دروب العراب
2024.09.11
محمد صباح الحواصلي
نيرانو- إيطاليا ٩ أيلول ٢٠١٧
وصلنا إلى مكان إقامتنا، فيللا بيرتا، في مدينة نيرانو الجبلية. استرحنا قليلاً، ثم خرجتُ مع ابنتي فرح نبحث عن أقرب بقالية نشتري منها خبزاً ولبناً وزيتوناً وفاكهة. خرجنا من الدارة ونزلنا مدخلها الضيق الحاد الذي تحده من الطرفين النباتات والأزهار البنفسجية. وعندما أصبحنا عند الطريق العام الجبلي، الضيق هو الآخر، والملتوي، دخلنا الطريق النازل يساراً، وقلتُ لفرح:
"علينا أن نسير خلف بعضنا لضيق الطريق."
كنا نواجه السيارات القليلة الصاعدة والتي تسير بسرعة أقل من السيارات النازلة، وكنا نفسح لها المزيد من مساحة طريقنا بل كنا نقف ونلتفت إلى الخلف حتى تعبر. قلت لفرح وكانت تسير أمامي:
"في رأسي تتردد نغمة موسيقية منذ أن أتينا إلى مدن الجنوب الإيطالي الجبلية التي تفضي إلى الساحل.."
"وما هي النغمة؟"
"موسيقى فيلم العراب."
كنت أرقب خطوي وخطوات ابنتي فرح. الخطو النازل طريقاً جبلياً يكون سريعاً لكنه ثقيل لأنه من مهامه أن يمسكَ بالجسد كله، وكنت أشعر كأنني رأيت سيرنا الجبلي من قبل.. منذ زمن بعيد.. رأيته في فيلم (العراب) الذي شاهدته للمرة الأولى في لندن سنة ١٩٧٢. رأيت تلك الخطوات، في الفيلم، في قرى إيطالية وفي صقيليا.
مرّ من قربنا رجل كهل، متين البدن، شعره كثيف نصف شائب، وعلى رقبته وشم، ويرتدي قميصاً أصفر وبنطالاً قصيراً. سألته فرح بانجليزية واضحة عن أقرب بقالية. أجاب الكهل بالإيطالية وفهمنا من إشارته أن البقالية على مبعدة ٢٠٠ متراً، وقلنا له:
"غراتسيا..."
وتابعنا نزولنا الطريق الحاد، وقالت فرح:
"إنه نموذج لرجل المافيا.."
قلت لها:
"ربما.. لكنه طيب.."
"هم طيبون لكنهم من المافيا."
قلت لها:
"لم تعد كلمة المافيا تحمل الدلالة القديمة نفسها. أصبح الآن كل نشاط ملتوي أو إجرامي يسمونه مافيا، وفي كل مكان في العالم: المافيا الإيطالية، المافيا الأمريكية، المافيا الروسية، إلى آخره."
قالت:
"والمافيا العربية؟"
قلت:
"لا.. الغرب فصّل لنا كلمة الإرهاب وألبسنا إياها.. وإن كان هناك أي نشاط إجرامي عربي في أي بقعة من الأرض لا يطلقون عليه مافيا أو جريمة، بل يطلقون عليه إرهاباً."
تابعنا نزولنا وحذَرَنَا من بغتات الطريق، وكانت موسيقى فيلم (العراب) تتردد في جمجمتي فيما نحن ننزل تلك الدروب المرتفعة الهابطة إلى الساحل.