حوار حسن م. يوسف مع صقر عليشي حول الشعر
2025.11.03
حسن م. يوسف
1 ــ متى انفتحت نافذة الشعر أمامك لأول مرة وماذا رأيت في إطلالتك الشعرية الأولى؟
منذ كنت في المرحلة الإعدادية عام 1971م وبعد أن سمعت اسمي من الإذاعة بصوت الشاعر أحمد سليمان الأحمد وهو أخ الشاعر بدوي الجبل، وكنت أرسلت له قصيدة إلى برنامجه ي تلك الأيام «أقلام واعدة» وقال يومها:
ستكون محلقاً بين الشعراء كما هو الصقر محلق بين الطيور.
من يومها أخذت كلامه على محمل الجد، ورحت أتصرف كشاعر.
من حسن حظي ــ أو من سوء حظي ــ أنني ولدت في بيئة جميلة تحب الشعر وتتحدث عنه بكثير من التبجيل. وهو ما ترك في نفسي رغبةً وحبَّاً لأكون شاعراً، وكان لأجواء هذه البيئة الفضل في توريطي ودفعي في هذا الاتجاه، ولا يمكنني إلا أن أقدم لها أسمى آيات الشكر على فعلها هذا، ودفعها بي إلى هذه الزاوية، ومحاصرتي بإحكام، فقد عشت حياةً غنية مع الشعر، بالطول والعرض، ولا أظن أن حياةً من نوع آخر كانت ستمنحني هذه المتعة المصفاة.
ربما كان النص الأول الذي أشعرني بحضور حقيقي في هذه الساحة، هو نص كتبته أيام الحب الأولى، وأكثر ما أسعدني وقتها إعجاب زملائي بالقصيدة، إذ حفظوها أكثر مني، ومازال البعض يذكّرني بها ويتلوها على مسامعي حتى هذا الوقت، ويلومني لأني لم أضمِّنها أعمالي، ولا أرى حرجاً أن أذكر منها هذه الأبيات:
عشقتك سافرتُ في جمر حبّكِ
حتى ترمّدتُ خلفَ المدى
ينامُ ويرقدُ كلُّ غرامٍ..
ويأبى غرامكِ أن يرقُدَا
بعينيكِ ضُعْتُ.. من ضاعَ مثلي
بربِّكِ هل يتمنّى الهدى؟
*
الحب هو أجمل وأمهر من فتح النوافذ.
2 ــ في الثمانينات وصف أدونيس الشعراء الشباب آنذاك، بأنهم "غابة أصداء"، إلى أي حد كان هذا الوصف منصفاً آنذاك، ومن ترى من شعراء الثمانينات فرضوا أنفسهم كأصوات متفردة على الساحتين السورية والعربية؟
عاش جيلنا، جيل الثمانيات، معركة الحداثة بكل غبارها، وكان الكثير من هذا العراك في غير محله، فقصيدة النثر كانت تمجّد بغض النظر عن مستواها الفني، وكان يكفي عند كتابها أن تسبّ الموزون لتكون حديثاً، وهو ما أنتج كماً كثيراً من الرداءة.
شخصياً أخذت موقفاً هادئاً من المسألة، وكنت أرى جميلاً ورديئاً في كلا الجهتين، وبقيت كما كنت أكتب الشكلين معاً.
وعلى ذكر أدونيس أروي هذه الحادثة:
في بداية الثمانينات (أظن 1982م) نشرت مجلة الطريق اللبنانية قصيدتي «التساؤلات الأخيرة لـ بابلونيرودا» في عددها المخصص لمئوية ماركس، وكانت القصيدة الوحيدة في العدد، وحينها اتصل أدونيس برئيس التحرير د. حسين مروة وسأله عن صاحب القصيدة وكانت قصيدة نثر، فأجابه أنه لا يعرف شيئاً عن كاتبها سوى أنه من سورية، فأوصاه أدونيس بالاهتمام بصاحب القصيدة.
تصرف أدونيس يدل على أنه كان يراقب المشهد ويتابعه، وربما كان كلامه في وصفه آنذاك الشعراء الشباب بأنهم «غابة أصداء» هو أقرب إلى الصحة.
3 ــ عنوان ديوانك الأول "قصائد مشرفة على السهل" يتصادى مع موقع قريتك "عين الكروم" التي تطل على سهل الغاب. إلى أي حد ما تزال القرية حاضرة قفي قصائدك الجديدة؟
لعين الكروم العزُّ ــ كُرمى لعينيها
ينزّل تأويل الظلالِ كتابُ
«عين الكروم» حزينة هذه الأيام وهي ترى الجبل البديع يحترق من أوله إلى آخره، في منظرٍ يمزّق القلوب، وهي حزينة أيضاً لأسباب أخرى.
«عين الكروم» جميلها طوّق عنقي، ولا أظن أنه بإمكاني ردّ هذا الجميل، هي التي أهدتني المفردات العالية التي عمرت بها بناية الشعر، وليست القواميس والكتب الأخرى هي التي فعلت ذلك.
بدأت الكتابة متغزلاً بها وما زلت كذلك إلى هذا الوقت، هل تصدّق أنني لم أنتبه إلى أن عنوان مجموعتي هذه قد اختلسته من جيب تلالها، لو لم ينبهني إلى ذلك الأصدقاء فيما بعد!
لم تكن قصة المدينة والقرية تشغلني يوماً ما، ولكليهما فضاؤها المؤثر، إنما أرى أن كمية القرية في حياتي وشعري راجحة بقوة، رغم أنني عشت في المدينة أكثر بمرتين مما عشته في القرية.
تركنا القرى منذُ وقتٍ طويلٍ
ولكنَّ.. تُرى هل وصلنا المدينهْ؟
لا أظن أني كتبت نصاً شعرياً في أي موضوع، دون أن تتسلل مفردات «عين الكروم» إليه.
4 ــ قال لي أحد كتاب القصة القصيرة من جيل الثمانينات، نحن جيل بلا آباء، هل كان الحال كذلك بالنسبة لشعراء جيلكم؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي،من هم الشعراء الذين تعتبرونهم آباء لكم؟
أرى أن الأمر هنا مختلف في الشعر عن القصة، فربما يكون آباء بعض الشعراء ليسوا من عصرهم، وأحياناً يكونون من لغاتٍ أخرى غير لغتهم، هذا دون أن نغفل عن سمة شعرية لكل عصر، وهي ليست مكتسبة من الآباء، بل من العصر واختلافه عن غيره من العصور.
قد يكون رأيي خاطئاً، فأنا لا أصلح للتنظير ولا أصلح حتى للدفاع عن نفسي، وقد تكونت قناعاتي بهدوء وتروٍّ مع قراءاتي واطلاعاتي المتنوعة.
لفتني الشعر الصوفي في بداياتي أكثر من غيره، وكانت تشدني وتسحرني عوالمه الماورائية.
وقد حفظت أشعار بدوي الجبل وسعيد عقل ونزار قباني في شبابي عن ظهر قلب.
أحببت الشاعر نديم محمد بديوانه «آلام» وقد رأيت يه جديداً غير مسبوق:
اسقنيها أرقّ من قشرة النُّور
وأقسى من منجل الحصادِ
اسقنيها تنشُّ في يبسِ الحلق
نشيش النيرانِ في الأعواد
أو قوله:
رئةً مصها فم الداء فانهرّتْ
كطينٍ رخوٍ ببيتٍ خرابِ
فمثل هذا الشعر كان وقتها شديد الخصوصية، محمود درويش وأدونيس، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج، وأسماء أخرى بألوانهم المختلفة لم يبخلوا علينا بالآفاق الجديدة وأنا مدين لهم بالكثير.
5 ــ على مدى قرون كان الشعر هو ديوان العرب وقد ترافق ظهور جيلكم مع انتشار كقولة مضادة مفادها أن زمن الشعر قد مضى، وأن الحاضر والمستقبل للرواية، وقد تصدر هذا التوجه جابر عصفور من خلال كتابه "زمن الرواية"، كيف كان تأثير هذا الأمر على بداياتك الشعرية؟
بعد أن ملأ الشعر أعماقي مبكراً، لم أعد ألتفت إلى مشاغبات وخلافات لا يحركها الإبداع، بل شيء آخر تماماً، ربما كانت نرجسيات الكتاب أهمها.
أعرف أن ساحة الجمال تتسع للجميع مما هو أخضر وخليق بهذه الساحة ولن يأخذ أحد من حصة أحد، ولا تنقصني «البرودة» إزاء هذه المسائل وتجاهلها، ولم أشارك بها يوماً إلا متفرجاً مسترخياً بكامل مكري، هذه التصريحات لم تغير لي في لحظة ما رأياً أو قناعة، وأعرف أنها قشور مما هو موجود منه كل وقت وزمن.
حين ينتهي زمن الشعر تكون الحياة قد انتهت قبله، ولفظت آخر أنفاسها، ولم يكن الشعر يوماً ديوان العرب وحدهم، بل كان ديوان الشعوب جميعاً وما يزال، أقول هذا بعد اطلاع معقول على الشعر وتاريخه عند الأمم الأخرى.
6 ــ يكاد الشعر العربي يكون متحفاً للذاكرة الجمعية وتراجيديا تعبر عن الماضي المستمر. بينما أنت في لحظتك الشعرية لا تتذكر الماضي بقدر ما تعيد بناءه في اللحظة الراهنة. فالزمن في قصائدك يكاد يكون سينمائياً، إلى أي حد تأثرت لحظتك الشعرية بالفنون المرئية وبفن السينما بشكل خاص؟
الماضي ليس سيئاً بالكامل، لكن السيئ هو الانكفاء إليه واعتباره مثلاً أعلى لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، عندها يكون الماضي هو الموت بعينه.
هناك ما هو مضيء فيه ويمكن بعثه إلى الحياة بطريقة أو بأخرى، وإذا أحضرناه ولم يكن قابلاً للحياة، فالأفضل أن نتركه ممدداً مرتاحاً في مكانه.
السينما والفنون المرئية كانت سباقة ولديها قدراتها وكفاءاتها في هذا النوع من الخلق وفي غيره.
ومن جهتي رأيت أن الشعر لديه قدرة مميزة ليقوم بمهمات جمالية ما من هذا النوع، وفي تأثري بهذه الفنون ومحاولة مجاراتها لم ألجأ إلى ليِّ عنق الشعر، بل حدث وكأنه ضرورة تفرضه أسرار الخلق الفني.
ولولا قناعتي بأن للشعر زاوية أخرى للعمل مختلفة وغير متوفرة عند غيره، ولا يزاحمه فيها مزاحم لما أدخلته هذه المغامرة.
فن الرسم كان له الحصة الأكبر في تجربتي، فرسمت بالشعر (البقرة) و(الغزال) و(النمر)، ودخلت تقنية هذا الفن في كثير من قصائد الحب وغيرها.
فقصيدة «أليسا» هي بجوهرها لوحة كاملة، وقد عرّف نزار قباني قبلي الشعر بأنه (رسم بالكلمات).
وقد لفتت محاولاتي هذه النقاد والمتابعين لأشعاري.
أطلّ وخلّى الغيمَ خلفيةً له
وحثّ طيوراً للدخول بلوحتهْ
من قصيدة الغزال
7 ــ أنت تنتمي إلى تيار شعري يركز اهتمامه على تفاصيل الحياة اليومية. كيف تنظر إلى واقع هذا التيار؟ ماذا أخذت من رواده وماذا أضفت إليه؟
لا أظن أنني أنتمي إلى هذا التيار، حتى أنني لا أعرف له روّاداً بالمعنى الحقيقي، ولا يعني هذا أني ضده، بل أصف الواقع، وإذا ما كان لديَّ شيء من هذا، فهو جاء عفو الخاطر، وربما كان له وجود معقول في مجموعة «قصائد مشرفة على السهل».
مجموعاتي الشعرية برأي النقاد والمتابعين تختلف كل منها عن الأخرى، لكن هناك أيضاً ما يوحّدها، ويشير إلى أنني صاحبها.
ربما كانت السخرية والتهكم والطرافة، والدعابة وما يدخل في هذه الدائرة لها الحظ الأوفر في إعطاء صيغة ولون لما كتبت، هنا أيضاً أنسنة الجماد والحيوان، فتجدد مذكرات ورقة توت، ومذكرات بغل، ومستقيم يتحدث ودائرة تنشر مذهبها..
وإبرة تدفع عن نفسها التهم، وغير ذلك مما لم يكن موضوعاً للشعر في المعتاد.
8 ــ استخدمت في بعض قصائدك لغة شعرية متأنقة ومزخرفة لكنك سرعان ما تخليت عن تلك اللغة وعدت للغتك المجربة التي تنسجم مع رؤيتك للإنسان والعالم.
«الشعر هو التجلّي الأسمى للغة»، هكذا عرفت الشعر يوماً، وهو تعريف أتبناه وأجهد في الوصول إلى محتواه، وربما يملي علينا الموضوع أحياناً لغة مختلفة، أو أقصر في أحيان أخرى عن الأناقة المطلوبة، الأناقة الحيوية الفاعلة، وليس الزخرفة المفتعلة التي أراها ابتذالاً.
لست مع اللغة المقعرة فهي من المنفرّات والمكروهات عندي، ولا أمانع أن أرحّب بكلمة قاموسية قلما تُستعمل. أستلطفُ لفظها وموسيقاها، ورأيت فيها مبرّراً جمالياً لتدخل بهو القصيدة.
في أعماقي أميل إلى البساطة والكلمة المفهومة، وأفضل الوضوح (وليس المباشرة) على الغموض وأعرف أن هناك شعر غامض مشع رفيع المستوى،
أشتغل كثيراً على القصيدة، أقص وأزيد، حتى تبدو وكأنها خلقت للحظتها.
إنني أصرف على القصيدة الكثير من الزمن لتبدو كأنها خلقت للتوّ في ثانية واحدة.
مرّات قليلة جداً حدث أن ولدت لدي قصيدة مكتملة.
وهل رقّ الكلامُ ولم نقُلْهُ
وهل زعلَ الجمالَ ولم نراضهْ
حصلت على حياتي من وحولٍ
كما حصل الأرزَّ على بياضِهِ
9 ــ بعض الشعراء الشباب يرون أنه لا ضرورة لأن يدافع الشعر عن قضية ما. فقضية الشعر هي الشعر نفسه. كيف تنظر إلى هذا الرأي؟
هذا الموضوع أشبع نقاشاً على الصعيدين العربي والعالمي، وانقسمت الآراء فيه، وقد سُئلت من قبل هذا السؤال أكثر من مرة، ويمكن أن ألخص رأيي بما يلي:
شخصياً لا أرى فائدة من كتابة شعر رديء بقضية كبرى، بل على العكس أرى فيه إساءة لهذه القضية، ولا تفيد النوايا الحسنة هنا في شعر خطابي مباشر، وأرى أن كل شعر جيد ينطوي على قيمة سامية، هي من نوع القيمة الموجودة في الأشجار والهواء.
وأرى أيضاً أن كل شعر جيد هو للحاضر والمستقبل، ولست مع المتعالين الذين يكتبون أشعاراً للمستقبل، وهي أعلى من الحاضر في نظرهم، وأعدُّ هذا هراءً، فالمستقبل له شعراؤه، والشعر لا يكون رديئاً في وقتٍ، وجيداً في وقتٍ آخر.
وليكتب الشعراء الشباب الشعر الجميل، وليس مطلوب منهم غير ذلك.
10 ــ ماذا عنى لك اختيارك من قبل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليكسو) شاعراً للعرب خلال العام الماضي؟
لقد كانت لغته جميلة تشبه هبوب نسمة منعشة في صيف حار.. الكلمة الطيبة تفعل فعلها في النفوس.
أنا سعيد بهذا التكريم الذي جاء من جهة، لها مكانتها ورفعتها، أشكر كل من ساهم به وجلب الفرحة لأشعاري، إذ ستتاح لها فرصة أن تزور أماكن ونفوساً جديدة.. وستذهب إلى جهاتٍ ومساحاتٍ أبعد وأرحب، وقد أقيمت بناء على توجيهات منظمة (الألكسو) ندوات تكريمية في أغلب البلدان العربية.. مصر، والأردن، والجزائر، ومسقط، والدوحة.. وغيرها.. حيث تم إلقاء الضوء على تجربتي والتعريف بها.. وهذا ليس بالقليل..
والخبر المسر أيضاً هو إعداد كتاب عني في هذه المناسبة ألفته مجموعة من النقاد العرب المعروفين ــ إضافة إلى مختارات شعرية لي.. والكتاب سيصدر ويوزع في الأيام القليلة القادمة.
مجلة الشارقة