كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

البابا الشاعر

جمانة طه

ولد البابا يوحنا بولس الثاني في جنوب بولندا عام 1920 وتوفي في الفاتيكان عام 2005، وكان شاعرًا وكاتبًا وفيلسوفًا وناشطًا حقوقيًا. تكلم العديد من اللغات، اللاتينية والبولونية والإيطالية والإسبانية والفرنسية والألمانية والإنكليزية، وغيرها. عكف قداسته على كتابة تأملاته عن الحياة والكنيسة وما يجري حوله وفيها، وقبل وفاته سلم الأوراق إلى سكرتيره الشخصي وأوصاه بإحراقها. لكن الأسقف ستانيسلو لم يستجب لوصيته، بل نشرها تحت عنوان "مذكرات شخصية"، وقال في مقدمة المذكرات إنه لم يحرقها لأن بها مفتاحًا لفهم الحياة الروحية الخاصة بالبابا الراحل. من هذه التأملات، قوله: "تضحية خالصة مقدسة خالية من الدنس"، لهذا طلب الرب من قساوسته أن يكونوا على قلب رجل واحد، وطالبهم بطهارة القساوسة. يا سيدي المسيح أعني".
****
إذا كان تاريخ الإنسان يبحث فقط في جسد الأشياء، وإذا كانت الأشياء لا تموت موتًا شخصيًا، فإن الكثير من الأشياء تموت في الأشياء. فالأشياء كما يراها البابا يوحنا بولس الثاني لا تملك القوة للحفاظ على ما هو إنسان، ولكن الإنسان قادر على ذلك فيما إذا حافظ على إنسانيته التي خصه الله بها. في ديوانه قصيدة بعنوان "مخاطبة تبدأ مع الإنسان" يقول: الحياة تنبض.. والدماء تنز بداخلها.. عد إلى أي مكان رقد فيه إنسان ما.. ثم عد إلى المكان الذي ولد فيه الماضي.. هو وقت الولادة.. لا وقت الموت". ترتكز أفكار الديوان على ثلاثة محاور: الإنسان والحياة والعمل. فالشاعر حين كان شابًا وقبل أن يصبح رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم عمل في مقلع للحجارة ولهذا ليس غريبًا أن تؤرقه أحوال العمال وظروفهم القاسية، وأن يشغله الفساد الذي يغمر العالم ويغرقه في لجة المادية ويخرب نفوس البشر ويجردهم من إنسانيتهم. ولأن في الشعر انتصارًا للحياة وملاذًا للنفس المتصدعة، يدعونا البابا يوحنا في قصيدة "مقلع الحجارة" لنتعرف إلى المادة الصلبة عن طريق الإصغاء إلى وقع المطرقة وصوت التيار الكهربائي الذي يشق الصخر، فيقول: "اصغِ.. مجرد القرع بالمطارق يشبههم كثيرًا. استمع الآن. التيار الكهربائي.. يخترق أحشاء نهر من الصخر وهنا تكمن عظمة العمل في الإنسان. انظر.. كيف يقتات الحب على هذه الأرض الصلبة وكيف ينساب إلى أنفاس الناس كما النهر حين تحنيه الرياح فلا يسمع له صوت بل يمضي في كسر الأوتار ذي النغمات المرتفعة". وعن العامل يقول: "قاسية يده ومتصدعة مشحونة بالمطرقة.. العضلات ترسم أسلوبها الخاص.. والأفكار تنبئ عن أفعالها.. جبهته معقودة بالتجاعيد.. الأكتاف مقنطرة وكذلك العروق.. إنه ليس مجرد شكل بل هو إنسان يقف ما بين الله والحجر".
حرص البابا على أن تكون حياة البسطاء ونوعية الأعمال التي يمارسونها هي الغاية التي سعى إلى الإضاءة عليها في أشعاره، وتشكيلها قصائد تشع بصدق اليقين وتحيا بحلم الوصول إلى عيش أفضل. يروي في قصيدة "عامل في مصنع الأسلحة" قصة عامل يعاني من صراع يدور في أعماقه بين الالتزام بعمله وتنفيذ أوامر صاحب المصنع، ومشاعره الإنسانية التي تدعوه إلى التوقف عن إنتاج السلاح المدمر للبشرية. ولكن أنّى لهذا العامل البسيط أن يتوقف، وهو لا يملك قوة ولا مالًا؟ فيقول: "لا أقوى على التأثير بمصير العالم.. أأنا البادئ بالحروب؟ أنّى لي أن أعرف إن كنتُ مع أو ضد.! لا لست أنا الجاني.. يساورني القلق أني لا أستطيع التأثير.. لست أنا من يقترف الآثام.. إني فقط أدير مواقع البراغي ثم أنجز لحام أجزاء آلات التدمير.. إن ما أصنعه هو خطأ لكن ليست كل شرور العالم من فعلي.. أيكون هذا الاعتراف كافيًا لتبرئتي؟ وفي قصيدة "في ذكرى عامل زميل"، يقول: "لم يكن وحيدًا.. عضلاته نبتت في لحم الجماهير تغذي نبضهم بالطاقة.. مادام يقبض على المطارق.. مادامت قدماه تلامس الأرض.. ما دامت الحجارة تهشم وجهه وتخترق صميم كبده". ومن قصيدة "يوحنا يتضرع إليها"، نقرأ: "لا تخفضي موجة قلبي يا أماه.. فهي تعلو أمام ناظريك.. لا تغيري مجرى المحبة.. دعي الموجة تدانيني عبر يديك الحنونتين". ولأن البابا يرى الحياة بنور الله يجد في الشعر وسيلة ليُظهر بها الظلم، الذي يحيق بالإنسان. وإذا كان الفكر ينظر ويحلل، فإن الشعر هو الروح الذي يصل إلى قلب الحياة ويعانق أسرارها. يقول قداسته، في قصيدة "الزنجي": "يا أخي العزيز.. أحس وكأنك أرض شاسعة أنهارها نضبت.. والشمس تحرق الأبدان.. مثلما تصهر النار خام المعادن. أشعر أن فكرك هو فكري.. فسيان عندي إن هم أمالوا كفة الميزان.. ففي كفتيه تكمن الحقيقة ويكمن الضلال".
تتبدى رهافة الإحساس عند البابا الشاعر في براعته على التقاط أدق التفاصيل من الحياة، وتجسيدها في مواقف شعرية. ويتجلى اهتمامه بالإنسان بحضوره في أشعار الديوان كلها سواء أكان الموضوع عن الطبيعة أَمْ عن المرأة التي يعدها قداسته أُمّ جميع المخلوقات البشرية، أَمْ عن الطفل والمفكر أو الفتاة التي خذلها الحب، أو عن الرجل الأعمى الذي خذلته عيناه مثلما خذلت الرجل الزنجي بشرته. وها هو في إحدى قصائده يعيدنا أطفالًا نتدحرج على رمل الشط، وتتشابك أيدينا شجرة في ضوء القمر: "ينمون من غير وعي، عبر الحب.. فجأة ينمون.. يدًا بيد يتجولون بين الجموع. تسقط قلوبهم كما العصافير في الشِراك. نبض الحياة يضرب في قلوبهم، على الشط.. بمحاذاة النهر، تتشابك أيديهم شجرة في ضوء القمر".
أطلق البطريرك يوحنا بولس الثاني الشاعر الإنسان أشعاره واضحة كفكره، صادقة كقلبه وصلبة كالحجارة التي عايشها. ترى هل كان قداسته شاعرًا قبل أن يكون رجل دين؟ أم أنه شاعر لأنه رجل دين؟ وإذا كانت السماء فضاء متسعًا ممتدًا ومستمرًا، فإن أشعار قداسته فضاء إنساني لا حدود له تزينها لغة التصوف ويوشيها إيمان راسخ بالحب والإنسان. أو ليس الماء من لون الإناء؟
*البابا الشاعر/ ديوان شعر، ترجمة نويل عبد الأحد وجورج مصلح، عمان 1981  
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته