"ويذهب الشجنُ إلى الماء".. قصة
2025.08.05
د. نوفل نيّوف
والأرض الغارقة بالماء. والريح المحمّلة بالمطر. وطَيفُ نائلةَ التي انقطعت أخبارها عنّا يومًا مثل ورقة تسقط عن شجرة في الخريف… ونحن في الصف السادس الابتدائي. ومطاردة الفراشات بين أزهار السفح العطِرة وأشواكِه. وعليٌّ يختبئ مع نائلةَ الأمّيةِ بين شجيرات الريحان. يتجاهل أننا نلحظ ما بينهما من عشق، ونضحك. نائلة اليتيمة. في الخامسة من عمرها ماتت أمّها، وسرعان ما تخلّى عنها والدها لجدّتها، وتزوّج مطلّقة تشتغل في مزرعة على تخوم المدينة… وعراكُنا الودّيّ في الطفولة. وعليّ يريد أن يصبح طيّارًا، وأنا أجادله بأهمية المدفعية. وعليّ ترفضه الكلّيّة الحربيّة ودار المعلّمين «الصّفّ الخاصّ». ويُعجزه الفقر عن دراسة الحقوق في الجامعة، فيلتحق بالجيش… وعبارةٌ نابية تأتيه من المدرِّب بغتة وهو منهَكٌ يدخّن منفردًا، ساهيًا، فينقلب وحشًا كاسرًا… وستةُ أشهر من السجن مثبّتةٌ في دفتر خدمته العسكرية…
وعليّ قطعة منّي. واريتُه التراب قبل كمْ من السنين… «الشهيد عليّ زعرور». أجيء لزيارة قبره صباح كلّ إجازة وفي أعماقي ما يشبه أملًا بمعجزة تُنهضه من سُباته المديد… يطالعني في أحلامي صامتًا. أندفع نحوه بلهفة وأتوقّف فجأة، كأنّ بيننا حاجزًا من زجاج… حين انتهت الغارة الجوية كان عليٌّ جثّة هامدة بالقرب من مستودعات العَتاد. تسيل خطوطُ دمٍ من فمه ومنخريه وأذنيه دون جرح ظاهر أو إصابات…
والجنازةُ. وبكاءٌ قويّ في مقدّمة المشيّعين، وراء مُقرئي القرآن… ولغطٌ خفيف وسط الحشد. وأمّه العجوز متهدّمة، تنشج، مكلّلة بالسواد، تسندها امرأتان تكفكفان الدموع بصمت.
وأبي، معلِّم المدرسة الذي قيَّدَ حركتَه عماه الوشيك، فضمرت قهقهاته وراح يكتفي بتكرار شتائمَ صغيرةٍ لا نعرف أيقصد بها أمّي المنكوبة، أم عشيقتَه السالفة، أم الناس؟ وأخي الأصغر كريم يمشي صامتًا، يتّكئ عليه أبي، يقرأ الفاتحة ويترحّم على روح الشهيد، ثمّ يرفع صوته في آخر الحشد لاعنًا «هالأخت الشــ…طة إسرائيل…». والقبر ورائي. وعليٌّ يطلع في ذاكرتي وبصيرتي. يتقدمني شامخًا، عابسًا، عاقدًا يديه تحت حقيبته المدرسية القماش، المليئة كتبًا، تتدلّى على ظهره عبر هذا الدرب الوعر الذي طالما سلكناه معًا، صعودًا وهبوطًا: إلى المدرسة، إلى المدينة، إلى البحر، إلى دمشق، إلى … الموت.
وأنظر إلى الساعة: النهار في أوّله. متقلِّبٌ، يهطل فيه المطر وينقطع كأنّ طفلًا في السماء يعبث به ويتشيطن… وينعطف درب العودة من المقبرة ضيّقًا، متعرّجًا، يشقّ سفح الوادي العميق. وتزداد وضوحًا أصواتُ سيول تصبّ في النهر العكِر، المتمرّد هائجًا، مزمجرًا مثل ثور. ورجلٌ اشتعل رأسُه شيبًا يعيد تعمير أحجار قوّضتْها السيول. يردّ السلام ناهضًا ببطء ثقيل.
شنيبر؟! لا أكاد أصدّق أنّه هذا الواقفُ أمامي! أجل! ولكنْ ليس بلحمه ودمه، كما يقولون، بل ربّما بجلده وملامحه لا غير! يا إلهي، كيف هدّه العارُ بعد هرب نائلة إلى اللاذقية مع الشرطي مجدي شريم، أشقرِ الشاربَين، يكبرها بالعمر مرّتين! أحسستُ بشفقة مباغتة، وبفارق كبير في السن بيننا، فلم يطاوعني لساني لأناديه بلقبه البغيض عليه «شنيبر». إنه أيوب الناشف أبًا عن جدّ. لكنّ الألقاب تحلّ في قريتنا محلّ الأسماء دونما حرجٍ أو شذوذ، حتى تكادَ تنسى اسم من تناديه.
ــ أيّوب؟!!
أهتف بقوّة وأبسطُ ذراعَيّ!
ينتصب شنيبر مبهوتا ليتأكّد: هل هو المقصود حقًا، أم أخطأتْ أذنُه الهتاف؟ يعرف أن من يناديه باسمه الحقيقيّ يضحك منه الناس. تفرط دمعة من عينَي أيوب. يشدّ على يدي طويلًا، بصمتٍ، محاولًا إخفاء رعشة قويّة في ذقنه وشفتيه.
ــ أنت تناديني: أيوب؟!.. كلَّ عمرك ابنُ أصل، يا أصطاظ (1)أنور… ــ ينطق بصعوبة بعد صمت.
أتذكّر ولَعه المرَضيَّ باللغة الإنجليزية في صباه. فقد بقي بسببها سنتين في الصفّ الأوّل الإعدادي، ثم أَغلقَ باب الدراسة وراءه «إلى الأبد»، كما يعبِّر بإصرار.
أحيانًا، كان يعترض طريقنا، نحن الأصغرَ منه سنًّا بكثير، يشاكسنا بسؤاله المحبوب، مبرطِمًا بصوتٍ منغّمٍ غليظ:
ــ واطيز زّيص؟.. يِص إي طيز…إي طيز نط!(2) ــ وينفلش صاهلًا، منحنيًا، يخبط على جنبَيه بكفّيه.
يتوقّف قريطم، زميلُه في اصطياد العصافير الصغيرة بالفخاخ، ثمّ تجرفه أيضًا عدوى الضحك كمن فهم النكتة فجأة، ويعقّب باستخفاف:
ـ تفوووو! أبوكم لأبو هالإنكليزي. قال مدرسة، قال!!
أيوب! وحيدُ أبيه الراعي الذي لا يملك شِبرَ أرضٍ في القرية. أيوب، عجوز حقيقيّ لا أظنّه بلغ حائط الثلاثين بعدُ! أيّوب الأعجف، الأدرد، الناتئ العروق، في قطعة الأرض البور التي سمح له المختار باستصلاحها في هذا السفح الصخريّ المطلّ على النهر. حفَرها كمن يبحث عن كنز، أو ربّما عن نائلة التي أرغموها على الزواج منه، ولم يثمر زواجهما أولادًا خلال أربع سنوات، ثمَّ «ظابت مصل طير ناضر في صنايا الظلام»(3)، تعبير يعلم الّله وحده من أين التقطه شنيبر أو نبشه…
وأيّوب أمامي. يقطر الماء من حاجبيه ووجهِه ويديه. يحكي ويتساءل. ينحني وينهض في معطف عسكريّ بالٍ، حائلِ اللون كأنه جزء منه، أو كأنه وُلِد فيه. تسقط كلماته في أذنيَّ صمّاء، مختلطة، خالية من المعنى، مثل دلْفٍ متقطِّع في سيباطٍ عتيق…
وأيّوب خلفي. وخلف أيّوب المقبرة.
والمطر أصبح رَذاذًا يبشّر انتهاؤه ببزوغ قوس قزح ماكرٍ قريب…
ويعود المطر إلى الهطول قويًا، مِدرارًا. ليس أمامي إلا أن أحتمي بالشجر… تمرّ بذاكرتي كلمات درَيْوِيش في مثل هذه الحالات: «ما بقي فيّ مغزُّ إبرة إلا وتبلّل… يا الله، المقدَّر ما عنّو محذِّر، والمكتوب على الجبين لا يمحوه إلا ربّ العالمين…». درَيويش الصاج الذي حرقته صاعقة وهو يحتمي بالزيتونة الصفراوية القديمة. رجعتْ بغلتُه وحيدة إلى البيت. اندفع أهله راكضين، انْدَبّ الصوت… وجدوه متفحِّمًا مع جزء من تلك الزيتونة التي كان يفيء إليها مَن هدّه التعب أو الضجر أو الجوع أو اليأس من لقاء حبيب… لفّوه بلبّادٍ عتيق، ونقلناه -نحن الشباب- على سلّمٍ إلى القرية: أنا وفلَيفِل الدودي، وسليم سليطِن، وحامد بو دينان، والسوسة عبود مرموطة، وعليّ زعرور… أجل، عليّ ما غيره! كان يردّد على مسمعي دائما:
ــ قسمًا بالله يا أنور، عمرَه درَيْوِيش ما راح يموت موتة ربّو!
ــ يعني، تدوسه سيارة، أو يختفي مثل جنّيٍّ، مثلًا ؟. . ــ أشاكسه ساخرًا باستفزاز.
يتابع متوعّدًا:
ــ اضحكْ، يا أنور، اضحكْ … له يوم ولي يوم، والأعمار بيد الله.
ــ يا ويلك من عذاب الله! طيّب، وجارته نايلة التي عينُك عليها، لها يوم أيضًا؟!
*
أواخر المدرسة الإعداديّة، نغادر بيوتنا الترابيّة المزدحمة بالأولاد والبهائم والأشياء. نخرج، كلٌّ مع كِتابه، إلى البرّيّة والحرشِ المدلوق حتى النهر، بحُجّة الاستعداد للامتحانات الوشيكة. يدفعنا إلى ذلك التهرّبُ من أعمال الحقل، والتظاهرُ بأننا أصبحنا رجالًا نشعر بمسؤولية العِلم، وغرامُنا بالممنوعات: السباحة في النهر، جمع الأزهار البرية، صيد العصافير، والتباهي بكل ذلك أمام البنات… الجوع بعد سباحة ساعاتٍ مسروقة يجعل حبّات المشمش المتوهّجةَ قبيل النضج في كرْم دريويش الصاج كأنها تتحدّانا، فتبدو غالية في عيوننا كالحياة…
أوّلُ صفعة من كفّ دريويش تطيّر من فم عبّود مرموطة «لعابًا ممزوجًا بحموضة المشمش السارية في شراييني كالترياق…»، يتذكّر مازحًا بمرارة فيما بعد. نفرّ ويقفز عبّود عن الشجرة فيقع في فخّ دريويش لثوانٍ، قبل أن يطوِّقه عليّ بيديه من الخلف. يتسنّى لعبّود التملّص والهرب… كيف له أن يقول إنه يموت من الجوع؟ كيف ينطق بكلمة؟.. لا تؤلمه اللّكمات، ولا تهينه الشتائم… لا يتخلّى عن حبّات المشمش في يديه وجيوبه. ينزلق من بين يدَي دريويش ويلقي بنفسه عن صخرة في النهر. يتملّى حبّات المشمش ويطوّح بها صوب دريويش لاعنًا آباء آل الصاج وأجدادهم منذ ستين جيلًا إلى الآن… يعيّر دريويش بأنه محتالٌ اشترى هذا الكرم بسرقته أجور خدمة اليتيمة نائلة في بيروت.
نُخفي عن الأهل ما وقع على النهر، تفاديًا لانتشار خبر فِعلتنا واتّساع الشرّ.
*
يروق الجوّ بعد الغداء، فأخرج إلى ساحة القرية لأتسلى مع الناس.
ــ لعنك الله، يا مجدي! أخذَها من تحت فخذ زوجها؟ العفو منك يا الله!!
يردّد جمعٌ من أهل القرية وهم يخوضون في سيرة نائلة، فينبري أحدهم معترضًا: لعنة الله على نايلة! هي متعوّدة على الخنا من أيام بيروت!
يستدرك آخر بسرعة، ملوّحًا بكلتا يديه: شو بدْنا من ها السيرة، يا أخي!.. بالله فكّونا منها.
ــ صحّة على قلبها! ــ يعلو صوت فليفل الدودي محوِّلا تصويب السهام:
ــ يعني، بالله عليك، معقول المهرة نايلة تعيش عمرها معك أنت، يا شنيبر؟!
ــ كان عندها أمل بِعليّ زعرور، الله يرحمه… شوفو، هي ما شردت إلا بعدما قُتل علي.
ــ تهمس دنّورة، صديقة نائلة، لجارتها قطرميز البصّارة كأنما تتسارّان، على مقربة من حلقة الرجال.
ــ لعنك الله، يا فليفل! أنت لا تعرف الحلال من الحرام!.. شنيبر كل عمره آدمي، ما له شنيبر؟ صرمايتو أحسن منك ومنها!
ــ يقاطعه العجوز بدّور المغلاجي ملوّحا بعكّازه. ولمّا لا يجد وقعًا لكلامه، يضيف غامزًا:
ــ بشرفك لو صارت لك كنت قلت لا؟
ــ ليش، وأنت، كنت قلت لا، يا عمّي المغلاجي؟!
ـ يعيد فليفل السؤال. وما إن تتبدّد موجة الضحك حتى ينبري عبّود مرموطة بلهجة خطابية: قسما بالله لو كنتُ محلّ شنيبر لقتلت الاثنين، وغسلت العار، وشو ما صار يصير: طزّ!
ــ بكرا بنشوف!
ــ لا يمهله سليم سليطن، وينفجر الضحكُ من جديد. ثمّ يسرع إلى تمرير الإهانة المضمَرة مضفيًا شيئًا من الجدية على الحديث قائلًا: يا عمّي، شرطة، أولاد حكومة، من يَعلَق معهم؟ هذا الفقير شنيبر؟ إي والله كان بيروح فيها خرا ظفدع!(4) شو ها الحكي…
ــ العين ما بتقاوم المخرظ!..الله يصامحها…(5)، يتنهّد شنيبر، مكتفيًا بإطلاق هذه الحكمة، ويمضي مكسورًا، مطأطَأ الرأس، كمن يُضمر شيئًا خطيرًا.
ــ اسمعوا، اسمعوا!! على ذمّتي ما قطع شنيبر أمله من نايلة بعد!
ــ يستنتج عبّود باستغراب.
ــ الله وكيلكم، يا عمّي، حبّها مخلخَل عضامو! مبيّن! شو بدّا حكي؟! ـ يقول الدّكّنجي أبو حامد.
ــ العمى!! بشرفي ما قدّام شنيبر، يا عمّي، إلا الجنون أو الانتحار… أنا أعرفه!
ــ يشيّعه سليم سليطن بصوت هادئ، متفاصح، ممطوط، ويلتفت إليّ بنبرة عالية: شو رأيك، يا أستاذ أنور؟
وتتوالى التعليقات…
*
لم أكد أفرغ من ترتيب ثيابي بعد تنشيفها قرب أثفيّة النار، استعدادًا للعودة إلى وظيفتي في دائرة النفوس بتلكلخ، حتّى علت الأصواتُ مختلطة بالبكاء والعويل:
ــ رحمة اللّه عليك، يا شنيبر، يا فقير! دايم الله، الله أكبر! البقيّة بحياتكم! ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماء…، يصيح المنادي في الزقاق الموحل بين البيوت المتهالكة، المتقاربةِ، مائلة كأنها في حالة استعداد للانخراط في عراكٍ وشيك.
ــ مين مات، يا عمّي، شو صار؟! فهّمونا…، يخرج الناس من بيوتهم متسائلين.
ــ شنيبر بسلامة راسكم… على ذمّة الرّاوي هو قَتل حالو!.. كلّو من شان هالقـحـ. ـ ــ ـة، حاشاكم. ــ يجيب الراديو سليمان الأعرج متلكئًا بصوتٍ عالٍ.
ــ طيّب، معقول، يعني! هالمعتّر شنيبر بيقتل حالو؟!
ــ النسوان، مثل البرْد، هنّن سبب كلّ علّة! ــ يعلّق فليفل وهو يُحكِم ربط كوفيَّته على رأسه وحول عنقه، احتماء من البرد، ويطلق ضحكة مختصرة.
ــ اخرس، قبّح اللّه وجهك، يا لعين! هذا وقت ضحك، هذا، آا؟! ينهره سليم سليطن بغضب، وهو يلفّ سيكارة، ويسأل: ــ مَن قال إن شنيبر انتحر؟ عندنا شهود وإلا بس حكي بحكي؟ قبل ساعة زمان كان في حاكورته على كتف الوادي! شو صار لو؟!
ــ لا يكون ها اللعين الشرطي مجدي بعتلو حدا وهو سبب موتّو!؟ ــ يفصح السوسة مرموطة عن شكوكه ويلتفتُ جانبًا: – أستغفر الله رب العالمين. شو قولِك، يا أختنا البصّارة قطرَميز؟
ــ لا والله، يا عمّي! – تجيب البصّارة، – أنا لمّا خفّ المطر كنتُ عَ الدرب، عند زيتونات النهر، ما شفت إلا شنيبر، الله يرحمه، نازل يركض مثل المجنون والمَيّ مَتنقِّط منّو. قلتلو:
ــ وين رايح يا إبني، وين؟ شو صاير؟ خير إن شا الله؟!!
كان يصيح ويلوّح بيديه:
ــ ما بَضّي ها الحياة كلّها، ما بَضّي(6)… شو عامل لك، يا ربّي، أنا شووو؟؟!!
تزيد قطرميز البصّارة من حركة ذراعيها، وتضيف:ــ والله ما فهمت من حكيو غير هيك، وما شفتو إلا طلع لعالي صخرة الشير، ورمى حالو بالنهر! والدنيا طوفان، نسأل الله بيدَر العفو!!.. والله عمري ما كنت صدّقت إنّو شنيبر المسكين بيعملها…
*
ونائلة كانت مدارَ أحاديثنا الحميمة، وقدّاحةَ خيالاتنا المكبوتة، بعد أن عادت من بيروت.
نائلة، بشَعرها الخرنوبي الطويل، ولكنتِها المدينية العوجاء، وسحر مشيتها الناضحة بخُيَلاء ركيكة كانت تُهيننا، فنسلقها بألسنتنا، نحن المراهقين. وتكبر الشكوك والتساؤلات الناطقة بصمت، أوّلًا في العيون والنفوس وعلى الوجوه، ثمّ على الألسنة بذاءةً وصراحة:
ــ مين بيعرف شو عمل معها الخواجا شكري بيك وأولاده الشياطين؟ ــ يبدأ حامد بو دينان بتعريض ٍواضح.
لم يكن أحد منّا يعرف الخواجا شكري أو رآه، أو يعرف إن كان له أولاد أم لا، وهل هم ملائكة أم شياطين؟
ــ أهل المدينة ملاعين… ما لهم أمان! ـ ينغّم له فليفل ببراءة كاذبة.
ــ عيب يا شباب، ما كان عمرها أكثر من عشر /اتنعشر سنة يوم قعدت خدّامة. والله حرام! ــ يعلّق السوسة عبود بوقَارٍ مشبوه.
سليم سليطن، الذي يكبرنا عمرًا وكرشًا ودهاء، يردّ على هذا الصوت الماكر بمزيد من الخبث: ــ أو ـ و ـ و! لمّا قلْنا للشرطي إنو نايلة بعدها صغيرة، سخر منّا وقال: ــ وشو يعني، خاي؟ هاي ستّنا عائشة تزوّجت وعمرها تسع سنين!
ــ أعوذ بالله من شرّ ما خلق! ــ ينفد صبر عليّ زعرور فينتفض صائحًا كملدوغ، ــ أنت واحد كافر، متلك متل الشرطي، ما لكَ دِين! لو حكينا عن الجنّ الأزرق تحكي لنا عن ستّك عيشة، العمى!!!
يضحك سليطن متسامحًا ويخاطبه بلهجة المنتصر: ــ كشفناك! اعترف وقول الحقيقة، هذا من غيرتك على نايلة، أو على ستّنا عيشة؟!
نعرف جميعًا أن مشاعر عليّ ليست حيادية تجاه نائلة، ولكنّه يخفيها بصعوبة، ويبتعد لبعض الوقت.
ــ بلا قتال، يا شباب! نايلة ما قعدت خدّامة إلا ثلاث سنين، أو أكتر؟ ــ يتابع سليم متفاصحًا بلؤم إضافي، كمن يصبّ الزيت على النار بدعوى الرغبة بإطفائها.
ــ ها! قليل يعني؟! ــ يعلّق فليفل ويضيف: ــ بشرفك، الخواجات بيعفّو عن نملة؟!
ــ بلا طويل، يا جماعة، ليلة معها بالعمر! ــ يعود ويُدلي بدلوه حامد بو دينان الهارب من دكّان أبيه بحجّة «قضاء الحاجة»، عارفًا أنه سيأكلها علقة ساخنة كالعادة توزّع على جميع أولاد الحارة إذا تأخّر.
ـ آخر لياليك، إن شاء الله! ــ ويقفز عليّ، فنُمسك به قبل أن تطول يدُه بو دينان.
ــ آمين!! أحلى موتة، والله يا بو دينان! ــ يتدّخل فليفِل من جديد، مقهقهًا بشقاوة، فنصيح:
ــ بو دينان! أسرعْ قبل ما يلقطك عليّ أو يسبقك إلى الدكّان… رايح تقضي حاجة، آا؟!
يرتفع صوتٌ لا أعرف مَن أطلقه:
ــ يا الله، يا شباب، قوموا نتفرّج على الفلقة اللي رَح ياكلها!!
*
جمالها الناضج الآن يبعث فينا رغبة سرعان ما تختنق بمذاق الخيبة، مخلّفة فراغًا وألمًا لا يطاق.
مرورُها وحدَه يكسر صمت والدي بعد تقدُّم عماه. وقْعُ خطواتها، أمْ رائحتُها، أم سحرٌ مجهول يجعله، وهو يفقد بصره على مهل في سريره مقابل الباب، أو في كرسيِّه المتهالك فوق المصطبة، يعرفها فينتشي فرَحًا مثل طفل؟!
ــ نايلة، تعالي كبّسي لي رجْلَيّ، يا عيوني… يا ألله شو بتذكّريني بأيام زمان؟
ثم يرفع صوته، كأنّه يلمس بأصابعه ما يرتسم على وجوهنا من دهشة، أو يردّ على أسئلة لم نفصح عنها بالكلام:
ــ وكيف ما بعرفها، يا أولاد الكلب! أنا بحبّها من كلّ قلبي، والله… كلّ عمرها نايلة أخت الشباب… أنتِ مثل بنتي والّله…
ــ وأعزّ، ما شاء الّله! ــ أُعقّب مستاءً بصوت ضعيف، يعرف أبي مصدره ويرجئ ردّه العنيف علَيّ إلى وقت قريب…
ــ ومن قال لك إنها نايلة، يا عمّي أبو أنور؟ هذي غالية الخرْسا بنت المغلاجي، تغامر بالتّدخّل جارتُنا البصّارة قطرميز وهي تُنزل الحطب عن ظهر الحمار -.
ــ معلوم، يا محروقة الأهل! تضحكوا عليّ، آ؟!
ويلوّح بعصاه في الهواء أمامه…
تتوقّف نائلة على بعد خطوة منّا كأنّها لا ترانا، ثمّ بعد لحظة تقول على مهل:
ـ نهارك سعيد، يا عمّي ابراهيم، كيف حالك… يا خسارة! والله أنت زين الرجال!
نائلة لا تقول «أبو أنور»، ولا أستاذ إبراهيم، بل عمّي ابراهيم! ومَن غيرُها يجرؤ على ذلك؟!
تنفرج أساريرُ أبي. يعتدل متهلِّلًا، ثمّ يتنهّد وينشد بصوت متهدّج حزين:
زينُ الشباب أبو فراسٍ لم يمتّعْ بالشبــابْ
لا نعرف: أهو يرثي نفسَه أم أبا فراس؟ يخيّم علينا الوجوم ونبدأ بالانصراف صامتين.
*
أقول لعلي زعرور، من مجلسنا هذا قرب المقبرة، وعيناي تنظران إلى الدرب المنحدر تحتنا من الجبل متلوّيا مثل حبل أُلقيَ به اعتباطًا:
ــ ما أمهلك المرحوم دريويش، يا عليّ … بالفعل ما مات موتة ربّه، مثل ما كنت تقول.
يسرّح عليّ نظره بعيدًا، ويسألني بعد تريّث:
ــ أما تزال تذكر تلك الأيّام؟
أستدرجه للكلام عن نائلة. هل حقّا رفض طلبها قبل أن تنصاع وتقبل بالزواج من شنيبر؟ لا يردّ… يحتمي بصمته، عاقدًا يديه على صدره. يتوقّف صنمًا مطأطَأ الرأس.
– قالت لي: إذا تزوّجنا، أنت ما رح تتحمّل حكي الناس… رح تموت!
رافقَنا صمت ثقيل ونحن عائدان من دفن دريويش إلى القرية. قرّرت أن أكسر هذا الصمت. تقدّمته في لحظةٍ خطوةً وقفزت متعلّقا بغصن سنديانة فتساقطت عنه زخّةُ قطرات أجفلتْه، وفرّ بلبلٌ طائرًا من مكان قريب. تابعناه بأنظارنا حتّى ضاع في أجَمَة المقبرة التي كانوا يدفنون فيها دريويش الصاج قبل قليل…
*
ألعن في سرِّي الوظيفة والقوانين. هيهات أن أجد الآن سيّارة إلى تلكلخ!
عبثًا عدتُ قبل نهاية دفن شنيبر، خلافًا لِما تقتضيه العادات ويُمليه الواجب…
يَعتصِر قلبي مزيدٌ من الألم والأسى، وأنا أصعد السفح وحيدًا إلى الطريق العام، قبيل الغروب بقليل…
أمامي يزدحم الأفق الغربيُّ بكتلةٍ مديدة من رمادٍ ودخان فوق خطٍّ من كهرمانٍ قاتمٍ، عريض.
الهوامش
يا أستاذ
وات إز ذس؟ يس إتِز …إتِز نط!
ذابت مثل طائر نادر في ثنايا الظلام.
ضفدع.
العين لا تقاوم المخرز!.. الله يسامحها.
ما بَضّي = ما بدِّي، ما بودِّي، لا أريد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعود كتابة هذه القصة إلى عام 2004
مجلة نزوى