الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين يحتفي بحسن سامي يوسف في ذكراه الأولى
2025.08.10
أمينة عباس – فينكس
وفاءً للروائي والسيناريست الفلسطيني – السوري حسن سامي يوسف، وبمناسبة الذكرى السنوية لرحيله، وهو الذي رحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام من العام الماضي، عقد الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين أمس السبت 9 آب 2025 ندوة أدارها د. ثائر عودة، وشارك فيها الفنّانان غسان مسعود وتيسير إدريس، والكاتب رسلان عودة، والناقد أحمد هلال، وزوجة الراحل السيدة ربا شاويش. وقد وصف ثائر عودة الراحل قائلًا: "حسن سامي يوسف، المثقف الفلسطيني السوري، القارئ النهم والحافظ للشعر، وبالتحديد للمتنبي ومحمود درويش. أمّا الأديب العظيم الشهيد غسان كنفاني، فكان معلمه في مدرسة وكالة الغوث (الأليانس)، ومعلمه الروحي القَلِق الذي كان يردد له: «لا تمت قبل أن تكون ندًّا... أو لك شيء في هذا العالم فَقُمْ». كل هذه المكونات الثقافية والحياتية جعلت من حسن كاتبًا منسوجًا من القلق الفني والإنساني، الذي كان يأخذه غالبًا إلى قريته هناك في فلسطين، لوبية، التي دمرها الاحتلال الاستيطاني – الإحتلالي تمامًا، لكنها عاشت معه باعتبارها قضية اليوم والغد والعمر كله".
ويضيف عودة، معرّجًا على أهم المحطات في سيرة حسن سامي يوسف، قائلًا: "قدّمت له وزارة الثقافة السورية منحة عام 1968 هي دراسة فن السينما في موسكو، حيث حصل على ماجستير في السيناريو من المعهد العالي للسينما. وهذه الدراسة الأكاديمية مكّنته من أن يكون واحدًا من القلائل الذين درسوا أصول فن السينما، وبالتحديد السيناريو. ثم عاد إلى دمشق وعمل في المؤسسة العامة للسينما، رئيسًا لدائرة النصوص. وهو الذي عمل في بداياته ممثلًا في المسرح القومي في دمشق، وأسهم بعد نكسة 1967 مع عدد من الشبان في تأسيس فرقة المسرح الوطني الفلسطيني، التي احتضنت عددًا كبيرًا من الفنانين المسرحيين الفلسطينيين، وقدموا معًا أعمالًا مسرحية هامة حققت نجاحات كبرى وطافت مدنًا وعواصم عربية كثيرة. كان مشروعه الذي قاتل من أجله هو الرواية، فكان يكتب للسينما أو التلفزيون ليصرف على الرواية. نشر روايته الأولى «الفلسطيني» في تونس سنة 1988، ثم كتب «الزورق»، «رسالة إلى فاطمة»، «بوابة الجنة»، «فتاة القمر» التي أعاد كتابتها تحت عنوان «الغفران 2000»، و«عتبة الألم»، وأخيرًا «على رصيف العمر»".
أحد كبار عرّابي الدراما السورية
وأكد الفنان غسان مسعود في كلامه عن الراحل أن المبدع لا يغيب، وهو يحضر بأشكال متعددة من خلال إبداعه: "تعرّفتُ عليه عندما أنجزنا فيلم «المتبقي» 1994، كان رجلًا خجولًا، متواضعًا، لا يحب الظهور ولا الأضواء، وكان كاتبًا أكاديميًا وموهوبًا ومعرفيًا، بمعنى أنه يعرف الناس والمجتمع. وقد فعل حسن سامي يوسف ما فعله تشيخوف في زمنه في الكتابة القصصية، عندما قال عنه النقاد إنه أنزل الأدب الروسي من السماء إلى الأرض، وجعل الناس يعيشون في قصصه وشخصياته. وهو ما فعله حسن بالضبط في أعماله مثل «الانتظار» و«زمن العار» و«الندم» وغيرها، حيث سيجد القارئ الشخصيات تعيش مصائرها وأقدارها كما يحلو لها ضمن بيئة وهوية اجتماعية. فلم يكن إبداعه شعارات وخطبًا، بل حياة. ومن المؤسف أن المنتجين اليوم غير معنيين بهذه النصوص، وبحياة الناس وهمومهم وقضاياهم الحقيقية ومصائرهم، وإنما معنيون بما يُسمّى الترفيه".
ويضيف مسعود: "إذا جاء أحدٌ ما ليكتب تاريخ الدراما السورية وتاريخ ازدهارها كمدرسة مستقلة في الدراما العربية، فلن يستطيع أي مؤرخ أن يعبر في التأريخ لهذه الدراما إلا ويضع اسمه في مقدمة من حملوا على أكتافهم مجد وعز الدراما السورية وفخرها. فأعماله هي التي ذهبت بالدراما السورية إلى آفاق لا محدودة على مستوى العالم. فأي عمل فني بلا نص قوي لا يساوي شيئًا ولا يستطيع أن يكون عملًا فنيًا، ونص سامي يوسف كان مرتبطًا عضويًا بحياة الناس والمجتمع والبسطاء المهمّشين، وبهذا المعنى يكون أحد كبار عرّابي عظمة الدراما السورية".
من الرواية إلى الصورة الدرامية
وتحت عنوان "سارد الصورة الدرامية"، تحدث الناقد أحمد هلال عن رحلة الراحل من الكلمة إلى الصورة: "لم يسرد بالصورة فحسب، لتكون الرواية أولًا حلمه، حيث كتب روايات عديدة بوعي مبدع من طراز خاص، قدّم سردية مغايرة قوامها الواقع ومنه إلى الحلم وما بينهما، التي اتّصلت بهواجسنا وكوامننا الخفية، مغالبًا شرطه الاجتماعي، ومازجًا إياه بشرط وجود خالص في ظل النزوع الأصيل لكتابة الرواية الأصيلة، دون أن يتخفف كروائي عن بث سيرته الفردية والجمعية، ليس باختزالها كما في رواية «رسالة إلى فاطمة» كنوع سيري يحتفظ بميثاقه، بل أكثر من ذلك حينما نقل الصورة السردية إلى الفضاء الدرامي عبر مسلسل «الندم»، ودون أن يتجاوز ما أرساه في مسلسل «الانتظار» من قيم فنية وأخلاقية، أنتجت في وعي المتلقي جملة من الأسئلة الفارقة لجهة المصير الإنساني، الذي لم يكن إلا مجازًا لسيرته، وبمواربة الروائي الذي جهر بأمثولات الفن النبيل والثقافة النبيلة، ومعاينة العطب الإنساني عبر الصورة، لأنها القادرة على محاكاة ما خفي من أعماق البشر، ليساهم في زمن الصورة وعلو كعب الدراما التلفزيونية وفتنة متخيّلها بتأسيس ما نصطلح عليه بالرواية التلفزيونية".
إنسان نبيل
وإلى جانب عبقرية حسن سامي يوسف في كتابة الرواية، يشير الفنان تيسير إدريس إليه كإنسان نبيل كان يحب فلسطين، وأنه ذكر له أن غسان كنفاني، الذي كان أستاذه في المدرسة، كان قبل أن يبدأ بالدرس يكتب اسم فلسطين على اللوح. مشيرًا إدريس إلى أنه شارك كممثل في فيلم «بوابة الجنة» عن نص كتبه هو، وفيه يؤكد أن الفلسطيني لا يمكن أن يتراجع عن حب فلسطين وسعيه الدائم في تحريرها.
غيمة تمطر بلا صخب
ما كان حسن صديقًا أو قريبًا فحسب بالنسبة للكاتب رسلان عودة، الذي كانت تربطه بحسن سامي يوسف علاقة صداقة قوية: "كنت أرى فيه الذي أتمناه في نفسي: هدوء غيمة تمطر بلا صخب، تواضع المقتدر العزيز النفس، ثابت الموقف، لا يهون، لا تعنيه الألقاب ولا رفعة المناصب أياً كانت. شرّدته الحرب الملعونة من اليرموك إلى أحد الفنادق، ومن ثم إلى بلدة صحنايا، فعاش وجع الأماكن ووخز الذكريات، وكان همّه كيف ينقذ مكتبة شقيقه المرحوم الناقد يوسف. وكان يؤسفه أن الكتب باتت متاعًا لا يُباع ولا يُشترى".
بين سوبرمانية جبرا وتراجيدية كنفاني
لم يكن حسن سامي يوسف بالنسبة لربا شاويش زوجًا فقط، بل كان معلمًا وأستاذًا: "كان أستاذي الأوحد، علّمني العيش والحياة وأسلوب التفكير ومنطق الحياة والقراءة والكتابة وفن الانتقاء وفن الاستبعاد، وأن أكون إنسانية بغض النظر عن الظروف المحيطة بي. علّمني أن أكون صادقة وحاسمة، لا أُجامل ولا أُطاوع السوق. شهدتُ معه أن المدن لا تشيخ بتعاقب العصور، لكن بتراكم الإهمال. قال لي: لا تقهري اليتيم، ولا تكوني ضحية وجلادًا، وإن كنت ضحية، لا مفر، إياكِ أن تكوني جلادًا. قال لي: احكي عن الفقر، لكن لا تلعني الفقراء. كان يكره الإنشاء والجمل الإنشائية المترعة بالبهارج اللغوية والفقيرة بالعواطف. كان يردد ويقول: الأحاسيس لا تكذب، والعواطف لا تُعلَّم. كان يؤكد على قاعدة الإقناع والإمتاع. وكان بصدد كتابة رواية جديدة باسم «البرتقالة الزرقاء»، وكان كذلك بصدد كتابة مسلسل جديد عن رواية «الأخوة كارامازوف»، ومسلسل عن رواية «تراجيديا أمريكية» التي بحث عنها كثيرًا ولم يجدها. وعندما كنتُ معه كنت أقارن بين حسن الروائي الفلسطيني وسوبرمانية جبرا إبراهيم جبرا وتراجيدية غسان كنفاني، وكنت دائمًا أجده يتأرجح بينهما، تارةً يكون سوبرمان فلسطينيًا، وتارةً ذلك الطفل اليتيم القابع على موائد اللئام".
كما تحدث في الندوة عدد من محبي الراحل وطلابه.