شمس بلادي
2025.02.17
محمد صباح الحواصلي
دنفر ١٥ شباط ٢٠١٤
خرجنا من شقته في طرف مدينة "دنفر" في ولاية كولورادو إلى شمس الصبح الباكر، إلى كنف سماء صافية رحبة، هواؤها ساكن شديد البرودة، لطفته شمس الصباح، وأضفت على الوقت والمكان غبطة وانتعاشاً. قال:
"يستحسن أن أدير محرك السيارة دون أن ندخلها حتى تدفأ؛ فالبرودة خارج السيارة أخف وطأه منه داخلها."
وقفنا قرب امتداد من الحشائش مسوّى السطح.. أشار إليه قائلاً:
"لقد كممت الثلوج التي هطلتْ خلال الأيام الماضية خضرته."
بدت لي بقايا الثلوج متماسكة راسخة وقد فقدت هشاشتها الناصعة البياض ، متكومة عند حواف الطرقات والأماكن التي لا يصلها نور الشمس.
رفعتُ رأسي إلى السماء فرفعَ راسه إلى السماء أيضاً وقال:
"لم أرَ سماءً زرقاء وضيئة صافية مثل هذه السماء إلا في سورية.."
سألته وكأنني استحضر توقاً قديماً:
"مشتاق لسماء سورية يا أحمد؟"
أجابتني عيناه قبل فمه: "كثيراً.."
قلت له:
"طقس ولاية "كولورادو" مثل الطقس في سورية.. حار صيفاً وبارد شتاءً.. وفيه أربعة فصول تزهو بخصائصها. تصلح كولورادو بأن تكون مستقراً بديلاً ولكن إلى حين."
عاد إلى زرقة السماء التي لم يرَ مثيلاً لزرقتها إلا في سورية وقال:
"أتمنى يا أبي أن يكون لنا عودة إلى سورية."
قلت له:
"مهما طالت غربتك فسيكون لك من سورية الجديدة نصيب.."
نظر أحمد إليّ ثم عاد إلى السماء:
"وأنت يا أبي سيكون لك منها نصيب."
ثم انتقل أحمد إلى ذكرى قديمة عندما كان وأخوته صغاراً:
"أذكر يا أبي عندما كنت تأخذنا ونحن صغار إلى صافيتا ومرمريتا.. لا أنسى ركضنا عندما كنا صغاراً في سهل مرتفع بين الحشائش البرية التي بلغ طولها طول قاماتنا الصغيرة.. كانت تلامس وجهنا وكأنها تلاعبنا، وكانت مشبعة بالشمس. هناك جُبلَتْ الشمسُ في كياني مع خضرة الأرض الطيبة وروائح الزهور البرية.. والبلدات التي ماتزال تسكن ذاكرتي: مشتى الحلو، تنورين، عين الراهب، عمار الحصن، ومشتاية، وكفرون.."
دخلنا السيارة وقد اكتنفها الدفء. تابع أحمد حديثه عن زرقة السماء وعن شمسها.. عن زرقة السماء هاهنا في كولورادو، وزرقة السماء في ذاكرة الوطن البعيد. كان واضحاً أن السماء واحدة، والشمس واحدة، وأن الوطن واحد.