ندوة استذكارية لأكاديمية دار الثقافة تحية لروح إسكندر حبش
2025.12.28
أمينة عباس - فينكس
احتَفَت أكاديمية دار الثقافة بروح الشاعر والمترجم الفلسطيني إسكندر حبش بمناسبة مرور أربعين يوماً على رحيله، من خلال ندوة استذكارية أدارها الكاتب والناقد د. ثائر عودة، وشارك فيها أ. عفراء هدباء مديرة دار دلمون للطباعة والنشر، والناقد أحمد هلال، والروائي د. حسن حميد.
منتصراً للإنسان
وبينت أ. عفراء هدباء مديرة دار دلمون للطباعة والنشر أن الدار تبنت طباعة نحو 27 كتاباً للراحل، قائلة: "يضيق الوقت عن استعراض عناوين المؤلفات التي أصدرتها دار دلمون للراحل إسكندر حبش، ما بين دراسات ومجموعة شعرية، اختصرت جزءاً من عطائه الشعري وعرفتنا بجانب من إبداعه، إضافة إلى مجموعات مترجمة عن الفرنسية لشعراء لامسوا وجدانه وحملوا بين سطورهم وجعاً إنسانياً عابراً للحدود، وروايات ومجموعات قصصية لأدباء اختارها بعناية لما فيها من جدوى تقدم للقارئ العربي، وقدرة على رفد ذائقته بفن رفيع، ربما ينجح في ردم الهوة المعرفية، وتقليص المسافة بين الشعوب، وخلق لغة جديدة للتواصل الثقافي، تذيب جبال الجليد في مياه البحر الدافئة، وترتقي سلالم النور متجاوزة وجع الحروب وآلامها. تبنى إسكندر حبش - مترجماً - أعباء النقل بأمانة، ونكران للذات، وشراكة نبيلة مع الطرف الآخر في معادلة اكتملت فيها أركان الإبداع."
وتؤكد هدباء أن علاقة إسكندر حبش بدار دلمون الجديدة تجاوزت علاقة الناشر بالمؤلف إلى التقاءٍ في الرؤى الفكرية والأهداف الجوهرية لمعنى الكتابة ومكانة الكلمة، وإن كانت ليست مديدة بالعمر الزمني، إلا أنها ممتدة في العمق الإنساني، وهذا ما جعل إنتاج الدار لأعماله عملية انسيابية لا تقيدها شروط ولا تخضع لمعايير سوى ما انطوت عليه من فكرٍ حر ونزعة مقاومة: "كان مجسداً لها قولاً وفعلاً، كفلسطيني متجذّر، عاش قضيته مناضلاً، عابراً لحدود الخرائط المصطنعة، ومنتصراً للإنسان في كل زمان ومكان. ورغم سواد اللحظة، وقتامة المشهد، لم يفقد إسكندر إيمانه بقوة الكلمة، وجدوى المقاومة، واستوعب حركة التاريخ والفكر، ومضى متسلحاً بما أوتي من ملكات أعانته على تطويع نصه، ونحت مفرداته لتطالعنا بقصائد من ضوء إذا ما باغتته شاعراً، وبرسائل من نور الحكمة إذا ما استدعاه مفكراً، وبفيض من الآداب العالمية إذا ما دعته مترجماً أميناً مؤتمناً على 'ضوء الأمكنة المتناغمة'، صل إنساني مدّ جسوره دون انقطاع."
الفيلسوف في ثوب الشاعر
ومن أجواء الكتاب الذي أصدرته أكاديمية دار الثقافة مؤخراً في بيروت، وحمل عنوان "إسكندر حبش: ضوء الأمكنة المتناغمة - عن الشعر والحياة وفضاءات أخرى"، والذي ضم حواريات طويلة معه أجرتها تغريد عبد العال، يبيّن الناقد أحمد هلال أن حبش هو كائن شعري بامتياز ومثقف عضوي بامتياز، وبواسطة هذه الحواريات الذكية والرشيقة نعبر إلى غير أفق للشاعر والقصيدة، إلى مرجعيات الراحل الثقافية وصولاً إلى مضارعة الموت باقتراح الحياة، وفيه يتلو سيرته موارباً حيناً وفي أحايين أخرى جاهراً، ليكون فيها الفيلسوف الموارب في ثوب الشاعر والباحث العميق في قلب إجاباته: "وما وراء قصائده فكر متماسك ومخيلة على اتساع ولغة قادرة على حوار الأشياء والأمكنة والأزمنة، لكنّ الأدلّ فيها حواريات المكان الفلسطيني الذي يجعل من القصيدة وطناً، ومن خلاله نستقرئ رؤيته الأبعد بأن القصيدة ليست وطناً بديلاً بل هي شكل الانتماء وخلاصته في علاقة الفلسطيني بالمكان المحلوم به، المكان الذي يؤسسه الشاعر بممكناته الجمالية والفكرية."
ويشير هلال إلى أن حواريات حبش في هذا الكتاب تكشف لنا مكونات وسياقات الشاعر وفهمه الفلسفي للكتابة، بوصفها هيكلة للنصوص وكذلك لوظيفة الشاعر الذي يقدم شعره كطريقة وأسلوب للحياة، وكشكل للانتماء: "يأتي الشعر بعد ذلك تعليلاً لماهية هذا الوجود، طرح فلسفي يتصالح فيه الشعر مع الفلسفة، مؤكداً فيها حبش أن الشعر هو صوت الأخوة الإنسانية."
ويختتم هلال كلامه بالقول: "إن استنطاق محكيات حبش الشعرية يعيد اكتشافه وهو قيمة محفزة في وعينا الجمعي على مهمة الشاعر ورسالته ووصيته والتي لا تنتهي وهو يولد حضوراته الأخرى لتصبح علامات فارقة على جبهة الثقافة والفكر والانتماء."
من السلالة الفلسطينية
بعد سرديته الجميلة، والتي حمل فيها روح إسكندر حبش وطاف بها في اللد، بيت العائلة الذي لم يره حبش، يقول الروائي حسن حميد: "كنت أرى حبش على هيئة الفلاح الحارث، والباذر، والزارع، والداعي، والراجي، والحاصد، الذي اجتهد وسهر كي يعرف أكثر، وتطاولت قامته مع كل قراءة، وترجمة، وتأليف، لذلك كان كل ما فعله من حضور، وما حازه من تأييد وثناء، هو جسر التعب الذي قطعه وثلاثة معانٍ صاحبته منذ طفولته وحتى رحيله، وهي: الطاقة المجنونة، والحلم، والأمل. هذه المعاني كانت هي أركان حياته، كي يعرف لذاذات تعب المعرفة، وعشق الجغرافية، وأسرار الجذور. وهو من عاش في زمن اسمه زمن سباق المسافات الطويلة، ولكي يفوز وينجح، كان عليه أن يمر بقرى الصبر، وبواباتها المحروسة بالملائكة والشياطين معاً. ولتبدو صورته، ويعلو صوته من جهة، ويصغي الآخرون إليه من جهة أخرى، كان لا بد له من أمرين اثنين ليحوز الظفر، هما: العطاء بكل الطاقة المجنونة، وصحبة الأمل، من أجل أن يمر برضا من تحت قنطرة الحلم."
ولا يتردد حسن حميد بالتأكيد على أن حبش جاهر بحضوره في الصحافة فكان من نجومها الطالعات، وجاهر بحضوره الشعري فكان حاضراً حضور الشموع المتقدة الخاشعة الصاغية للأدعية، وجاهر بحضوره في عالم الترجمة فكانت ذراعه الطويلة التي انتقت الجميل لبيان ما فيه من لباب عقول أبناء الأمم الأخرى، مبيناً قدرته الفذة على امتلاك اللغة، والأسلوب، والخبرة، والاختيار، والحذق، وقد أكدت مؤلفاته الإبداعية شعراً، والصادرات تباعاً، جدارته وقدرته على الرؤيا وموآخاة المجاز.
وحول فلسطينية إسكندر حبش التي يجهلها كثيرون، يقول د. حميد: "ما كان إسكندر حبش مضطراً للجهر بفلسطينيته أمام الآخرين، لأن سلوكه الكتابي والثقافي والإبداعي دل عليه بأنه من السلالة الفلسطينية، ولأن عطشه المعرفي لكل أنواع المعرفة دل عليه أيضاً. فليس أحد من فلسطينيي الإبداع من اكتفى ببعد إبداعي واحد. فهو من السلالة الأدبية الذهبية التي مثّلها في عصرنا الحديث مبدعو فلسطين: جبرا إبراهيم جبرا، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، وإبراهيم طوقان، وغسان كنفاني، وكمال ناصر، وماجد أبو شرار، ورشاد أبو شاور، ومصطفى الحلاج، ومعين بسيسو وغيرهم كثر، وهم الذين ركضوا في دروب الإبداع الكثيرة كي يقطعوا جسر التعب نحو البلاد الفلسطينية."