لا تنتظريني… فقد نسيت كيف أكون إنسانًا
2025.07.09
علي بدر
في 15 سبتمبر 1914، نشرت صحيفة Le Petit Parisien رسالة جندي فرنسي مجهول إلى زوجته، رسالة لا تحمل وداعًا، بل انهيارًا. كتب فيها: "حبيبتي، لا تنتظريني. لم أعد كما كنت بشرًا. قتلت رجلًا أمس، وسمعت صراخه بعد موته. لقد دخل في رأسي… ولا يريد الخروج." الجندي لم يمت. لكنه لم يعد. ضاعت روحه بين قذيفتين، وعثر عليه لاحقًا في مصحة نفسية بمدينة روان، جالسًا في زاوية الحائط، يهمس كمن يخاطب الله أو الشيطان: "أنا كنت شخصًا… أنا كنت إنسانًا." كتب موريس بلانشو عن هذه القصة في مقال نادر في مجلة Critique: "الحرب ليست نقيض الحياة، بل استمرارها بمنطق مقلوب. وما نعيشه اليوم في مدن السلام هو ما تبقى من لغة الحرب: الصوت الخافت للموت المؤجّل." في زمن يصفق فيه العالم لصور الجنود وهم يقتلون، قلّة فقط من سمعوا بهذا النوع من الرسائل. رسائل لا تروي بطولة، بل انكسارًا مطلقًا في الوعي. رسائل لا تسير بالبريد، بل تنقل همسًا، على شفا الجنون. الحكمة هي أن الحرب لا تنتهي. وثمة جنود لا يستعيدون أصواتهم، ولا همساتهم… إنما يرتجفون أمام المرآة، كلما لمحوها تقول: "لقد كنتَ… ولم تعد."
"الفرافير" وموت الحاكم في المسرح
في 1964، وقف الجمهور في مسرح الحكيم مذهولًا أمام عرض "الفرافير" ليوسف إدريس. جريدة الأخبار وصفتها في عددها الصادر بتاريخ 12 آذار بأنها: "عمل فوضوي متشائم يدعو إلى قلب القيم الاجتماعية." بينما كتب رجاء النقاش في الهلال (1965): "المسرحية لا تقدّم حلاً، بل تضع القارئ في مأزق فلسفي: السيد لا يسقط، بل يتحول."
حلل غالي شكري هذه المسرحية على أنها تفكيك رمزي للسلطة العربية. الفرفور (العبد) يصبح سيدًا، لكن الدولة تتعفن من الداخل، لأن السلطة لم تُفكّك بل نُقلت. الإعلام، البيروقراطية، والجيش، كلها تبقى بيد السيد القديم، حتى وإن تغيرت أزياؤه. أما الفرفور، الذي نادى بالمساواة، فقد تم تعليقه على مشنقة الحرية باسم الديمقراطية الجديدة.
الحكمة هي أن الكارثة ليست في أن يبقى العبد عبدًا، بل الكارثة حين يأخذ دور السيد ويمارس العنف ذاته.
سيزار باييخو
في مدينة سانتياغو دي تشوكو، على أطراف جبال الأنديز في بيرو، ولد سيزار باييخو عام 1892، في عائلة من 11 طفلًا، بينهم كاهن وشاعر ومجنون. لم يعرف الطفولة. عرف القحط. عمل في مزارع قصب السكر في ترخيو، حيث رأى العبيد الهنود يجلدون في الشمس، وكتب حينها: "لقد عشت على الحافة، حيث الخبز يتكلم والسكين تبكي." في 1920، نشرت جريدة El Norte خبراً عن اعتقاله بتهمة إشعال شغب في قريته، سجن 112 يومًا في زنزانة ضيقة لا يدخلها الضوء، وهناك كتب: "أنا لا أعيش، بل أنني فقط أتذكر أنني كنت على قيد الحياة." حين خرج، غادر بيرو إلى باريس في 1923، حاملاً حقيبة فيها ثلاث أشياء: نسخة ممزقة من كتاب أعمال وأيام لهسيود، علبة تبغ، ومخطوطة ديوانه تريلثيمو كتب فيه الشعر كما تكتب النوبات العصبية. في باريس، عاش فقيراً. عمل ساعي بريد، منظف طاولات، مترجمًا للصحف المهاجرة مثل Le Monde Ouvrier. هناك التقى بول إلوار، وبابلو نيرودا، ولويس أراغون، وأندريه بروتون، لكنهم لم يفهموه. كان خارج التصنيف. لا سوريالي، لا حداثي، ولا ملتزم أيديولوجيًا.
الحكمة هي أن الشاعر الحقيقي نبي ضائع يخلط بين الميتافيزيقا والصرخة.
العشاء الأخير في "كافه نادري"
في طهران، شتاء العام 1973 في زاوية من "كافيه نادري" جلس ثلاثة رجال يتقاسمون زجاجة عرق وحزمة من الجرائد. كان أحدهم إحسان طبري، المفكر الشيوعي الأبرز في "حزب توده"، يشرح كيف أن التحالف مع البرجوازية الوطنية هو خطأ ماركسي متكرر. الثاني، صحفي عتيق من جريدة "كيهان"، يهمس عن أوامر وصلت من جهاز السافاك بإغلاق صفحات الرأي. والثالث، شاعر أرمني يدعى "أرام"، فرّ من مذبحة الأفكار إلى القصيدة. في نفس الليلة، على بعد أمتار، كان الشاه محمد رضا بهلوي يفتتح مؤتمرًا حول "النهضة الاقتصادية للإمبراطورية" محاطًا بخبراء الشركات الأميركية. يتحدث عن النمو والتحديث بينما يتعرض آلاف من عمال شركة النفط في عبادان لمداهمات بوليسية بسبب إضرابهم. في اليوم التالي، اعتقل آرام في بيته لأنه كتب قصيدة عنوانها "الظل لا يصنع خبزًا". واختفى الصحفي. وأجبر إحسان طبري على الهرب نحو موسكو. كتب المفكر الألماني إرنست فيشر في تعليقه على قمع الحزب الشيوعي الإيراني: "الرأسمالية التابعة أكثر وحشية من الرأسمالية الصناعية، لأنها بلا عقل… فقط تسلط." الحكمة، هي أن في كل دولة نصفها حداثة ونصفها بوليس، يكون مصير الفكر الاختناق بين ربطة العنق والهراوة.