كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من الذهب العتيق.. سامي معلا

صباح الحواصلي

راحة بال
1
سامي معلا شاب من اللاذقية، وعلى حظ وافر من الوسامة والأناقة. ابتسامته جذابة كخبر مفرح، وملامحه أكابرية، وحديثه فيه الكثير من راحة البال، خال من النكد والنقد. وسامي يجيد الإصغاء ويفضله على أن يقول أي شيء لا معنى له.. فتراه ينصت بفضول طفل حيناً وبسأم شيخ حيناً آخر. وترى في عينيه نظرة (أساءت إليه) تشي دون قصد منها بالخيلاء، وسامي أبعد ما يكون عن تلك الصفة بما تحلى به من تواضع ولطف وذوق وحسن معشر.
تعرفت عليه في الجامعة، فأصبحنا توأمين. كانت صداقتنا من دون سياسة ولا أحزاب ولا دين ولا طوائف، ولا يسار ولا يمين، ولم يُشغل أحدنا تفكيره بمعرفة طائقة الآخر، وكأننا نحن من كتب أغنية البيتلز: (Imagine) وغنّيناها أيضاً.
خلال لقاءاتنا أنا وسامي في الكلية، قلَّ أن تحدثنا في الشؤون الثقافية والأدب إلا للضرورة فيما يتعلق بمنهاجنا. والمرّة الوحيدة التي ذكر لي سامي شيئاً فيه ثقافة هو أن اسم اللاذقية مشتق من (لوديكيا) وأن الذي أطلق هذا الأسم هو الإمبراطور السلوقي تكريماً لوالدته في القرن الرابع قبل الميلاد. وأنا بدوري ذكرت له أن اسم دمشق مشتق من لفظة سامية تعني الأرض المسقية لكثرة الأنهار فيها، ولهذا كانت مطمعاً للغزوات والهجرات إليها.
كنا نقضي أوقاتنا على سجيتها دون تكلف، أوقات خالصة لما تقتضيه فترة الإستراحة بين المحاضرات من مسامرة وهزل وضحك، فتجدنا (نتخسكر) بخطاً بطيئة في ممرات الجامعة، ونحن نحكي أي كلام للترويح عن النفس، أو ندعي أننا نحكي لأن عيوننا كانت تتصيد مواقع الجمال مما حولنا.
2
من زمان بالسبعينيات، عُرض في سينما الكندي بدمشق فيلما لاقى نجاحاً كبيراً واستمر عرضه لأسابيع، وتحدث بعض الزملاء عن روعته وضرورة مشاهدته. أتفقت وسامي بأن نحضر الفيلم. حضرناه. وأعجبنا به، وأحببنا شخصية البطل الجاذبة التي راق لنا فيها كل شيء: وسامته، طريقة معاملته مع الأنثى والآخرين، وطوله، وطريقة مشيته، وقَصّة شعره القصيرة التي بدت لنا لا تأبه بموضة الشعر الطويل وانتشاره حينها. انتهى حديثنا وانصرف كل واحد منا إلى مسكنه.
"أراك غداً في الجامعة.."
"اراك غداً.."
وفي طريقي إلى البيت وجدتني بدافع رغبة قوية أعرج نحو صالون حلاقي ابن عمتي (نورا). وصفت له الحلاقة التي أريدها. بدهشة وكأنه لم يصدق كلامي قال:
"متأكد صباح قبل ما أقص شعرك."
"متأكد.."
"إذن اتكلنا على الله.. بسم الله."
كانت قصّة جميلة فعلاً، أحببتها وأحبها نورا الحلاق.. كانت ثورة على الموضة الدارجة يومها..
وعندما أتيت ضحى اليوم التالي إلى الجامعة، ورأيت رأس سامي ورأى رأسي، ضحكنا! ضحكنا بعمق وكل واحد منا يشير إلى رأس الآخر؛ فقد كان شعر رأسينا متماثلاُ... حلاقة بطل الفيلم نفسها!
وكنا يومها محط دهشة وسخرية من يعرفنا من الطلاب والطالبات.
3
ومرة، كنا عائدين مشياً أنا وسامي من الجامعة، وعندما وصلنا إلى مدخل عمارة قرب مبنى الأركان العامة قال لي:
"طلاع نقعد شوي.."
"هون ساكن..؟"
"نازل عند قريبي وهو مسافر.. طلاع.."
طلعنا، وسألني سامي: تأكل؟
"نأكل.. شوفي عندك.."
ضحك وقال: "ما في غير زيت وزعتر.."
قلت بنبرة (أمري لله): "الزيت والزعتز أكلتي الصباحية المفضلة ولا سيما مع كوب من شاي.."
دخل سامي المطبخ وعاد بصينية عليها طبق واحد صغير وبقايا ربطة خبز مرقد لبناني وإبريق شاي وكوبان. وضع الصينية على التربيزة بيننا. نظرت إلى الطبق فلم أستوعب! الزيت والزعتر فوق بعضهما في طبق واحد، وبكمية متساوية؛ فلا الزيت يغلب على الزعتر ولا الزعتر يغلب على الزيت. لكن الزيت طغى على الزعتر وغير قوامه، قلت له في شيء من الطرافة:
"شو هاد سامي؟"
"زيت وزعتر.."
"وهل هكذا يقدم الزيت والزعتر؟ فوق بعضهما!"
"هكذا نأكل الزيت والزعتر.."
"نحن نأكله كل على حدة."
غمس سامي قطعة خبز بالزيت المخلوط مع الزعتر ووضعها بفمه وقال:
"الطعم نفسه إذا تناولته مخلوطاً أو مفصولاً. مد يدك صباح.."
4
انتهت الدراسة الجامعية، وانتهت معها فترة صداقتنا، وكأنها عقد بيننا وانتهى! تخرجنا. ولم أعد أرى سامي، كان ذلك عام 1976، اي منذ تسعة وأربعين عاماً تقريباً.
وأنا إذا عثرتُ عبر الفيسبوك – لحسن حظي- على أصدقاء قدامى مثل: حسان سفور، وعاصم باشا، وفائد مفتي، ومأمون حمصي، وبسام جعفر، ونعمان إدلبي، وباسل طباع إلخ، فإن سامي معلا من الكثرة الغائبة التي تعتبر من عداد المفقودين.
فهل من لقاء قريب؟
4 تشرين الثاني 2025 
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته