كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قراءة في "حدائق القلق"

بدر أحمد

في عنوان الكتاب:
ينتابك القلق قبل أن تشرع في قراءة هذا الكتاب/الرواية الموسوم بـ"حدائق القلق". قد تتساءل أو تستغرب: وهل للقلق حدائق؟!
في علم النفس، عقلك مثل الحديقة، إما أن تزرعها ورد التفاؤل والأمل، أو تملأها بشوك التشاؤم واليأس. ولعل أهمية الحديقة تكمن في تخليصنا من التوتر النفسي وضغوطات الحياة. كما أنها تعطينا الشعور بالراحة النفسية من خلال المنظر الطبيعي الذي يريح العين والأعصاب، فاللون الأخضر يساعد على الاسترخاء، ورائحة الزهور تنظّم دقات القلب، والحديقة ملاذ طبيعي للجسد والعقل من خلال الإبتعاد عن المخاوف اليومية والانغماس في جمال اللحظة العابرة....
الدكتور أو المعالج النفسي، مهند، يضع في عيادته لافتة:
"أعطنا خبزنا كفاف يومنا" دلالة على أهمية عيش اللحظة فقط ونسيان الماضي كما الغد.
تشير الدراسات إلى أن العيش في المدن يزيد من مستوى التوتر والقلق. والقلق، تعريفاً هو عدم الارتياح. ربما لذلك يقرر الدكتور مهند في نهاية الرواية أن يعود إلى القرية خوفاً من عودة نوبات القلق إليه..
فالقلق هو مرض نفسي مذموم اجتماعياً، كما المرض الخبيث يتحاشى ذكره الناس "معه من هداك المرض"!
والدة الدكتور مهند في زيارته للقرية تسأله: "هل مازلت تعاني من ذلك.... أقصد... القلق؟".
وضع النقاط هنا يدل على توتر الام وخوفها، كما يعطينا معلومة مفاجئة أن الدكتور كان يعاني سابقاً من القلق.
الإهداء:
"الى كل من يشبه شخصية في الرواية... أرفع هذا العمل".
من منا لم يتعرض لحالة قلق؟! أو بتعبير ٱخر "مين اللي ع راسه خيمة؟!" إذن، أصابنا الكاتب جميعاً وبسهم واحد.
قبل الولوج إلى عالم الرواية هناك اقتباس طويل للكاتب الكندي يان مارتيل: "الخوف هو الخصم الحقيقي للحياة، فقط الخوف يمكن أن يهزم الحياة...." ص٥
كل شخص يخاف من شيء ما، وناي تخاف من الموت، "كانت عقدة الموت في رأسها وتراً لايتوقف عن عزف نفسه بنفسه"، ويتحول خوفها هذا، وهي تواجه البحر، إلى موجة خوف..
تبدأ أحداث الرواية لحظة غروب الشمس على رصيف المرفأ. الغروب واللون الأحمر الناري الموحي بالحزن، والمرفأ الذي هو بوابة مشرعة للرحيل. "كم تريد أن تسافر" ص١٢
الموت، الخوف، السفر أو الرحيل.. مفردات عنوانها القلق واليأس والخوف. وسط موجة الخوف هذه، تفتح ناي الفيسبوك لتجد منشوراً لأستاذها عصام، مدرس الرياضيات، يعلن فيه عودة صديقه الدكتور مهند إلى البلد وافتتاح عيادته التخصصية في العلاج النفسي.
ولأن الغريق يتعلق بقشة، فكيف إذا وجد خشبة الخلاص، تقرر ناي بل تحجز موعداً في ظهيرة اليوم التالي.
ينجح الكاتب في طريقة دخول شخصياته مسرح الأحداث. هكذا تدخل ريم: "كانت والدة ريم قلقة عليها جداً. إنه الأسبوع التاسع الذي تجلس فيه ابنتها في المنزل دون خروج، وذلك بعد أن تعرضت لحادثة ظلم سبّب حرمانها من الامتحان في الجامعة." ص١٤
ريم، تسكن جوار الأستاذ عصام الذي ساعدها في تحقيق حلمها في دراسة الهندسة المدنية، الحلم الذي أصبح الآن بالنسبة لها كتلة مخاوف لا أكثر..
هنا، في حالة ريم، يتحول الخوف إلى وحش مفترس "صارت خائفة من الحياة، حتى أنها في اخر منشور لها على الفيسبوك نشرت اقتباساً لكافكا: "الخروج من المنزل مغامرة" ص١٤
حازم، مريض الربو، يشعر وكان أحدهم يهدده من على بعد مئات الكيلومترات، عدا عن شعوره الدائم بالخوف من مجرد الخروج من منزله.
"لقد رسب حازم في جامعته العام الماضي في كلية الرياضيات، بسبب مخاوف ووساوس غير منطقية" ص١٦
أما "دينا" فتدخل في الفصل الرابع: "انفتح الباب بهدوء وتسللت منه هيئة أشبه بالخيال. امرأة ثلاثينية جمالها هادىء يثير الحنين، ترتدي معطفاً أسود طويل...، يوحي بأنها ارتدته للإختفاء أكثر مما هو لاتقاء البرد. وشعرها الكستنائي مسحوب للخلف بالطريقة نفسها التي اعتاد عليها مهند قبل خمس سنوات..." ص٧٥
في هذا الفصل من الرواية يرتفع الخط الدرامي كثيراً ونتطلع على العلاقة السابقة بين الدكتور مهند و"دنيا". زيارة دنيا إلى العيادة كانت أشبه بالعاصفة التي هبت لتنسف الكثير من الهدوء.. دنيا أيقظت لدى الدكتور مهند مخاوف قديمة، الخوف من العودة إلى الوراء والخوف من العودة إلى نقطة الصفر..
تنقلب الأدوار وتتحول ناي من مريضة تتلقى العلاج النفسي إلى منقذ لطبيبها في لحظة ضعفه أو لحظة الصفر: "ضمته إلى كتفها دون أن تنطق كلمة واحدة، لأنها لا تعرف مالذي تقوله لطبيب يعالجها من الهلع وهو في حالة يُرثى لها". ص ٨١
ناي، في أول جلسة علاج لها مع الطبيب مهند: "كانت في كلماتها لوحة يرقص فيها الخوف معها هي.." ص١٨.
جميل هذا الوصف ورائع استخدام المفردات التي تتماهى مع كل شخصية أو مع اسمها أو عملها، فـ"ناي" تتعلم الرقص كما عرفنا منذ بداية الرواية.
الخوف هو شريك ناي في رقصة التانغو. تعترف لحازم: "لم أؤد إلى اليوم رقصة الشريك التي أودها". ص٥٩
الخوف سيد الموقف "ولا يظهر أي رحمة". "حين دخلت ريم كانت خائفة جداً.. وانفجرت في البكاء..". ص٢٢
وعندما يقترح الدكتور مهند جلسات علاج القلق الجماعي، يسخر منه صديقه عصام: "يا رجل... اقسم لك أن هذه الجلسات ستكون باباً للزواج والخطوبة أكثر مما هي علاج". ص٤٣
وتتحول المزحة إلى واقع أو حقيقة. ففي نهاية الرواية تنشر ناي صورة سيلفي على الفيسبوك تظهر فيها وقت الغروب على رصيف المرفأ يلتقطها حازم وهي تضع رأسها على كتفه وفوق الصورة: "ونكمل هالعمرين ع مهل ع الهدا". ص٩٧
تنغلق الدائرة هنا، فالرواية بدأت بلحظة الغروب، وانتهت بها مع الفارق أن المرفأ في النهاية كان دلالة على العودة وليس الرحيل.
ملاحظة أخيرة:
الرواية قصيرة ( novella) ربما فرض ذلك على الكاتب التكثيف والإختزال. فالعجينة كان يمكن أن تختمر أكثر وكنا رأينا ماهو أكثر نضجاً.
وبالنسبة للشخصيات، جاءت الأسماء متناغمة لكن كنية "صخر" للدكتور مهند! تم ذكرها مرة واحدة في سياق التعريف، ووكان من الممكن تجاهلها.. ولو كان الأمر لي لأطلقت على شخصية دنيا، حياة..
عموماً، الفاخوري يضع إذن الجرة حيث يشاء..
كما يجب التنويه أنه العمل الأول للكاتب الشاب الذي ننتظر منه أعمالاً أكثر ابداعاً في قادم الأيام... 
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته