من التقديم لكتاب "المرأة العربية في منظور الدين والواقع: دراسة مقارنة"
2024.07.08
جمانة طه
منذ سنوات، كان يخيل إليّ أن جيليّ الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي هما جيلا الزمن الصعب، لأنَّهما عاشا مخاض العصرنة والتحديث في مجتمع بني أساسًا على الأعراف التقليدية والمورثات الاجتماعية. لكنَّ الواقع يؤكد على أنَّ الأجيال التي تلت، ليست في وضع أفضل.
فالناس في المجتمع العربي بأجيالهم السابقة واللاحقة، يعانون كبتًا وجمودًا ويعيشون حصارًا فكريًا واجتماعيًا ودينيًا. وقد يعود مجمل هذه المعاناة، إلى مشهد اجتماعي اقتصادي ثقافي ديني معقد بأهدافه ومتخلف بأدواته، فرض على المجتمع العربي ازدواجية بين الفكر والممارسة في كل المسارات الحياتية اليومية وحتى المصيرية. فبات العرب ضائعين، بين أصالة وتراث. بين أفكار وتطلعات حملتها إليهم رياح الغرب ونسائمه، وبين محاولات إضفاء الشرعية الدينية على التقاليد والقيم ومواقف الرجال من المرأة. وبين دعوات التحرر التي تقتحمهم، وتثير العواصف حولهم وفي دواخلهم. فلهذا ما استطاعوا أن يحافظوا على أصالتهم نقية، وما استطاعوا أن يخلِّفوا تراثهم وراءهم، وما استطاعوا أن يوازنوا بين التراث وبين القيم الوافدة. فظهرت الفردية في المجتمع حين صار كل فرد يتعامل على المستوى الواقعي بأسلوبه الخاص، وعلى المستوى الفكري يأخذ بالنظريات التي ترد إليه من الخارج. فالازدواجية في المواقف تنبع من ازدواجية الثقافة، ومن ازدواجية الأحوال الاجتماعية في مظهرها الغربي من حيث استخدام الوسائل الغربية في تسيير أمور الناس الحياتية، وفي أفكارهم الجمعية ومعتقدهم التراثي.
فمن خلال التناقضات التي تتجلى في نماذج ثلاثة: التراثي والغربي والتوفيقي، تبرز لنا قضية المرأة والمواقف المتباينة تجاهها. فالمرأة محترمة ومحتقرة، في آن معًا. الأم وهي امرأة، محترمة إلى درجة التقديس. والأخت من حيث الشكل هي عنوان الشرف والاعتزاز، وعلى المستوى الاجتماعي هي على غير ذلك. والمرأة-الزوجة، محبوبة حينًا، ومقهورة في معظم الأحيان. ومع كل مشاعر الاحترام للأم والرأفة بالأخت والمحبة للزوجة، لم تمنع الرجال من استباحتهن بشتائم تتمحور على أمكنة الشرف التي تراق الدماء من أجلها.
واللافت أن الرجال في عمومهم، يدللون المرأة بالكلمات المعسولة وبالصفات الجميلة، مثل "النصف الحلو، وزيرة الداخلية، وسواها من ألفاظ ونعوت. ويشيدون بدورها تبجحًا، وأنها شريك في المجتمع الذي لا ينهض إلّا بالرجل وبالمرأة. لكنهم في الوقت ذاته يعاملونها على أنها الأدنى مرتبة، ويكيدون لها في العمل لإبعادها وكأن عملها يشكل خطرًا عليهم. فهم لا يرغبون بوجود امرأة تتحدى بالعمل سطوة التقاليد، وتحقق لنفسها كيانًا اقتصاديًا مستقلًا.
إنما هذا لا يعني أن الرجل وحده هو المسؤول عن الوضعية المتدنية للمرأة في المجتمع، فالمرأة أيضًا شريكة بصنعه. وذلك حين ارتضت لنفسها نمطية محدودة، تلخصت بإنجاب الأولاد وبإرضاء رغبات زوجها الجنسية. واستمرأت وضعية المرأة المنكسرة التي ترى حريتها في التمسك بالأعراف، والتقاليد الاجتماعية. هذا إلى جانب أنها تنمي في أولادها البنين نزعة الذكورية، وتربي بناتها على أنهن مختلفات عن إخوانهن وأدنى درجة منهم. مما يجعل الذكر يكبر، وفي يقينه أنه أقوى وأفضل من أخته. وتكبر البنت، وفي يقينها أنها ضعيفة وأقل مكانة من أخيها. وتعود هذه الصورة السلبية للمرأة في المجتمع العربي، إلى كونها قصّرتْ عن اللحاق بالرجل في ممارسة النشاطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
لكن ذلك لم يغيّب صورتها في الأسرة، ولم يقلل من دورها المهم في تربية أولادها وتوجيههم وإدارة شؤونهم. فالتغيير في وضعيتها تقع مسؤوليته على عاتقها أولًا وقبل غيرها، ومن أسلوب تربيتها لأبنائها ذكورًا وإناثًا.
وإذا سلَّمنا بأنَّ النسق الاجتماعي ثابت في بعض أجزائه ومظاهره المختلفة ومتغير في بعضها الآخر، فعلينا أن ندرك أهمية تطوير مفاهيم الموروثات الثقافية والاجتماعية وتفعيل دورها، بما ينسجم ويتوافق مع آمال المجتمع الراهن وطموحاته. وتجدر الملاحظة إلى أن التغيير الاجتماعي يختلف في فاعليته ومداه وتأثيره من مجتمع إلى مجتمع آخر، فما كان معمولًا به في الماضي في بعض المواقف، قد يكون مرفوضًا في الحاضر وفي المواقف ذاتها. وما كان محبوبًا في السابق، قد يكون مكروهًا ومرفوضًا الآن.
إنَّ التغيير الاجتماعي والتناقض الذي يحكم صلتنا بالدين، حفزاني على البحث عن حقيقة ضائعة بين تشريع وعرف وتأويل وتفسير وتطبيق، والتعرف بموضوعية وحرية ووعي على موضوعة المرأة في الأديان الثلاثة، وطرح أسئلة طرح بعضها أو ما يشابهها مفكرون شغلتهم قضايا المرأة وطبيعة وجودها في الدين والتراث الشعبي والمجتمع القديم والمعاصر.
يرمي هذا البحث، إن استطاع، إلى تصحيح لَبْسٍ رافقنا من المهد بحكم التنشئة، واستقر في عقولنا بتأثير من العرف والعادة. وارتبط تحديدًا بالدين الإسلامي بفعل التأويل والتفسير لبعض آيات من القرآن تحت وطأة التخلف لغياب العقل العلمي ولإقفال باب الاجتهاد، متناسين أن كل ما لا ينمو يضمحل وكل ما لا يتقدم يتأخر.
ولا أبالغ إن قلت إن الوجه الحقيقي لموضوعة المرأة في الشريعة الإسلامية ما يزال مجهولًا لمعظم العامة، على الرغم من عشرات بل من مئات الكتب التي كتبت حولها، وآلاف اللقاءات الإعلامية التي استضافت وتستضيف العلماء والمفكرين ورجال الدين. فالإشكالات ما تزال قائمة حول بعض المسائل، كالحجاب والقوامة والزواج وتعدد الزوجات والشهادة ونشوز الزوجة. ربما لأنَّ المجتمع يزخر برجال مسلمين يمارسون حياتهم وسلطاتهم الاجتماعية، بعيدًا عن الدين وتعاليمه. فيزوجون بناتهم وهنَّ تحت سن البلوغ، من غير استشارتهن أو موافقتهن، أو يخترقون شرط العدل في الزواج الثاني ضاربين عرض الحائط بتوجيهات المشرع:فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة النساء :3/4 أو يعضلون بناتهن من الزواج، أو يمتنعون عن تحرير زوجاتهن من علاقة فاشلة، متناسين الآية:فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
البقرة:2/229. أو ربما لأنَّ المشهد الديني قلق ومنقسم، ويشكو من ترهل في بعض شخوصه.
لن نغفل كتابات المستشرقين ودراساتهم حول الشرق العربي المسلم ودورها في نشر صورة "الحريم"، أو المرأة المحظية. ولا دور الذين نادوا بالمساواة بين الرجل والمرأة وأدخلوهما في عراك وخصام، بدلًا من التركيز على التكامل بينهما. فالمجتمع لا ينمو ولا يتطور، إلّا بتنمية الاختلاف والتمايز بين أفراده. وإذا كنَّا نعيش في عالم شاعت فيه الأحقاد وطغى عليه التفرد في الرؤية والقرار، فعلينا أن نفيد من الآفاق التي تبسطها أمامنا الأديان لنتمكن من فتح حوار حر واع، نصل به إلى عقل الإنسان وفكره وروحه.
فاحترامنا للدين يجب ألّا يمنعنا من إعادة النظر في أحكام الفقهاء، لأنها ليست أحكامًا منزهة عن الخطأ. ومن السعي إلى تطوير الخطاب الديني، رغبة بالتوصل إلى لغة رشيدة مفيدة. كما أن التفاسير لآيات القرآن التي تركها لنا المفسرون الأقدمون، على أهميتها، ليست تفاسير قاطعة. بل تبقى في حدود ملكات المفسر، وتأثره بالاتجاهات الثقافية والاجتماعية السائدة في عصره.
إن اختياري موضوعة المرأة العربية ودراستها في منظور الدين والواقع، وتقديم قراءة جديدة أو تفسير بالرأي لبعض النصوص، يهدف إلى توضيح مكانة المرأة العربية في الديانات السماوية وليس التجرؤ على أسفارها وآياتها.
ويبقى أن أقول: إن التوصل إلى الحقيقة يتم بالحوار الهادئ والموضوعي، وإن اشتد الاختلاف بين المتحاورين. فالحقيقة، كما يراها بعض فلاسفة المسلمين، هي دائمًا واحدة يمكن التسامي إليها عن طريقين اثنين: أحدهما عقلي والآخر ديني، فلهذا لا تعارض مادام هناك اتفاق في الغاية النبيلة.