كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كتّاب غزة الشهداء.. كتبوا بالدم قبل الحبر لحظاتهم الأخيرة

أمينة عباس- فينكس

تتابع أكاديمية دار الثقافة مشروعها الذي بدأته منذ فترة بالتعريف بكتّاب غزة ومبدعيها وما كتبوه خلال الحرب من خلال ندواتها التي تعقدها عادة لأن ما يحدث في فلسطين عموماً وغزة على وجه الخصوص يرتقي لمستوى الأساطير، لذلك كان موضوع الندوة التي عُقدت مؤخراً بمشاركة مدير الأكاديمية د.حسن حميد والناقد د.ثائر عودة والناقد أحمد هلال عن الكتّاب الشهداء في حرب غزة وقد تناول حميد سيرة الشاعروالروائي سليم النفار الذي رحل شهيداً في كانون الثاني من العام 2023 بقصف إسرائيلي:"رحل النفار لكن قصائده التي تُدرس في المناهج المدرسية لم ترحل وقد تُرجمت للغات عالمية.. كتب الشعر والرواية والمقالة الأدبية والنقد الأدبي، ومدونته الأدبية تشير إلى 6 دواوين شعرية وروايتين.. إن حياة النفار المولود في مخيم الشاطئ 1963 مثال على المأساة الفلسطينية، حيث نفى العدو والده المناضل إلى الأردن عام 1968 ثم هجرت الأسرة إلى لبنان عام 1970 وفي العام 1973 صار النفار ابن الشهيد، فعاش مع أسرته الصغيرة في مخيم الرمل في اللاذقية حتى العام 1994 وفيه نال إجازة في اللغة العربية وأسس بيتاً للثقافة والأدب "ملتقى أبو سلمى" وهو الذي كتب نصوصه الشعرية وهو طالب في المرحلة الثانوية، ثم تجلى اسمه شاعراً وهو طالب جامعي، فشارك في ملتقيات الجامعة الشعرية وفي المهرجانات الثقافية السورية، إلى جانب أهم شعراء سورية، ناشراً قصائده في دوريات اتحاد الكتّاب العرب، وفي بداية التسعينيات وحين عاد إلى غزة أسس فيها بيتاً ثقافياً "جمعية الإبداع الثقافي" لاستقطاب المبدعين الفلسطينيين في قطاع غزة، وعمل محرراً أدبياً للصفحات الثقافية، وبعدما اتسعت تجربته الأدبية أصبح عضواً في اتحاد كتّاب وأدباء فلسطين ومديراً في وزارة الثقافة الفلسطينية".
بدا واضحاً من كلام حسن حميد كذلك أن الندوة فرصة ويجب أن تتكرر للتذكير "بأن غزة ليست مكاناً برياً لا آداب ولا فنون فيه تعبّر عن الوضع الاجتماعي، وقد كانت ومنذ الأزمنة البعيدة مكاناً اجتماعياً ومدنياً تعبّر عنه حياة الناس الثرية وعطاءات أبنائه المدهشة في الإبداع، فهارون هاشم رشيد وعلي هاشم رشيد ومعين بسيسو وفتحي غبن ليسوا كائنات برية، ومن يقرأ مذكراتهم سيرى أنهم يتحدثون عن أساتذتهم وآبائهم الشعراء والأدباء والفنانين، ومن المؤسف أننا لا نعرف الكثير عن آداب غزة وفنونها، والسبب هو الإعلام والاحتلال الإسرائيلي وما عاشه الغزيون من حرب وتدمير وموت وحصار، ومع هذا نجد أن الثقافة والفنون زاخرة فيها على الرغم من مساحتها الصغيرة".
إذا كان لا بد أن أموت
إن الكتّاب الشهداء الذين كتبوا قصتهم الأخيرة قبل الاستشهاد أكثر من أن تحيط بهم ندوة برأي د.ثائر عودة: "لأنهم كتبوا بالدم قبل الحبر تلك اللحظات الأخيرة التي أصبحت فعل حياة بعد رحيلهم، وقد استشهد كثير من الشعراء والروائيين وكتّاب القصة والباحثين والمؤرخين والفنانين والصحفيين مع عوائلهم، ومن أوائل الكتّاب الذين استشهدوا في اليوم الأول من طوفان الأقصى الروائي عمر فارس أبو شاويش وكان في روايته الأخيرة "على قيد الموت" قد أعلن أنه "على مفترق وجع كانت ثنايا الروح متناثرة.. كنت أنت هناك ترثي أحلاماً بائدة وأنا أمرّ لألملم بعضاً من جراحاتي" مؤكداً عودة أن أبو شاويش خلال حياته القصيرة -27- عاماً حرص على أن ينقل للعالم الواقع الصعب الذي نشأ فيه وقدم عديداً من الروايات التي عبّر فيها عن الدمار الذي لحق بالناس، والشباب منهم خاصة نتيجة الحصار الطويل، وهو ما فعله أيضاً الروائي الشهيد نور الدين حجاج وهو من مواليد 1996 وقد تمكّن من نشر روايتين هما "غريب وغريبة" و"أجنحة لا تطير" وقد كانت وصيته صرخة توثيقية ضد الإبادة وفيها يقول: "الشمس لم تعد تشرق بسبب الرماد الناتج عن تدمير كل المدينة، لكن ربما يصدر خبر موتي في النسخة القادمة" في حين كتبت الكاتبة مريم حجازي على صفحتها في اليوم الرابع من الحرب وهي بنت مخيم جباليا وقد استشهدت في تشرين الأول 2023: "نفسي أرجع لحياتي الطبيعية.. رسالتي الأخيرة أريد التوقف عن مدّ يدي إلى الجدران.. الشمس تلدغني.. أين مخبئي؟ أنا في مخاض مع الكلمات".. كما يتوقف عودة في سرده عن الكتّاب الشهداء عند رفعت العرير مواليد أيلول 1969 والذي ارتقى شهيداً في كانون الثاني 2023: "حصل على الماجستير من لندن والدكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة بوترام/ماليزيا وأصبح في العام 2007 عضواً في هيئة التدريس في قسم اللغة الإنكليزية في الجامعة الإسلامية في غزة، وكان أحد أعمدة القسم الإنكليزي في المركز الفلسطيني للإعلام ومؤسساً ومشرفاً على قسم الإعلام الاجتماعي فيه، وعَمل في الجامعة على تدريس الأدب العالمي والكتابة الإبداعية بالإنكليزية، وعلّم الكتّاب الشباب أهمية ترجمة نصوصهم ونقل المعاناة الفلسطينية للعالم، وخلال معركة الطوفان ظهر إعلامياً مع وسائل إعلام غربية متعددة، وكان يحرص على فضح جرائم العدوان بحق القطاع وإيصال صوت غزة للعالم، فكان هدفاً استراتيجياً للعدو لأنه يعرف ما يمكن للقلم أن يقدم، فيحارب بالقصيدة والنص، والأخطر هو نقل هذه النصوص للغات أخرى، وهو يُعدّ من أفضل من تحدث عن السردية الفلسطينية ودحض رواية العدو الصهيوني بالإنكليزية وعُرفت عنه كتاباته العميقة عن غزة بالإنكليزية للترويج للقضية الفلسطينية، وقد أنجز 3 كتب عن القضية الفلسطينية بالإنكليزية وتركت قصيدة إعلان موته "إذا كان لا بد أن أموت" الأثر الكبير في عشرات الألوف حول العالم، ومنذ لحظة استشهاده لم تنقطع عن الألسن".
ويأسف عودة لأننا لا نعرف الشخصيات العظيمة إلا مع وقوع كوارث كبيرة، فتصلنا حكاياتهم، لذلك دعا إلى: "ألا نتوقف عن الحديث عن هؤلاء الشهداء الأيقونات، وأن نتلو سيرتهم في كل محفل لأن المعركة مع العدو الصهيوني في جبهتها الثقافية لا تقل أهمية عن باقي الجبهات وعلينا أن نعيد سيرتهم للأجيال الفلسطينية والعربية كي يكونوا الأيقونات والمنارات التي يهتدون بها، فما تزال أفكارهم وكلماتهم طليقة باقية، تخلد في التاريخ أسماءهم بعد أن استشهدوا على يد الاحتلال الصهيوني وظلوا يكتبون حتى الدقيقة الأخيرة قبل استشهادهم.. علينا نقل ميراثهم كي نخبر العالم من جديد بأن أصحاب القلم الصادق المشتبك الحر لا يموتون وستظل نصوصهم تتردد مثلما بقيت نصوص الكتّاب الشهداء السابقين".
شهيد وشاهد على التحرير
علينا الإصغاء إلى ما دوَّنه شهداء غزة الأدباء والمبدعون، ليس لأنهم شكلوا مأثرة فلسطينية جديدة، قوامها الأدباء الشهداء فحسب، وليس لأنهم سبقوا الشهادة بالنبوءة حسب الناقد أحمد هلال في مشاركته: "بل أكثر من ذلك وهو أن سردياتهم شكّلت درساً جديداً للنقد الأدبي بأسلوبها الجديد ولا تكتفي بامتياز الألم وتأبيده، بل بالقدرة على التحدي بجسارة الروح واللغة والوعي".. كما يتساءل هلال: "هل كان عليهم أن يستشهدوا حتى نعرفهم ونكتشفهم؟" في إشارة للكاتبة هبة أبو ندى وسواها ممن تنبأوا باستشهادهم في حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في غزة وفلسطين كلها: "أبو ندى سارت على تلك الدروب التي دشنها أدباؤنا الشهداء، واستأنفتها باستشرافها ومكاشفتها، وهي من جهرت بصوتها ذات غارة صهيونية حاقدة: نحن في غزة عند الله بين شهيد وشاهد على التحرير.. معتم ليل المدينة إلا من وجه الصواريخ، صامت إلا من صوت القصف، مخيف إلا من طمأنينة الدعاء، أسود إلا من نور الشهداء".. لقد كانت أبو ندى شاهدة على وقائع المقتلة، وقد سردت لحظاتها الفادحة، فكتبت قبل استشهادها بيوم عن تدمير منطقة الزهرة في غزة، قائلة: "الأربعة وعشرين برجاً تُقصف الآن.. مدينة بأكملها تستشهد برجاً برجاً".
ويؤكد هلال أن ما سردته و روته أبو ندى عن مشاهداتها لم يكن سوى جزءاً حيوياً من مكابداتها ومغامراتها الإبداعية ضمن الوقائع المتواترة التي شكلت عالمها الروائي وسردها التتابعي عبر خيط بوليسي يتكاتف في ملحمة الأقدار والمصائر دون تعيين للفضاء المكاني أو الزماني بتطييف مقصود وتخييل وقدرة على الإيحاء والتشفير، عبر روايتها "الأوكسجين ليس للموتى" من خط دم أسود أطول من الياذة هوميروس وأثقل من صخرة سيزيف وقد كتبت في مقدمتها: "قبل أن تقرأ الأوكسجين ليس للموتى خذ جرعتك من الألوان لأن الأمور رمادية جداً في الداخل فاخلع قلبك وادخل الأحداث فكل الخيال القادم حقيقي جداً" مشيراً هلال إلى أن المزج بين الخيال والواقع والنزوع نحو التجريب وسم روايتها ليعلن حساسية روائية لا تتعلل بالواقع بقدر ما تستشرفه، فكانت شهيدة وشاهدة، مثلت قضايا جيلها وسعت لمقاربة عوالم افتراضية، لكنها لم تفارق في نصوصها نثراً وشعراً حكاية الناس وآلامهم وتوقهم إلى الحرية وهي التي أبدعت في الشعر والنثر وحصلت على عدة جوائز، أهمها المركز الأول في القصة القصيرة، والمركز الثاني في جائزة الشارقة للإبداع العربي عن روايتها الوحيدة "الأوكسجين ليس للموتى". 
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته