صنع الله ابراهيم فقيد أدب الالتزام والصرامة
2025.08.14
علي بدر
برحيل صنع الله إبراهيم، يفقد الأدب العربي أحد أكثر روائييه التزاما وصرامة، الكاتب الذي حول الرواية إلى ساحة مواجهة مع التاريخ الحي، وجعل الوثيقة مادة روائية، والنص ساحة تحقيق، واللغة أداة لفضح السلطة.
لم يكن صنع الله يسرد حكايات للتسلية، بل يعيد تركيب الوقائع مثل محقق جنائي في أرشيف الزمن، يلتقط الخبر من صفحة جريدة، ويعلق عليه، يضعه جنبا إلى جنب مع شهادة معتقل، أو إعلان في صحيفة، أو صورة باهتة من زمن الحرب. لقد بنى سردا مقاوما، يذكر القارئ بأن الذاكرة ليست ملكا للمنتصرين، وأن مهمة الروائي ليست صناعة الأساطير، بل تفكيكها.
في رواياته الكبرى، من "تلك الرائحة" إلى "اللجنة" و"وردة" و"بيروت بيروت" و"شرف"، ظل وفيا لفكرته الجوهرية: أن الكتابة فعل سياسي وأخلاقي، وأن الأمانة للحدث تسبق غواية الخيال. هذا النهج يقارب ما فعله الفرنسي لوران بينيه في HHhH حين دمج السرد التاريخي باغتيال هايدريش مع التأمل في فعل الكتابة، ويذكر أيضا بعمل جون هيرسي Hiroshima، الذي وثق مأساة القنبلة الذرية من خلال شهادات ستة ناجين، محافظا على دقة التفاصيل دون أن يتخلى عن حساسية السرد الإنساني. لكن الوثيقة عند صنع الله ليست مجرد إطار أو خلفية، بل قلب النص النابض، تملي إيقاعه وتفرض منطقه، وتجعل القارئ شريكا في عملية البحث والتقصي.
برحيله، نخسر الكاتب الذي لم يساوم على نصه، ولم يخفف من حدته ليرضي أحدا. كان شاهدا وخصما، مؤرخا ومتهما، كاتبا يعرف أن الرواية قد تكون السلاح الأخير في معركة الذاكرة. ومعه نودع آخر الكتاب الكبار من اعتبروا أن الكتابة ليست ملاذا، بل وقوف في وجه العاصفة، حتى آخر السطر.