اليوم التالي.. إحدى عشرة حكاية عن الوجع الفلسطيني
2025.05.14
أمينة عباس – فينكس
أعلن فرع اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين في دمشق انطلاق نشاطات لجنته التحضيرية من خلال الندوة التي عُقدت مؤخرا في مقره، احتفاءً بباكورة القاص م. عمر سعيد "اليوم التالي"، والتي ضمّت إحدى عشرة حكاية حضر فيها الوجع الفلسطيني والمخيم والهموم الاجتماعية للفلسطيني، سواء داخل الأرض المحتلة أو في الشتات.
وعن هذه المجموعة التي قام بتوقيعها بعد الندوة ، يقول عمر سعيد في تصريحه لفينكس:
"محرضي للكتابة كانت فلسطين، وحاولتُ فيها أن أكتب عن معنى آخر للحياة. وقد اخترت القصة كوسيلة للتعبير لأن فضاءاتها أوسع وسقفها أعلى للتعبير عن الذات والآخرين. حاولت أن أحافظ في المجموعة على خصوصية القصة كسرد أدبي، إلا أن التخييل أخذني إلى أماكن أخرى، لكن دون أن يُغريني التجريب على صعيد الشكل، بحكم أنها التجربة الأولى لي."
أوجاع الوطن
تنقّل المشاركون في الندوة بين قصة وأخرى، وقدموا مداخلاتهم التي عرّفتنا على مضامينها وشخصياتها، والتي لم تخلُ من النقد وتقديم بعض الملاحظات. حيث تساءل الكاتب والصحفي محمد حسين في مشاركته عن سبب غياب المكان وتفاصيله في القصص؟
ويتابع حسين قائلًا:
"تصرّح القصص بالجرح النازف، واصفةً الموت الذي يصرّ على التهام الأجساد المحاصَرة. كل هذا يحصل في زمنٍ تسيطر فيه أدوات الظلم، فكانت تنبض بالحياة، وبكل ما يخطر على البال، مع بقايا إنسان محاصر، سجين، مغترب، لاجئ ومُهمّش. ويظل موقف الكاتب هو ذاته في تجربته الغنية، من حيث ارتباطها بالعديد من القضايا، وخاصة منها الوطنية التي سيطرت على المجموعة، دون إغفال للجانب الفني، مع طغيان ثنائية الموت/الحياة، الفرح/الحزن، على القصص عمومًا، التي تحمل بين ثناياها مجموعة من الأفكار المشيَّدة التي تؤكد على أهمية الإبداع بشكل عام في بعث الحياة في زمنٍ لا يسوده إلا الموت.".
كما يشير حسين إلى أن بعض القصص تحمل عنصر الإدهـاش في نهايتها، بينما جاء بعضها الآخر كلاسيكيًا. ومنحت لغة الحوار القصيرة عنصر التشويق، كما في قصة الرحيل جنوبًا:""أما ما يعتمل داخل هذه القصص من زخمٍ وافِرٍ للشجن والفقد المستمر، والتي دوّنها كاتبها، فهو مزيج من رؤى وأفكار ومشاعر ذاتية وعامة ترتبط بمعاناة شعبه. وقد شكّلت اللغة الشعرية هاجسًا للكاتب وتحديًا حقيقيًا أثناء عملية الإبداع، فأصبحت جزءًا أصيلًا منه. ولعل من أهم ما يجعل القصص مؤثرة فينا؛ كونها تعالج أوجاع الوطن وتفاصيل من لحظات مؤثرة تعبّر عن الحصار، والحرب، والأسر، وما تحمله هذه العناصر من معاني المرارة، والألم، والخوف، والجزع.".
مغامرة سردية
ويرى الناقد أحمد هلال أن القاص عمر سعيد، عبر قصصه، يقود مغامرة سردية تتماثل وتختلف على مستويين: مستوى المقولات، ومستوى البنية النصّية: "حيث يستلهم قصصه من واقع الحرب على غزة، بتجلياتها الإنسانية والوجودية، غير أن السرد، بوصفه المكوّن البنائي للنصوص القصصية، سيتفاوت في إيقاعه تبعًا للحدث وطريقة استشرافه، فضلًا عن ضروب الواقعية التي ستشكّل مرجعية لتلك النصوص، مع ضبطٍ للتخييل قدر الإمكان، وبقدر ما تستدعيه الضرورة الفنية. فيلتقط الحدث ويكثّف لغته في بعض القصص، لكن دون صراع داخل الشخصية أو دخول في المونولوج، الذي يشكّل مستوى آخر في البرنامج السردي.".
ويضيف هلال:"التجربة الأولى للقاص عمر سعيد مليئة بالإرهاصات، سواء من جهة استثمار الحكاية وتفعيلها، أو من جهة تثمير الهاجس الإنساني. فيما ينفرد بسيرنة الشخصية، وما ينقصها هو الاتجاه أكثر نحو تفعيل حواملها الدرامية، الصراعية، بما يُفيد حبكتها لتكون قيمة مضافة في سياق النص القصصي. وما يُلاحظ هو عدم طغيان اللغة، بل توظيفها ما أمكن، توازيًا مع إيقاعها أو إيقاع بنيتها السردية. وما أقصده هنا هو شعرية الحدث التي لا تجعل من اللغة فائضة ومحض تزيين بلاغي. فكانت لغة السرد مكثّفة، لكنها تحتاج إلى شيء من التوتر (في بعض القصص)، فهي الحاملة لمفردات البناء السردي والمتون الحكائية.".
عباءة القارئ
وبعيدًا عن كونه قاصًّا، فضّل رسلان عودة ارتداء عباءة القارئ ليقدّم انطباعاته عن المجموعة من خلال بعض القصص التي توقّف عندها: "تناولت القصص كوجبة كاملة بكل مكوناتها، جَملها وسكرها وبنكهة المعاني وطَعم المتممات". مشيرًا إلى أن هناك ملحًا زائدًا في مفاصل السرد، والحوار الطويل والتقليدي في قصة، بينما في قصة أخرى اكتفى القاصّ بنقل ما حدث برؤية العين ولم يدخل إلى رؤية القلب إلا قليلًا، وكانت محكمة البناء بلغة عالية تحمل فكرة مدهشة في قصة أخرى.
ويُلخّص عودة انطباعاته العامة عن المجموعة بـ: "الانتقال الزمكاني مشوّش وضبابي أحيانًا، والقاص كان مسكونًا بالهم الإنساني والوطني العام أكثر من همومه الشخصية، وهذه ميزة له. تناولت أحداث القصص بين الوطن المُعاش هنا، والوطن المُشتهى المُغتصب هناك، ولاحظت أن القاص حينما كان يتحدث عما في نفسه وروحه وروح الشخصيات الأخرى تسمو لغته ويتوهّج الحدث لديه، في حين يكتفي ببعض سرديّاته بلغة إخبارية، ملكه وصفًا وتوصيفًا من الخارج". ويختم عودة مشاركته داعيًا القاص: "لا تأخذ أيًّا من هذه الملاحظات، السلبي منها والإيجابي، إلا ما يوافق رؤاك ومنهجية الإبداع لديك، فالإبداع تمرّد على المألوف والمعروف، وهو خطوة جريئة على ما بعد اليوم التالي".
حالة إنسانيّة
يبدأ القاص والروائي أيمن الحسن مشاركته بتعريف القصة القصيرة التي تتناول حدثًا أو موقفًا معيّنًا في حياة الإنسان، والذي يكتسب أهميته من إشكاليته مع وجود مفارقة سمّاها نقطة التنوير، ونهاية لها أهمية كبيرة، لأنها تبقى في ذهن القارئ.
وعن عنوان المجموعة يقول أيمن الحسن: "اليوم التالي مصطلح عسكري سياسي، لكنه في هذه المجموعة يدلّ على حالة إنسانيّة تعبّر عمّا فعله الفقر بالإنسان"، أما الإهداء الذي كتبه القاص: "إلى من لا أحب شيئًا معيّنًا فيها.. بل أحب كل ما فيها: فلسطين"، فهي برأيه تشير إلى هويّة أدبية ملتزمة عند القاص. ويعترف الحسن أنه لم يعتد التوقف مطولًا عند العمل الأول لأي كاتب: "لأنه الحجر الأول في مشوار طويل، ولكن يعدّه معيارًا لما يليه، فإن تقدّم في عمله الثاني فهذا يعني أنّ الكاتب يسير بخطوات واثقة، أما المراوحة في المكان فهي الإشكالية، وبالتالي فإن الكتاب الثاني يجب أن يكون أفضل ممن سبقه، لأن الكتابة ليست اجترارًا، وعدد الكتب التي يطبعها الكاتب ليس مؤشّرًا لنجاحه وإبداعه".
وبيّن د. ثائر عودة، المشرف على الندوة، أن الندوة تحمل صيغة الاحتفاء بباكورة عمر سعيد بانتظار المنجز الثاني له، مذكّرًا القاص والجميع بمقولة محمود درويش: "أنا لا أتحدى أحدًا، إنما أتحدى نصي الذي سبقني"، مع تأكيده على أن الاحتفاء لا يعني أن هذه المجموعة لن تخضع لتشريح نقدي آخر في الأيام المقبلة.