رواية "مُدن الملح".. بادية الظلمات
(قصدُت بمدنِ الملح: المدن التي نشأت في بُرهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي! بمعنى: إنها ليست نتيجة تراكمٍ تاريخيٍ طويل أدى الى قيامها ونُموها واتساعها، إنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة! هذه الثروة «النفط»: أدّت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجرَ و أن تنتهي بمجرد أن يلمسها شيء حاد! الشيء ذاته ينطبق على الملح؛ فرغم أنه ضروري للحياة والإنسان والطبيعة وكل المخلوقات، فإن أي زيادة في كميته أي: عندما تزيد الملوحة سواء في الأرض أو في المياه تصبح الحياة غير قابلة للاستمرار! هذا ما هو متوقع لمدن الملح التي أصبحت مدناً استثنائية بحجومها، بطبيعة علاقاتها، بتكوينها الداخلي الذي لا يتلاءم، وكأنها مدن اصطناعية مستعارة من أماكن أخرى! و كما قلت مراراً؛ عندما يأتيها الماء أو عندما تنقطع عنها الكهرباء أو تواجه مصاعب حقيقية من نوع أو آخر سوف نكتشف أنّ هذه المدن هشّة وغير قادرة على الاحتمال وليست مكاناً طبيعياً لقيام حاضرات أو حواضن حديثة تستطيع أن تستوعب البشر: وإن تغيرت طبيعة الحياة فيها نحو الأفضل !). و الحق: إن رواية مدن الملح تعطيكَ المفاتيح و المداخل الرئيسة لفهم التغيرات الاجتماعية و الثقافية و العمرانية؛ التي جرت في البلاد النفطية العربية منذ البدء في استخراج الذهب الأسود! وعبر صورة تنبض بالحركة والحياة بشكل أوضح وأمتع كثيراً مما يمكن أن تجده في الدراسات المتخصصة الجافة حول الموضوع! فهي تصف الثقافات المحلية وهي تحتك مع ثقافات غريبة أقوى! كان لابد أن تتزعزع الثقافة الأصلية بشكل فانتازي! الأمر الذي ظهر في الشكل الفانتازي الذي استعمله مُنيف في وصف التحولات الاجتماعية بعد ظهور النفط! والرواية جديرة بالقراءة بل و بالدرس! والعجيب أن مُنيف رغم علو كعبه وسعة خياله ورشاقة نثره وحيوية شخوصه: لم ينل حظه من الشهرة والذيوع بله من الدرس والنقد! وقام الموسيقيّ السوري: زيد جبري؛ بتحويل الرواية الى أوبرا وعُرضت في دار الأوبرا الملكية في لندن منذ سنوات!