ماريو فارغاس يوسا في بغداد: بين الشاي والخراب
2025.04.15
علي بدر
ذهب ماريو فارغاس يوسا إلى بغداد بعد أيام من الاحتلال الأميركي، لا مدفوعًا بفضول الرحّالة، بل بما يشبه الإيمان العميق بقدرة الديمقراطية على شفاء الأمم من داء الاستبداد. رافقته ابنته مورغانا التي كانت تعمل حينها مع بعثة الأمم المتحدة، وكان دخوله المدينة من بوابة السياسة، ولكنّ تجواله فيها كشف له وجهًا آخر، وجهًا لا تقرأه التقارير ولا تنقله الفضائيات: وجه بغداد ككائن مجروح، يمشي على أطراف حضارته.
عندما نزل إلى الشوارع، لم يبحث عن مشاهد البطولة، بل التفت إلى التفاصيل الصغيرة:
رأى الحمالين وهم يسحبون عرباتهم بين ركام الأرصفة، الخبازين وقد عادوا إلى أفرانهم في ظل غياب الدولة، الأطفال يبيعون الصحف المنهوبة من مكاتب البعث.
في السوق، توقّف طويلًا أمام بائع كتب، كان يفرش العناوين القديمة – نيتشه، طه حسين، أرسطو – على الأرض كما تُفرد الملابس المستعملة. سأله البائع إن كان يريد نسخة من "ألف ليلة وليلة"، فابتسم يوسا وقال: "لقد جئت إلى المدينة التي كُتبت فيها هذه الليالي، وأُحرقت فيها ألف ذاكرة."
ثم مضى إلى شارع المتنبي، كأنّه يؤدي طقسًا ثقافيًا لا يمكن تجاوزه.
جلس في مقهى الشابندر، حيث الصور القديمة تغطي الجدران، والحبر ما زال طازجًا على طاولات القرّاء. طلب شايًا بالهيل، وفتح دفتره وبدأ يكتب. لم يكن يسجّل فقط، بل كان يُقارن، يُحلل، يُقارب بين بغداد و"ليما"، بين الجيش الأميركي والجنرالات البيروفيين، بين حزب البعث ونظام فوجيموري، بين الدولة العميقة في أميركا اللاتينية وتلك التي كانت تسكن جسد العراق.
في كتابه الذي نشر لاحقًا تحت عنوان "Diario de Irak"، كتب:
"العراق يشبه بيرو حين تفقد ذاكرتها... لكنه يمتلك شيئًا لا تملكه أميركا اللاتينية: ذاكرة إمبراطورية. ولهذا فإن سقوطه أشد دوِّيًا، وأعمق وجعًا."
كان فرِحًا، نعم، كان في لحظة استبشار. لم يكن نادِمًا على الاحتلال، بل رآه ضرورة تاريخية، وسيفًا جراحًا يُخرج الطغاة من جسد الدول. آمن أن الديمقراطية لا تولد من الورود، بل من الرماد، وأن ما جرى للعراق هو الثمن الطبيعي للانعتاق، ولو تأخّر الحصاد.
لكنه لم يكتب عن جنود الاحتلال بلغة الحالمين. رأى فيهم جهلًا حضاريًا، وغرورًا إمبرياليًا، وعجزًا عن فهم الروح العراقية. كتب:
"الأميركيون يجيدون كسب الحروب، لكنهم يجهلون كيف يُعيدون بناء الأمم."
خرج من بغداد حاملاً حقيبة مليئة بالملاحظات، ودفترًا أسود كُتب فيه:
"رأيت في العراق أكثر مما أردت أن أرى، لكنني لم أندم على الرؤية."