. فلم يظلم الأرمن ولا المسيحيين ولا أتباع الديانات الأخرى الذين عاشوا في أراضيه، بل على العكس، أتاح لهم أن يمارسوا معتقداتهم بحرّية وأمان. وقد بلغ تسامحه حدًّا أنه حين دخل الأناضول كتب رسالة إلى ملك أرمينيا، أكّد له فيها أنّه لن يلحق به ولا برعيّته أي أذى، وأنّ الأرمن في كنف ضمانة سيف الدولة. وكان لهذا التسامح مع مختلف الرعايا أثرٌ في اعتناق كثير منهم للمذهب العلوي.»
وكان بنو رُزّيك إحدى هذه العشائر. تعود أصولهم إلى أرمينيا الإيرانية، وكانوا يقيمون في نواحي أورمية. وقد اعتنقوا المذهب العلوي في المرحلة التي تلت عهد سيف الدولة. وأبرز شخصية في هذه العشيرة هو طَلائع بن رُزّيك الملك الصالح.
انطلق طَلائع من أرمينيا الإيرانية متوجّهًا إلى العراق حيث التقى بإخوانه في العقيدة، ثم انتقل بعد ذلك إلى حلب وديار الشام، ومنها إلى مصر. وأثناء وجوده في الشام التقى بالأمير العلوي/النصيري الآخر أسامة بن منقذ، الذي كان من أقرب أصدقائه. وقد تضمّن ديوانه قصائد كتبها في مدح أسامة بن منقذ. وبعد ذلك شدّوا الرحال إلى مصر.
ويذكر المؤرّخ المقريزي سبب توجّههم إلى مصر على النحو الآتي:
«خرج طَلائع يومًا مع أربعين فقيرًا لزيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النجف، وكان القائم على المرقد آنذاك السيّد ابن معصوم. وأثناء مبيت طَلائع ورفاقه في المرقد، رأى ابن معصوم الإمام علي (عليه السلام) في المنام فقال له:
"إنّ في هؤلاء الأربعين فقيرًا رجلًا يُدعى طَلائع بن رُزّيك، وهو من أخلص مريديّ، فأبلغه أن يتوجّه إلى مصر، فقد قدّرنا له أن يحكم فيها."»
وعلى أثر هذه الرسالة الإلهية، توجّه طَلائع ورفاقه وبنو رُزّيك جميعًا إلى مصر، حتى وصلوا إليها.
ولمّا بلغوا مصر، اكتسبوا نفوذًا واسعًا في وقتٍ قصير. فقد تولّى رُزّيك والد طَلائع مناصب مهمّة بتعيينٍ من الأمير النصيري/العلوي آنذاك بدر الجمالي، ثم أصبح طَلائع نفسه أميرًا على صعيد مصر الأعلى.
غير أنّ بعض الأمراء المحليين لم يرق لهم هذا النفوذ المتنامي للعلويين/النصيريين، فقرّروا الاستيلاء على السلطة، وكان الوزير عبّاس بن علي أحدهم. فقد دبّر عبّاس اغتيال الخليفة الظافر، ونصّب مكانه ابنه الطفل الفائز، الذي لم يلبث أن توفّي، ليخلفه بعد ذلك العاضد لدين الله. اتّسم عهد عبّاس بالفوضى، ولم يكن محبوبًا لدى العامّة، كما أنّ الجيش كان معارضًا له بشدّة.
وعلى إثر ذلك، قامت نساء القصر الفاطمي سرًّا بمراسلة طَلائع بن رُزّيك، طالباتٍ منه تخليص الدولة من عبّاس. وكان طَلائع حينها أمير الصعيد، فجمع جيشًا كبيرًا وسار نحو العاصمة. ولمّا علم عبّاس بقدومه، حاول الفرار مع ابنه إلى الشام، لكنّهما وقعا في قبضة الصليبيين في الطريق. فقُتل عبّاس، ثم لقي ابنه المصير نفسه لاحقًا في مصر.
دخل طَلائع القاهرة في موكب مهيب يليق بمقامه، واستُقبل بفرحٍ عظيم. وهكذا أصبحت مصر، كما وُعِد، في قبضته.
غير أنّه واجه فور وصوله أزمةً مالية حادّة، إذ كان عبّاس قد فرّ بالخزينة معه. فاتّخذ طَلائع سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التي أثمرت سريعًا، فلم يكتفِ بإعادة ملء خزينة الدولة، بل جمع أيضًا ثروةً كبيرة لنفسه. ويذكر المقريزي أنّ طَلائع بن رُزّيك كان سخيًّا في عطاياه للأضرحة النصيرية، ويقدّم العون للمحتاجين من أبناء الطائفة، وهو ما يدلّ على انتمائه النصيري.
ولم تقتصر إنجازاته على السياسة والاقتصاد، بل امتدّت إلى العمران أيضًا. فقد شيّد مسجدًا جميلًا خارج أسوار المدينة، وكان يرغب في أن يكون موضع مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، غير أنّ الخليفة الفاطمي عارض ذلك بشدّة، فأنشأ مسجدًا آخر. وقد عبّر طَلائع بن رُزّيك لاحقًا عن ندمه على بناء ذلك المسجد بقوله:
«إذا وقع في أيدي الأعداء، صار مصدر قوّة لهم.»
ومن أبرز ما اشتهر به طَلائع بن رُزّيك مواجهته للصليبيين. فقد حصّن قلعة بلبيس ضدّ غاراتهم، بل أُتيحت له فرصة لتحرير القدس، غير أنّه لم يتمكّن من استثمارها، وكان ذلك من أعظم نداماته.
وفي عهده أصبحت الدولة لاعبًا فاعلًا على الساحة الدولية. فقد حارب ملك صقلية روجر والصليبيين، وعقد تحالفات مع البيزنطيين أعداء روجر. وكان البيزنطيون أوّل من بادر إلى هذا التحالف بعدما أدركوا صعود مصر، فأطلق طَلائع سراح جنرال قبرصي رفيع المستوى وأرسله إلى الإمبراطور مانويل كبادرة حسن نية. ويُعدّ ذلك دليلًا واضحًا على مدى الجديّة والاحترام الذي أبداه أباطرة الروم تجاه الأمراء العلويين منذ عهد سيف الدولة. لقد كان أسلافنا من الأمراء الذين وجّهوا سياسات العالم في عصرهم.
وتذكر الروايات أنّ طَلائع كما شهد صعوده، شهد أيضًا سقوطه. ففي اليوم السابع من شهر رمضان، وأثناء إقامة مراسم لإحياء ذكرى الإمام علي (عليه السلام)، كان متوجّهًا إلى القصر على صهوة جواده، وعند نزوله تشابك عمامته. فنصحه من حوله بإصلاحها معتبرين ذلك نذير شؤم، لكنه لم يصغِ إليهم ودخل القصر. وفي الليلة نفسها تعرّض لاغتيالٍ على يد عمّ الخليفة العاضد لدين الله، فاستُشهد.
وتحتلّ محبّة الإمام علي (عليه السلام) وأهل البيت مكانةً محورية في شعره، كما تنعكس في قصائده ملامح من حياته، وكفاحه، ونظرته إلى القدر. وعلى الرغم من أنّ اسمه لا يُذكر كثيرًا في السرديات التاريخية العلوية، فإنّ طَلائع بن رُزّيك يُعدّ من أهم شخصيات تاريخنا، إذ جمع بين القوّة السياسية والموهبة الشعرية. وقد استحقّ الثناء أميرًا علويًا بقدرته الإدارية والعسكرية، وباللغة العميقة الصادقة في ولائه لأهل البيت التي نسجها في شعره.
وتُظهر الأبيات الآتية بوضوح عمق هذا الولاء ولغته الإيمانية:
ألا إنّي لأهلِ البيتِ عبدُ
بهم نلتُ السعادةَ يا شقي
ففي آلِ النبيِّ نظمتُ مدحي
شربتُ وِدادَهم نهلًا وعَلَا
نجومٌ يهتدي الساري إليها
تاريخ العلويين