الطريقُ طويلٌ
2024.08.30
محمد صباح الحواصلي
الطريق طويل وماطر، والسماء تظلم، وطرش الماء الذي تحدثه عجلات السيارات المسرعة في أوتوستراد ٤٠٥ يربك الرؤية، والمكان لا يزال بعيداً، هناك، في شمال مدينة سياتل، حيث تغيم معالم الطرقات، وتحرض الذاكرة نفسها في تذكر المكان.
لم نفقد الأمل أنا وفريال - فريال بالذات لا تفقد الأمل أبداً - وصار أن تغلبنا على الطرقات الماطرة، المظلمة، والتقينا بالصديق المهندس صفوان شيخو عند وكالة سيارات مرسيدس، وانتهى بنا السفر إلى دفء بيته بحضور أسرته وأمه وأبيه الصديق وليد شيخو، وكان في انتظارنا مائدة شهية، وأكواب الشاي.. وكشفَتْ الإبتسامات القلقة عن حزن يتربع بين كلماتنا مستمعاً ومذكراً بين الفينة والأخرى.. وكانت الشام هي صاحبة الدعوة، وقد أخذ الحديث عنها شوقاً آخر ، غير كل الأشواق التي أعتملتْ في نفوسنا عبر غربتنا الطويلة. تساءلنا كثيراً: "نحن إلى أين؟"، وقصدنا التاريخ القريب والبعيد في زيارات خاطفة مستنجدين، وخرجنا منه بزوادة من الخيبة، فعدنا إلى نفوسنا عفو الخاطر وأخرجنا من أعماقنا كلاماً غير منمق، مشفوعاً بالقلق والإستفهام وكثير من الإستنكار، ورجاءات وآمال.. ونسينا أنفسنا في حارات دمشقية بعينها، ومرة أمام مبنى البرلمان، ومرات في بيوتات شامية ومجالسها وأنسها. في ذلك الوقت المسائي الودود، عرفت للمرة الأولى الأستاذ وليد شيخو بكاءً.. كانت دموعه تصاحب الأحداث المؤلمة والذكريات البعيدة والقريبة.. وكان عندما يشعل سيجارته تطل ابتسامته من وراء إنشغالات النفس وأحزانها إلى دعابته المحببة وهو يقول لي:
"بدي رجعك على السيجارة يا صباح.." وكنتُ أبتسم وأربت على ركبته.
ولكن سرعان ما أردف قائلاً:
"إنني أداعبك.. من غير المعقول أن أحرق صاحبي، كما حرق القتلة البلد.."