وَسيلة المَعرفة المَكزونيّة
2024.12.02
سام صالح- الدليبات
في كُتب المعرفة والفلسفة العامّة يتحدّثون عمّا يُسمّى وسائل المعرفة ويُقسّمون المعرفة إلى ثلاث وسائل مُرتَّبة وفقاً لدرجة يقينها وهي:
١ - المعرفة الحسيّة ووسيلتها الحواسّ المنفتحة قواها على مشاهد العالم المادي.
٢ - المعرفة العقليّة ووسيلتها العقل ومعرفته أعلى وأصوب وأدقّ من معرفة الحواسّ، وهي تقوم على الاستدلال الذي تَلزم فيه النتائج عن مُقدّماتها لزوماً حتميّاً لا يعرّضها للخطأ الذي قد تقع فيه معرفة الحواسّ.
٣ - المعرفة الحدسيّة ووسيلتها الحدس أو العيان المُباشر أو البصيرة. وهذه الوسيلة هي التي تخصّ أهل التصوّف الربّانيين، وفي هذه المعرفة يمتزج الشخص العارف بالشيء المعروف وتتّحد الذات وموضوعها اتّحاداً لا تفريق فيه، وأبسط مثال عن هذه المعرفة الحدسية هو إدراك كلٍّ منّا أنه موجود، ولكن المشكلة أنه لا يتأتى لكل شخص أن يصقل مرآة نفسه وينظفها من ملوّثات صفائها؛ لأن صفاء النفس ببراءتها من نواقصها ومثالبها من شأنه أن يجعل مرآة النفس قادرة على التقاط أشعّة ضياء الحقائق الكونيّة المُحتجبة إلا عن بصائر أهل البصائر.
أنا أعلم أن كثيرا من الناس لا يُصدِّق أبعد مما ترى عيناه وتسمع أذناه. ومثل هؤلاء غير مَلومين لأن من عرف روحَ الجوهر عَيناً غير من رأى جسدَ العرَض أثراً.
يقول فيلسوف القديسين المكزون السنجاري بعد أن تحدث عن مشاهداته الماورائية:
وغائبٍ عن مَشهدي
يظنُّ دعوايَ هَذَرْ
فقلتُ يا أعورُ قد
غيَّبَني عنكَ العَوَرْ
وهل يرى الخارجُ ما
في داخل الدار استَتَرْ؟!
هُنا تكمن المشكلة وهي أننا قد نكذب بشيء لا نمتلك أداة معرفته التي تُفضي إلى التصديق به، ولنضرب مثلا رجلان: واحد أعمى والثاني بصير ذهبا في غابة فبدأ البصير يصف للأعمى المشاهد التي يراها بينما الأعمى مُتعجّب مما يصف صاحبه وربما مُكذّب له. لماذا هذا؟ لأن الأعمى ببساطة لا يمتلك وسيلة الإبصار . يقول المكزون:
وإنّ ضياءَ الشمسِ عندَ طلوعها
لَمُحتَجِبٌ عن كلِّ عينٍ عمِيَّةِ
لذلك لا بد من امتلاك عين اليقين المكزونية حتى نستطيع رؤية مايراه. يقول:
رأيتُ في عينِ اليقينِ رؤيةً
عن زَينِ عينيَّ نفَتْ شَينَ العَوَرْ
على العيان ما شهدتُ لم يكنْ
وهماً وتقليداً و حزْرَ مَن حزَرْ
ويقصد بالعوَر رؤية المحسوسات بالباصرة دون رؤيا المعقولات المُجرّدة بالبصيرة؛ لذلك نفى شين العوَر عن نفسه، فالعَوَر هو المعرفة البتراء ذات العين الواحدة والعينان اللّتان للمكزون هما قُوّتا الجذب والدفع بين عالم الحسّ الظاهر و عالم القُدس الباطن.
يقول نضّر الله وجهه:
وإنّي لأستجلي بمرآة خلوتي
من الإنس كونَ القُدسِ في كونيَ الحِسّي
لذا صارَ غيبُ النفس عندي شهادةً
بتجريدها من لبس دائرةِ اللّبسِ
--------------------