كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

شمس تلك العشيّة

وليم فوكنر
ترجمة: ثائر ديب
 
I
لم يعد يوم الإثنين في جفرسون يختلف عن أيّ يوم آخر من أيام الأسبوع. الشوارع باتت معبّدة, وشركتا الكهرباء والهاتف تقطعان مزيداً من الأشجار الوارفة –بلّوط وقيقب ودردار وخرنوب– لتنتصب مكانها أعمدة حديدية تحمل عناقيد عنب منتفخة شاحبة, ولدينا الآن مغسلة المدينة التي تجمع صرر الثياب صباح الإثنين في سيارات زاهية الألوان مُخَصَصَّة لهذا الغرض, فترى الثياب التي اتسخت طوال الأسبوع تتطاير كالأشباح خلف الزمامير الكهربائية النزقة, وصرير العجلات المتطاول على الإسفلت مثل ثوب حريريّ يتمزّق, وحتى الزنجيات اللواتي لا يزلن يغسلن ثياب البيض, كما جرت العادة, صرن يحضرن الثياب ويُعْدِنَها بالسيارات.
أمّا منذ خمس عشرة سنة، فكانت الشوارع الهادئة, المغبرة, الظليلة تعجّ صباح الاثنين بالزنجيات, وصرر الثياب الملفوفة بملاءات ضخمة كبالات القطن مستقرة فوق عمائمهن على رؤوسهن الثابتة, يحملنها من دون أن تمسّها أياديهن من أبواب مطابخ البيض إلى المغسلة التي علاها السخام في حيّ الزنوج.
كان من عادة نانسي أن تضع صرّتها على رأسها ثم تضع فوقها قبعة القشّ البحرية السوداء التي تلبسها صيفاً وشتاءً. وكانت نانسي طويلة ذات وجه أنوف حزين يغور قليلاً حيث فقدت أسنانها. وكنّا في بعض الأحيان نقطع معها جزءاً من الطريق أسفل الزقاق وعبر المرعى, نراقب الصرّة المستقرّة والقبعة التي لا تتمايل ولا تهتزّ قطّ, حتى وهي تهبط الخندق وترتقي الجانب الآخر وتنحني عند السياج لتجثو على يديها وركبتيها وتدبّ عبر الفتحة برأسها الثابت، المتجهّم، والصرّة الراسخة مثل صخرة, ثم تنهض على قدميها من جديد وتمضي.
في بعض الأحيان كان أزواج الغسّالات يُحضرون الثياب ويسلّمونها بدلاً من زوجاتهم, لكن جيسس لم يَقُم بذلك قطّ بدلاً من نانسي, سواء قبل أن يطلب منه والدي الابتعاد عن بيتنا أو حتى أثناء مرض دلسي, حين كانت نانسي تأتي كي تطبخ لنا.
كثيراً ما كنا نقطع الزقاق إلى كوخ نانسي لنقول لها أن تأتي وتُعِدّ لنا طعام الفطور. ولأن أبي طلب منا الابتعاد عن جيسس –ذلك الأسود القصير, بندبة الموسى في أسفل وجهه– كنا نقف عند الخندق ونبدأ برمي الحجارة على بيت نانسي إلى أن تخرج عارية وتسند رأسها إلى الباب.
قالت نانسي: "ما بكم؟ أتريدون أن تهدموا بيتي؟ ما بكم أيها الشياطين الصِّغار؟"
قالت كادي: "يقول أبي عليك أن تأتي لتفطري. يقول أبي إنّك تأخرت أكثر من نصف ساعة, ويجب أن تأتي فوراً".
قالت نانسي: "لا يهمني الفطور, أريد أن أنام".
قال جيسن: "والله أنت سكرانة, أبي يقول إنك سكرانة. هل أنتِ سكرانة يا نانسي؟"
قالت نانسي: "من قال إني سكرانة؟ أريد أن أنام. لا يهمني الفطور".
هكذا توقفنا بعد فترة عن رمي الكوخ بالحجارة ورجعنا إلى البيت. وحين جاءت نانسي كنت قد تأخّرت كثيراً عن المدرسة. وظننا أنّ الويسكي هي السبب إلى ذلك اليوم الذي اعتقلوها فيه مرّة أخرى وأخذوها إلى السجن ومرّوا بها بالقرب من السيد ستوفال, صرّاف البنك وشمّاس الكنيسة المعمدانية, وراحت نانسي تصرخ:
"متى ستدفع، أيها الأبيض؟ متى ستدفع، أيها الأبيض؟ هذه ثالث مرة ولم تدفع سنتاً واحداً...". وطرحها السيد ستوفال أرضاً, لكنها ظلّت تصرخ: "متى ستدفع، أيها الأبيض؟ هذه ثالث مرّة ولم تدفع..." إلى أن رفسها السيد ستوفال بكعب حذائه على فمها, وأمسك به العمدة من الخلف, ونانسي مطروحة في أرض الشارع وهي تقهقه وحين أدارت رأسها بصقت بعض الدم والأسنان وقالت: "هذه ثالث مرة ولم تدفع سنتاً واحداً".
هكذا فقدت نانسي أسنانها, وأمضى الناس ذلك النهار يتحدثون عن نانسي والسيد ستوفال. وطيلة تلك الليلة كان كلّ من يمرّ بالقرب من السجن يسمع نانسي وهي تغني وتصرخ. كانوا يرون يديها ممسكتين بقضبان النافذة, وتوقف الكثيرون عند السور, وأصغوا إليها وإلى السجّان وهو يحاول إسكاتها. ولم ينطبق فمها حتى الفجر, حين سمع السجّان صوت ارتطام وضجة في الطابق العلوي وصعد ليرى نانسي معلقة بقضيب النافذة وقال إن الكوكايين هو السبب وليست الويسكي, فالزنوج لا يحاولون الانتحار إلا إذا كانوا ممتلئين بالكوكايين, لأن الزنجي المليء بالكوكايين لا يعود زنجياً.
أنزلها السجّان وأنعشها, وبعد ذلك ضربها وجلدها, كانت قد علّقت نفسها بثوبها الذي ربطته بإحكام, ولأنها لم تكن ترتدي غير هذا الثوب حين أوقفوها, فإنها لم تجد ما تربط به يديها, ولذلك لم تستطع أن تُفلِت يديها عن قضبان النافذة. وهكذا سمع السجّان الضجّة وهرع ليجد نانسي معلّقة بالنافذة, عارية تماماً, وبطنها منتفخ قليلاً مثل بالون صغير.
حين كانت نانسي تطبخ لنا أثناء مرض دلسي, كنا نرى مريولها منتفخاً؛ كان ذلك قبل أن يطلب أبي من جيسس الابتعاد عن البيت. كان جيسس جالساً في المطبخ, خلف الموقد, وندبة الموسى على وجهه الأسود مثل خيط متّسخ. قال إنَّ نانسي تخفي بطيخة تحت ثوبها.
قالت نانسي: "لكنها ليست من زَرْعِك".
قالت كادي: "زَرْعُ مَنْ؟"
قال جيسس: "سوف أقطع الزرع الذي جاءت منه".
قالت نانسي: "لماذا تتكلم هكذا أمام هؤلاء الأطفال؟ لماذا لا تذهب إلى عملك؟ هل تريد أن يمسك بك السيد جيسن وأنت تقول هذا الكلام أمام هؤلاء الأطفال؟"
قالت كادي: "ماذا يقول؟ أيُّ زَرْع؟"
قال جيسس: "أنا لا أستطيع أن آتي إلى مطبخ الأبيض, أمّا هو فيأتي إلى مطبخي حين يشاء. الأبيض يدخل بيتي في أيّ وقت يريد, ولا أستطيع أن أمنعه. حين يريد الأبيض أن يأتي إلى بيتي، لا يعود لي أي بيت. لا أستطيع أن أمنعه، لكنه لا يستطيع أن يطردني. لا يستطيع".
كانت دلسي لا تزال مريضة في كوخها. طلب والدي من جيسس الابتعاد عن بيتنا. كانت دلسي لا تزال مريضة. دام ذلك وقتاً طويلاً. كنا في غرفة المكتبة بعد العشاء.
قالت أمي: "ألم تنتهِ نانسي من المطبخ بعد؟ أظنّ أنها استغرقت من الوقت ما يكفي لغسيل الأطباق".
"دعي كوينتن يذهب ويرَ"، قال أبي. "اذهب يا كوينتن وانظر إن كانت نانسي قد انتهت. قل لها يمكنها الذهاب إلى البيت".
ذهبتُ إلى المطبخ. كانت نانسي قد انتهت. وكانت الأطباق مرتبة والنار مطفأة. كانت نانسي جالسة على كرسي بالقرب من الموقد البارد. نظرت إليّ.
"تريد أمي أن تعرف إن كنتِ قد انتهيتِ", قلتُ لها.
"نعم", قالت نانسي. لقد انتهيت". ونظرت إليّ.
"ماذا؟ ماذا؟" قلت.
"أنا لست سوى زنجية", قالت نانسي. "هذا ليس ذنبي".
نظرت إليّ وهي تجلس على كرسي أمام الموقد البارد, والقبعة البحرية على رأسها. رجعتُ إلى غرفة المكتبة. الموقد البارد وجميع الأشياء الأخرى، هو ما يخطر حين تفكر بمطبخ دافئ مزدحم وبهيج. موقد بارد وأطباق مرتبة, ولا أحد يرغب في الطعام في تلك الساعة.
"هل انتهت؟" قالت أمي.
"نعم", قلت.
"ماذا تفعل؟" قالت أمي.
"لا تفعل شيئاً. انتهت".
"سأذهب وأرى", قال أبي.
"ربما تنتظر جيسس كي يأتي ويأخذها إلى البيت", قالت كادي.
"جيسس رحل", قلتُ. كانت نانسي قد حَكتْ لنا كيف استيقظت ذات صباح وكان جيسس قد رحل.
"تركني", قالت نانسي. "أظن أنّه ذهب إلى ممفيس. هرب من شرطة المدينة لفترة, على ما أظن".
"هذا من حسن الحظّ"، قال أبي. "أرجو أن يبقى هناك".
"نانسي تخاف من العتمة", قال جيسن.
"وأنت أيضاً", قالت كادي.
"لا, أنا لا أخاف", قال جيسن.
"جبان, خوّاف", قالت كادي.
"لا, لست كذلك" قال جيسن.
"اسكتوا‍‍"، قالت أمي. عاد أبي من المطبخ.
"سأذهب مع نانسي حتى آخر الزقاق", قال أبي. "تقول إن جيسس عاد".
"هل رأته؟" قالت أمي.
"لا, لكن أحد الزنوج أخبرها أن جيسس عاد إلى البلدة. لن أتأخر".
"هل ستتركني وحيدة لتوصل نانسي إلى البيت؟". قالت أمي. "سلامتها أغلى عندك من سلامتي؟".
"لن أتأخر", قال أبي.
"هل ستترك هؤلاء الأطفال دون حماية, وذلك الزنجي هنا في البلدة؟"
"أنا ذاهبة أيضاً", قالت كادي. "دعني أذهب، يا أبي".
"وما الذي سيفعله بهم, هل هو سيء الحظّ إلى هذه الدرجة؟" قال أبي.
"أنا أيضاً أريد أن أذهب"، قال جيسن.
"جيسن"، قالت أمي. كانت تخاطب أبي. بدا ذلك واضحاً من الطريقة التي لفظت بها الاسم. كأنّها كانت تعتقد أنَّ أبي كان طوال النهار يفكّر بفعل ذلك الشيء الذي تكرهه أشدّ الكراهية, وكأنّها كانت تعرف طوال الوقت أنه سيفكّر به عمّا قليل. بقيتُ صامتاً, فأنا وأبي كنا نعرف أنّ أمي تريده أن يجعلني أبقى معها. ولذلك لم ينظر أبي إليّ. كنتُ الأكبر بين أخوتي. كنتُ في التاسعة, وكانت كادي في السابعة, وجيسن في الخامسة.
"كلام فارغ", قال أبي. "لن نتأخّر".
كانت نانسي مرتديةً قبعتها. وصلنا إلى الزقاق. "كان جيسس طيّباً معي على الدوام", قالت نانسي. "كلّما كان في جيبه دولاران, كان يعطيني واحداً". مشينا في الزقاق. "لو أستطيع عبور الزقاق فحسب, فسأكون في مأمن عندها", قالت نانسي.
كان الزقاق معتماً طيلة الوقت. "هنا خاف جيسن عشية عيد القديسين", قالت كادي.
"لم أخف, لم أخف", قال جيسن.
"ألا تستطيع العمّة راشيل وضع حدٍّ له؟" قال أبي. كانت العمّة راشيل عجوزاً تعيش بمفردها في كوخ خلف كوخ نانسي. كانت تدخن الغليون عند الباب طيلة النهار, ولم تكن تعمل أيّ شيء آخر. كان شعرها أبيض تماماً, وكانوا يقولون إنّها أمّ جيسس. وفي بعض الأحيان كانت تقول إنّها أمّه, وفي أحيان أخرى كانت تنكر أيّ صلة به.
"بل خفت, أنت أخوف من فروني. بل أخوف من ت. ب. أخوف من الزنوج"، قالت كادي.
"لا أحد يستطيع أن يوقفه عند حدّه", قالت نانسي. "يقول إنني أيقظت الشيطان في داخله, وليس هناك سوى شيء واحد يجعله يعود إلى النوم ثانيةً".
"حسنٌ, لكنه رحل الآن"، قال أبي. "لم يعد هناك ما تخشينه. لو أنّك تتركين الرجال البيض وشأنهم فحسب".
"تترك أيّ رجال بيض؟" قالت كادي. "كيف تتركهم وشأنهم؟"
"لم يرحل. أحسّ به. أحسّ به الآن، في الزقاق. يسمع كلامنا, كلّ كلمة نقولها, مختبئاً في مكان ما, ينتظر. لم أره, ولن أراه بعد الآن سوى مرة واحدة, وذلك السكين في فمه, ذلك السكين الذي يخفيه تحت قميصه. ولن أفاجأ".
"لم أخف", قال جيسن.
"لو أنك أحسنت التصرّف, لما وقعت في هذه الورطة", قال أبي. "ولكن لا بأس عليك الآن. ربما يكون في سان لويس, أو ربما تزوج من امرأة أخرى ونسيك تماماً".
"إن كان قد فعل ذلك, فمن الأفضل ألا أعرف", قالت نانسي. "لأنني لن أدعهما يغيبان عن عيني, وكلّما ضمّها سوف أقطع تلك الذراع. سأقطع رأسه, وأشقّ بطنها, وسأُدخل..."
"هس", قال أبي.
"تشقين بطن مَنْ, يا نانسي؟" قالت كادي.
"لم أخف", قال جيسن. "أستطيع أن أقطع هذا الزقاق وحدي".
"ياه", قالت كادي. "أنت لا تجرؤ على وضع قدمك فيه لو لم نكن معك".
 
II
كانت دلسي لا تزال مريضة, ولذلك كنا نوصل نانسي إلى البيت كل يوم إلى أن قالت أمي: "إلى متى سيستمر هذا؟ تتركوني وحيدةً في هذا البيت الكبير كي توصلوا تلك الزنجية الخائفة إلى بيتها؟"
وضعنا فراشاً لنانسي في مطبخنا. وفي إحدى الليالي أفقنا، وسمعنا الصوت. لم يكن غناءاً ولم يكن بكاءً، وكان مسموعاً حتى الطابق العلوي. كان النور مضاءً في غرفة أمي, وسمعنا أبي وهو ينزل إلى الصالون, من الدرج الخلفي. ومضيت أنا وكادي إلى الصالون. كانت الأرضية باردة. وكانت أصابع أقدامنا تنكمش ونحن نسمع ذلك الصوت. كان مثل الغناء ولم يكن مثل الغناء، مثل الأصوات التي يصدرها الزنوج.
من ثمّ انقطع الصوت وسمعنا أبي وهو يهبط الدرج الخلفي، واتجهنا إلى أعلى الدرج. عندها انطلق الصوت مرة أخرى, على الدرج, ولم يكن مرتفعاً, وعند منتصف الدرج مقابل الجدار رأينا عيني نانسي. بدتا مثل عيني قطة كبيرة تقف مقابل الجدار وتراقبنا. وحين هبطنا الدرج إلى حيث كانت تقف, توقفت عن إصدار الصوت من جديد, ووقفنا هناك إلى أن جاء أبي صاعداً من المطبخ وبيده مسدسه. ونزل مع نانسي, ثم عاد ومعهما فراشها.
مددنا لها الفراش في غرفتنا. وحين انطفأ النور في غرفة أمّي, رأينا عينا نانسي من جديد. "نانسي", همست كادي. "هل أنت نائمة يا نانسي؟"
همست نانسي بشيء ما. ربما قالت "آه" أو "لا", لا أدري. كأن أحدا لم ينطق بذلك, وكأنه لم يأت من أيّ مكان ولم يمض إلى أيّ مكان, كأن نانسي نفسها لم تكن هناك مطلقاً؛ كنتُ قد حدّقتُ بقوة في عينيها على الدرج إلى حدّ أنهما انطبعتا على مقلتيَّ, كما تفعل الشمس حين تغمض عينيك ولا يعود ثمة شمس. "جيسس, جيسس", همستْ نانسي.
"هل كان ذلك جيسس؟" قالت كادي. "هل حاول أن يدخل إلى المطبخ؟".
"جيسس", قالت نانسي. لفظت الاسم هكذا: جيـ يـ يـ يـ يـ يـ يـ يـ يـ يـ يـ يـ يسس, إلى أن تلاشى الصوت كما يتلاشى عود ثقاب أو شمعة.
"هي تقصد جيسس الآخر"، قلتُ.
"هل تريننا يا نانسي؟" همست كادي. "هل ترين عيوننا أنت أيضاً؟"
"لست سوى زنجية", قالت نانسي. "الله أعلم. الله أعلم".
"ما الذي رأيته في المطبخ؟" همست كادي. "من الذي حاول الدخول إلى المطبخ؟".
"الله أعلم", قالت نانسي, وكنّا نرى عينيها. "الله أعلم".
تعافت دلسي. طبخت لنا الغداء. قال أبي: "من الأفضل أن تبقي في الفراش يوماً أو يومين".
"لماذا؟" قالت دلسي. "إذا بقيت في الفراش يوماً آخر, سيتحول هذا البيت إلى خراب. اذهب من هنا الآن, ودعني أرتّب مطبخي".
طبخت دلسي العشاء أيضاً. وفي تلك الليلة, وقبل حلول الظلام, جاءت نانسي إلى المطبخ.
"كيف عرفت أنه عاد؟" قالت دلسي. "أنتِ لم ترينه".
"جيسس زنجي", قال جيسن.
"أحسّ به", قالت نانسي. "أحسّ به مستلقياً هناك في الخندق".
"الليلة"؟ قالت دلسي. "هل هو هناك الليلة؟"
"دلسي زنجية أيضاً", قال جيسن.
"حاولي أن تأكلي شيئاً", قالت دلسي.
"لا أريد", قالت نانسي.
"أنا لست زنجياً", قال جيسن.
"اشربي بعض القهوة", قالت دلسي. وصبّت فنجاناً من القهوة لنانسي. "هل أنت متأكّدة أنّه هناك الليلة؟ كيف عرفت أنّها هذه الليلة؟"
"أعرف", قالت نانسي. "هو هناك. أعرف ذلك. عاشرته زمناً طويلاً, أعرف ما ينوي فعله كما يعرف هو نفسه".
"اشربي بعض القهوة", قالت دلسي. رفعت نانسي الفنجان إلى فمها ونفخت فيه. برز فمها مثل فم الأفعى الممطوط, مثل فم من المطاط, وكأنها نفخت كل اللون من شفتيها حين نفخت القهوة.
"أنا لست زنجياً", قال جيسن. "هل أنت زنجية يا نانسي؟"
"أنا ابنة الجحيم", قالت نانسي. "وبعد قليل سأكون لا شيء, وسأعود من حيث أتيت".
 
III
راحت نانسي تشرب القهوة. وبينما كانت تشرب, وهي تحمل الفنجان بكلتا يديها, راحت تطلق الصوت مرّة أخرى. أطلقت الصوت في الفنجان واندلقت القهوة على يديها وفستانها. كانت عيناها تنظر إلينا وهي جالسة هناك, مرفقاها على ركبتيها, حاملة فنجان القهوة بكلتا يديها, ناظرةً إلينا عبر الفنجان المبتلّ, وهي تطلق الصوت. "انظروا إلى نانسي", قال جيسن. "نانسي لن تطبخ لنا بعد اليوم, فقد شُفِيَتْ دلسي".
"اسكت", قالت دلسي. كانت نانسي تحمل الفنجان بكلتا يديها, وتنظر إلينا وتطلق الصوت, كأنما كان هناك اثنتان: واحدة تنظر إلينا وأخرى تطلق الصوت.
"لماذا لا تدعي السيد جيسن يُبلغ العمدة؟" قالت دلسي.
عندها توقفت نانسي. كانت تحمل الفنجان بيديها السمراوين الطويلتين. حاولت أن تشرب القهوة مرة أخرى, لكنها اندلقت على يديها وفستانها, فوضعت الفنجان. كان جيسن يراقبها.
"لا أستطيع بلعها", قالت نانسي. "أبلعها, لكنها لا تنزل إلى معدتي".
"اذهبي إلى الكوخ", قالت دلسي. "ستمدّ لك فروني الفراش وسألحق بك بعد قليل".
"لن يستطيع أيّ زنجي أن يوقفه عند حدّه", قالت نانسي.
"أنا لست زنجياً", قال جيسن. "هل أنا زنجي يا دلسي"؟
"لا أظنّ", قالت دلسي, وكانت تنظر إلى نانسي. "لا أظنّ. ما الذي ستفعلينه إذاً؟"
نظرت نانسي إلينا. نظرت عيناها بسرعة, ومن دون أن تتحركا, كأنها كانت تخشى من أنّ الوقت لا يكفي كي تنظر.
نظرت إلينا جميعاً دفعة واحدة وفي الوقت نفسه.
"هل تذكرون تلك الليلة التي نمت فيها في غرفتكم؟" حكت لنا كيف نهضنا باكراً في الصباح التالي, ولعبنا. كان علينا أن نلعب بصمت، على فراشها, إلى أن استيقظ أبي وكان وقت الفطور قد حان. "اذهبوا واطلبوا من أمكم أن تسمح لي بالبقاء هنا هذه الليلة", قالت نانسي. "لا أحتاج إلى فراش, ويمكن أن نلهو أكثر هذه المرّة".
طلبت كادي من أمي, وجيسن ذهب أيضاً. قالت أمي:"لا يمكن أن أسمح للزنوج بأن يناموا في غرف النوم". بكى جيسن. ظلّ يبكي إلى أن قالت أمي إنه لن يحصل على الحلوى طيلة ثلاثة أيام إن لم يتوقف عن البكاء. عندها قال جيسن إنه سيتوقف عن البكاء إذا أعدّت دلسي كعكة بالشوكولا. وكان أبي هناك أيضاً.
"لِمَ لا تفعل شيئاً؟" قالت أمي. "لماذا وُجِدَت الشرطة؟"
"لماذا تخاف نانسي من جيسس؟" قالت كادي. "هل تخافين من أبي يا أمي؟"
"وما الذي ستفعله الشرطة؟" قال أبي. "إن لم تكن نانسي قد رأته, فكيف ستجده الشرطة؟"
"لم هي خائفة, إذاً؟" قالت أمي.
"تقول إنه هنا. تقول إنها تعرف أنه هنا الليلة".
"ونحن ندفع الضريبة في النهاية", قالت أمي. "عليّ أن أبقى وحدي في هذا البيت الكبير بينما توصلون زنجية إلى بيتها".
"سأتوقف عن البكاء إن أعدّت دلسي كعكة بالشوكولا", قال جيسن.
طلبت أمي منا أن نخرج, وقال أبي إنه لا يعلم إنْ كان جيسن سيحصل على كعكة بالشوكولا أم لا . عدنا إلى المطبخ وأخبرنا نانسي.
"يقول لك أبي أن تذهبي إلى البيت وتقفلي الباب, وستكونين بأمان", قالت كادي. "بأمان من ماذا يا نانسي؟ هل جيسس غاضب منك؟" كانت نانسي تحمل فنجان القهوة بكلتا يديها من جديد, ومرفقاها على ركبتيها, ويداها تحملان الفنجان بين ركبتيها. كانت تنظر في الفنجان. "ماذا فعلتِ كي يغضب منك جيسس؟" قالت كادي. سقط الفنجان من يديّ نانسي, ولم ينكسر, لكن القهوة اندلقت, ونانسي جالسة هناك ويداها لا تزالان كما لو أنها تمسك بالفنجان. وبدأت تطلق الصوت من جديد. لم يكن مرتفعاً. لم يكن غناءً, ولم يكن غير ذلك. وكنا نراقبها.
"كفى. تمالكي نفسك", قالت دلسي. "أنا ذاهبة لأحضر فيرش كي يوصلك إلى البيت". وخرجت دلسي.
نظرنا إلى نانسي. كان كتفاها يرتجفان, لكنها توقفت عن إصدار الصوت, كنا نقف ونراقبها. "ما الذي سيفعله بك جيسس؟" قالت كادي. "لقد رحل".
نظرت نانسي إلينا. "تسلّينا كثيراً ليلة بقيت في غرفتكم, أليس كذلك؟"
"أنا لم أتسلّ", قال جيسن. لم أتسلّ أبداً".
"كنتَ نائماً في غرفة أمي", قالت كادي. "لم تكن معنا".
"هيا نذهب إلى بيتي وسنتسلّى أكثر من المرة السابقة", قالت نانسي.
"لن تسمح لنا أمي", قلتُ. "تأخّر الوقت".
"لا تزعجوها", قالت نانسي. "سنخبرها في الصباح. ولن تمانع".
"لن تسمح لنا", قلت.
"لا تطلبوا منها الآن", قالت نانسي. "لا تزعجوها".
"لم تَقُلْ إننا لا نستطيع الذهاب"، قالت كادي.
"لم نسألها", قلت.
"إذا ذهبتم سوف أفسد عليكم", قال جيسن.
"سنتسلّى كثيراً", قالت نانسي. "أمكم لن تمانع, سنذهب إلى بيتي فحسب.
لقد عملت عندكم لفترة طويلة, وهي لن تمانع".
"أنا لا أخاف من الذهاب", قالت كادي. "جيسن هو الذي يخاف, وسوف يفسد علينا".
"لن أفسد"، قال جيسن.
"بل ستفسد", قالت كادي. "ستفسد".
"لن أفسد", قال جيسن . "لست خائفاً".
"جيسن لا يخاف من الذهاب معي", قالت نانسي. "هل تخاف يا جيسن؟"
"جيسن سيفسد علينا", قالت كادي. كان الزقاق معتماً. عبرنا بوابة المرعى.
"إذا ما قفز شيء من خلف تلك البوابة فسوف يرتعب جيسن".
"لن أرتعب", قال جيسن. سرنا في الزقاق. كانت نانسي تتكلم بصوت مرتفع.
"نانسي, لماذا تتكلمين بصوت مرتفع؟" قالت كادي.
"من, أنا؟" قالت نانسي. "اسمعوا من يقول إنني أتكلم بصوت مرتفع, كوينتين وكادي وجيسن".
"تتكلمين كأننا خمسة هنا", قالت كادي. "تتكلمين كأن أبي هنا أيضاً".
"مَنْ. هل أتكلم بصوت مرتفع يا سيد جيسن؟" قالت نانسي.
"نانسي تنادي جيسن بـ"السيد", قالت كادي.
"اسمعوا كيف يتكلم كوينتن وكادي وجيسن", قالت نانسي.
"نحن لا نتكلم بصوت مرتفع", قالت كادي. "أنت من يتكلم مثل أب..."
"هُسْ", قالت نانسي. "هس، سيد جيسن".
"نانسي تنادي جيسن بـ"السيد".
"هس"، قالت نانسي. كانت تتكلّم بصوت مرتفع عندما عبرنا الخندق وانحنينا عند السياج حيث اعتادت أن تنحني وصرّة الثياب على رأسها. ووصلنا إلى بيتها. كنا نسير بسرعة عندئذ. فتحت نانسي الباب. كانت رائحة البيت مثل قنديل ورائحة نانسي مثل فتيل, كأنهما كانتا بانتظار واحدتهما الأخرى كي تفوحا معاً. أشعلت نانسي القنديل, وأغلقت الباب وأقفلته بالرتاج. وعندئذ توقفت عن الكلام بصوت مرتفع ونظرت إلينا.
"ماذا سنفعل؟" قالت كادي.
"ما الذي تريدون أن تفعلوه؟" قالت نانسي.
"قلتِ إننا سنتسلّى", قالت كادي.
كان هناك شيء ما في بيت نانسي؛ شيء يمكنك أن تشمّه إلى جانب نانسي والبيت. حتى جيسن استطاع أن يشمّه: "لا أريد أن ابقى هنا. أريد أن اذهب إلى البيت".
"اذهب, إذاً", قالت كادي.
"لا أريد أن أذهب وحدي", قال جيسن.
"سنتسلّى كثيراً", قالت نانسي.
"كيف؟" قالت كادي.
وقفت نانسي قرب الباب. كانت تنظر إلينا, لكن عيناها كانتا كما لو أنهما فارغتين, وكأنها قد توقفت عن استخدامهما."ماذا تريدون أن نفعل؟"
"احك لنا حكاية", قالت كادي. "هل تعرفين حكاية؟"
"نعم", قالت نانسي.
"احكها لنا", قالت كادي. نظرنا إلى نانسي. "أنت لا تعرفين أيّ حكاية".
"بلى"، قالت نانسي. "بلى، أعرف".
جاءت نانسي وجلست على كرسي أمام الموقد. كانت النار ضعيفة, فغذّتها نانسي إلى أن اشتد لهبها, لأن النار لم تكن قد انطفأت في الموقد تماماً. وحكت لنا نانسي حكاية. حكت بالطريقة التي كانت تنظر بها عيناها, كأنَّ عينيها التي تراقباننا وصوتها الذي يكلمنا لم يكونا لها. حكت كأنها كانت تحيا في مكان آخر, وتنظر في مكان آخر, وتنتظر في مكان آخر. كانت خارج الكوخ. كان صوتها في الداخل أمّا صورتها فكانت في الخارج, صورة نانسي التي تنحني تحت السياج الشائك وصرّة الثياب ثابتة على رأسها مثل بالون لا وزن له. "وهكذا سارت الملكة نحو الخندق حيث كان الرجل الشرير مختبئاً. كانت تسير وتقول, آه لو أستطيع أن أعبر هذا الخندق..."
"أيّ خندق؟" قالت كادي. "هل هو كذلك الذي في الخارج؟ لماذا تعبر ملكةٌ خندقاً؟"
"كي تصل إلى بيتها", قالت نانسي. ونظرت إلينا. "كان عليها أن تعبر الخندق كي تصل إلى بيتها بسرعة وتقفل الباب".
"ولماذا تريد أن تصل إلى بيتها وتقفل الباب؟" قالت كادي.
 
IV
نظرت نانسي إلينا. توقفتْ عن الكلام, ونظرت إلينا. كانت ساقا جيسن بارزتين من سرواله وهو يجلس في حضن نانسي. قال: "هذه الحكاية ليست حلوة. أريد أن أعود إلى البيت".
قالت كادي: "من الأفضل أن نعود إلى البيت", ونهضت واقفة, "لا بدّ أنهم يبحثون عنا الآن". واتجهت صوب الباب.
"لا", قالت نانسي. "لا تفتحيه". ونهضت مسرعة وسبقت كادي إلى الباب, لكنها لم تلمس الباب والرتاج الخشبي.
"لماذا؟" قالت كادي.
"تعالي واجلسي قرب القنديل", قالت نانسي. "سنتسلّى. لا ينبغي أن تذهبوا".
"يجب أن نذهب", قالت كادي. "إلا إذا تسلينا كثيراً". وعادت هي ونانسي وجلستا قرب النار والقنديل.
"أريد أن أعود إلى البيت", قال جيسن. "سوف أفسد عليكم".
"عندي حكاية أخرى", قالت نانسي, ووقفت قرب القنديل, ونظرت إلى كادي كما تنظر عيناك إلى عصا مستقرة فوق أنفك. كان عليها أن تنظر إلى الأسفل كي ترى كادي, لكن عينيها بدتا بتلك الصورة, كما لو أنّ هناك عصا مستقرة فوق أنفها.
"لا أريد أن أسمعها", قال جيسن. "سأخبط بقدميّ على الأرض".
"حكاية حلوة, أحلى من الأولى", قالت نانسي.
"عن ماذا؟" قالت كادي.
كانت نانسي واقفةً قرب القنديل. وكانت يدها على القنديل, قبالة الضوء، طويلة وسمراء.
"يدك على زجاجة القنديل الساخنة", قالت كادي. "ألا تشعرين بالحرارة؟"
نظرت نانسي إلى يدها على زجاجة القنديل. أبعدتها ببطء. كانت واقفةً هناك، تنظر إلى كادي, وقد أحنت يدها الطويلة كأنها كانت مربوطة بخيط إلى معصمها.
"دعونا نفعل شيئاً آخر", قالت كادي.
"أريد أن أعود إلى البيت"، قال جيسن.
"عندي بعض البوشار", قالت نانسي, ونظرت إلى كادي, ثم إلى جيسن, ثمّ إليّ, وبعد ذلك إلى كادي من جديد. "عندي بعض البوشار".
"أنا لا أحبّ البوشار", قال جيسن. "أحبّ الحلوى".
نظرت نانسي إلى جيسن. "يمكنك أن تحمل المشواة". كانت لا تزال تحني يدها الطويلة اللينة السمراء. "حسنٌ", قال جيسن. "سأبقى قليلاً إذا تركتني أحملها. كادي لا تستطيع أن تحملها. إذا حملتها كادي سأذهب إلى البيت".
غذّت نانسي النار. قالت كادي, "انظروا إلى نانسي كيف تضع يدها في النار. ما بك يا نانسي؟" قالت نانسي, "عندي بوشار, قليل من البوشار". أخرجت المشواة من تحت السرير. كانت مفككة وراح جيسن يبكي.
"لن نستطيع أن نشوي البوشار", قال جيسن.
"يجب أن نعود إلى البيت", قالت كادي. "هيا يا كوينتن".
"انتظروا", قالت نانسي. "انتظروا سأركّبها. ألا تساعدونني".
"أنا لا أريد", قالت كادي. "تأخرنا كثيراً".
"ساعدني يا جيسن", قالت نانسي. "ألا تريد أن تساعدني؟"
"لا", قال جيسن. "أريد أن أذهب إلى البيت".
"هُسْ" قالت نانسي. "هُسْ. انظروا إليّ. سأركّبها كي يحملها جيسن ونشوي البوشار". وأحضرت سلكاً وربطت المشواة.
"لم تربطيها جيداً", قالت كادي.
"بلى", قالت نانسي. "انظروا. هيا ساعدوني في شوي البوشار".
كان البوشار تحت السرير أيضاً. وضعناه في المشواة, وساعدت نانسي جيسن في حمل المشواة فوق النار.
"إنها لا تعمل", قال جيسن. "أريد أن أذهب إلى البيت".
"انتظر", قالت نانسي. "بعد قليل سنشوي البوشار وسنتسلى كثيراً".
كانت جالسة قرب النار. وكان القنديل متأججاً يتصاعد منه الدخان. قلت, "لماذا لا تخفضينه قليلاً؟"
"لا بأس به هكذا", قالت نانسي. "سأنظفه. سيخرج البوشار بعد لحظة".
"لا أظن أنه سيخرج", قالت كادي. "علينا نحن أن نخرج إلى البيت. لا بد أنهم قلقون لغيابنا".
"لا", قالت نانسي. "سيخرج البوشار. وستقول لهم دلسي إنكم عندي. لقد عملتُ عندكم لفترة طويلة. لن يقلقوا حين يعرفوا أنكم في بيتي. إنتظروا, سيُفَرقِعُ البوشار بعد قليل".
عندئذ دخل الدخان في عينيّ جيسن وراح يبكي. وأوقع المشواة في النار. أحضرت نانسي خرقة مبللة ومسحت بها وجهه, لكنه لم يتوقف عن البكاء.
"هُسْ, هُسْ", لكنه لم يسكت. أخرجت كادي المشواة من النار.
"لقد احترق", قالت كادي. "يجب أن تجلبي المزيد من البوشار".
"هل وضعت كل البوشار في المشواة؟" قالت نانسي.
"نعم", قالت كادي.
نظرت نانسي إلى كادي, ثم أخذت المشواة وفتحتها وأفرغت الرماد في مريولها وراحت تنتقي البوشار بيديها الطويلتين السمراوين, ونحن نراقبها.
"ألن تجلبي المزيد؟" قالت كادي.
"بلى", قالت نانسي. "بلى. انظروا. هذه لم تحترق. كل ما نحتاجه هو..."
"أريد أن أذهب إلى البيت", قال جيسن. "سوف أفسد عليكم".
"هُسْ", قالت كادي. وأصغينا جميعاً. كان رأس كادي ملتفتاً صوب الباب المغلق, وعيناها ممتلئتين بضوء القنديل الأحمر. "أحدٌ ما قادم", قالت كادي.
في تلك اللحظة بدأت نانسي تصدر ذلك الصوت من جديد, ولم يكن مرتفعاً. كانت جالسة هناك قرب النار, ويداها الطويلتان متدلّيتين بين ركبتيها, وفجأة أخذت الدموع تجري على خديها قطرات كبيرة, تنزل حاملة في كل قطرة كرة مدورة صغيرة من نور الموقد, مثل شمعة أو ومضة, إلى أن تسقط أسفل ذقنها. قلتُ "إنها لا تبكي".
"أنا لا أبكي", قالت نانسي, وعيناها مغمضتان, "أنا لا أبكي. من القادم؟".
"لا أعلم", قالت كادي, واتجهت صوب الباب ونظرت. "يجب أن نعود إلى البيت. ها قد جاء أبي".
"سوف أفسد عليكم", قال جيسن. "أنتم جئتم بي إلى هنا".
كانت الدموع لا تزال تسيل على خديّ نانسي. واستدارت في كرسيها, وقالت, "اسمعوا. قولوا له إننا نتسلّى. قولوا له إنني اعتنيت بكم. اطلبوا منه أن يسمح لي بالذهاب معكم إلى البيت وأن أنام على الأرض. قولوا له إنني لست بحاجة إلى فراش. سنتسلّى جميعاً. أتذكرون كم تسلّينا؟"
"لم أتسلّ", قال جيسن. "آذيتني. وضعتِ الدخان في عيني. سوف أفسد عليكم".
 
 
V
دخل أبي, ونظر إلينا. لم تنهض نانسي.
"قولوا له", قالت نانسي.
"كادي هي التي جاءت بنا إلى هنا", قال جيسن. "أنا لم أكن أريد ذلك".
اقترب أبي من النار. نظرت نانسي إليه. قال: "ألا يمكنك الذهاب إلى العمّة راشيل والبقاء عندها؟" نظرت نانسي إلى أبي, ويداها بين ركبتيها. قال أبي: "إنه ليس هنا, وإلا لكنت رأيته. لا أحد هناك".
"إنه في الخندق", قالت نانسي. "إنه ينتظر هناك".
"كلام فارغ", قال أبي, ونظر إلى نانسي. "هل أنت واثقة أنّه هناك؟"
"هناك إشارة"، قالت نانسي.
"أيّ إشارة؟"
"إشارة. كانت على الطاولة حين دخلت. عظم خنزير لا يزال اللحم الدامي عالقاً به, كان مسنوداً على القنديل. إنّه هنا. وعندما تخرجون من هذا الباب, سوف أضيع".
"أين ستضيعين يا نانسي؟" قالت كادي.
"أنا لست ثرثاراً", قال جيسن.
"كلام فارغ", قال أبي.
"إنه هنا", قالت نانسي. "ينظر من النافذة في هذه اللحظة منتظراً ذهابكم. وعندها سوف أضيع".
"كلام فارغ", قال أبي. "اقفلي بيتك, وسوف نأخذك إلى العمة راشيل".
"لا فائدة من ذلك", قالت نانسي. لم تكن تنظر إلى أبي الآن, لكنه كان ينظر إليها, إلى يديها الطويلتين اللينتين المتحركتين. "لا فائدة من تأجيل ذلك".
"وما الذي ستفعلينه إذاً." قال أبي.
"لا أدري", قالت نانسي. "لا أستطيع أن أفعل شيئاً سوى التأجيل. وذلك لن يفيد. إنه قدري. وأنا أستحق ما سيحصل لي".
"ما الذي سيحصل لك", قال كادي.
"لا شيء", قال أبي. "يجب أن تذهبوا إلى النوم".
"كادي هي التي جاءت بي إلى هنا", قال جيسن.
"اذهبي إلى العمة راشيل", قال أبي.
"لا فائدة من ذلك", قالت نانسي. كانت تجلس أمام النار ومرفقاها على ركبتيها, ويداها الطويلتان بين ركبتيها. "لا فائدة من كلّ ذلك, حتى لو نمت في مطبخكم, وحتى لو نمت على الأرض في غرفة الأطفال, سوف تجدني في الصباح والدّم..."
"هُسْ", قال أبي. "اقفلي الباب وأطفئي الضوء ونامي".
"أخاف من العتمة", قالت نانسي. "أخاف أن يحصل ذلك في العتمة".
"وهل ستبقين جالسةً هنا والقنديل مضاء هكذا؟" قال أبي. عندها أخذت نانسي تطلق الصوت من جديد, وهي تجلس أمام النار, يداها الطويلتان بين ركبتيها.
"آه, اللعنة "ـ قال أبي. "هيا يا أولاد. لقد فات موعد النوم".
"حين تذهبون أضيع", قالت نانسي. كانت تتكلم بهدوء الآن, وبدا وجهها هادئاً مثل يديها. "على أيّ حال, أودعت ثمن كفني عند السيد لَـﭬليدي". كان السيد لَـﭬليدي رجلاً قصيراً وسخاً. يجمع تأمينات الزنوج ويدور على الأكواخ والمطابخ كل صباح سبت ليجمع خمسة عشر سنتاً. كان يعيش مع زوجته في الفندق. وذات صباح انتحرت زوجته. ورحل هو والطفلة التي كانت لديهما. وبعد أسبوع أو اثنين عاد وحده. كنا نراه يعبر الأزقة والشوارع الخلفية صباح كل سبت.
"كلام فارغ", قال أبي. "ستكونين أول شخص أراه في المطبخ صباح الغد".
"سترى ما ستراه", قالت نانسي. "الله وحده يعلم ما الذي سيحصل".
تركناها جالسة أمام النار.
 
VI
"تعالي واقفلي الباب", قال أبي. لكنها لم تتحرك. ولم تنظر إلينا ثانيةً, وهي تجلس هناك بهدوء وصمت بين القنديل والنار. ومن مسافةٍ في الزقاق كان لا يزال بمقدورنا أن ننظر إلى الخلف ونراها من خلال الباب المفتوح.
"ماذا سيحصل، يا أبي؟" قالت كادي.
"لا شيء", قال أبي.
كان جيسن على ظهر أبي, ولذلك كان أطول منا جميعاً. نزلنا في الخندق. نظرتُ فيه بصمت ولم أستطع أن أرى الكثير حيث تشابكت الظلال وضوء القمر.
"إذا كان جيسس مختبئاً هنا, يمكنه أن يرانا إذاً, أليس كذلك؟" قالت كادي.
"جيسس ليس هنا", قال أبي. "لقد رحل منذ مدّة طويلة".
"أنتم جئتم بي إلى هنا", قال جيسن, وبدا عالياً قبالة السماء, وكأن لأبي رأسين, واحد صغير وآخر كبير.
خرجنا من الخندق. كنا لا نزال نستطيع رؤية بيت نانسي وبابه المفتوح. لكننا لم نكن نستطيع رؤية نانسي، جالسة أمام النار والباب مفتوح, لأنها كانت متعبة.
"لقد تعبت", قالت نانسي. "لست سوى زنجية. وهذا ليس ذنبي".
لكننا كنا نسمعها, فبعد خروجنا من الخندق مباشرةً أخذت تطلق ذلك الصوت الذي لم يكن غناءً ولم يكن غير ذلك. قلت لأبي, "من سيغسل لنا بعد الآن، يا أبي؟"
"أنا لست زنجياً", قال جيسن, وهو يبدو عالياً وصغيراً فوق رأس أبي.
"أنت أسوأ من ذلك", قالت كادي. "أنت ثرثار. إذا قفز شيء ستخاف أكثر من زنجي".
"لن أخاف", قال جيسن.
"ستبكي", قالت كادي.
"كادي", قال أبي.
"لا, لن أبكي", قال جيسن.
"خوّاف, جبان", قالت كادي.
"اسكتوا!" قال أبي.
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"