د. نوفل نيّوف: الإبرة أيضاً تبحث عن صديق
الفستان المعلق في زاوية من الخزانة وحيدٌ. لا يتكلم طويلاً في الصباح. ربما لا لأن الدموع تخنقه. لا لأنه منهَك من الجوع شوقاً إليك. أفكِّر ساهماً. تقلِّبني الغيومُ الثقيلة بعيداً فوق الأشجار. لا أهتدي إلى شيء. أعود أتلمَّس الباقي من عود كبريت أُشعِله من سيجارتي. أُلقي فحمَه على الصدر. أظل جالساً إلى طاولة ترفرف وتستغيث. عليها وتحتها خيالاتٌ. ديَكة وشياطين تتناحر بالحِراب. ليس للفستان جسد دافئ ينطِقُ ما مختبئٌ فيه. بقايا كلمات تتردد كل فجرٍ في فراغ صدره المشقوقِ. بنترة ذراعٍ قوية تُفرِغه الخيانة من بريق الصحون. تتردد الكلمات حشرجةً تستمر قليلاً. قد لا ينطفئ الصوت. الشرفة. جذور الرعشات المطمورة في الشراين. طقم أسنان الأم الماضية حتى الآن. الحَومة المنهَكة بالغيوم. تغطّس الأصابعُ المطلّة شفراتِها تحت كل غرسة تترك في السكين عذاب العظام.
وقبل أن تعود بي قراءتك من الحبس... أعرف سلفاً أن لا فائدة من منطق أو عقل. عليّ أن أقول إني قد لا أفكر بشيء. التفكير مسؤولية ليست من حقي. عليّ مسؤوليات كثيرة. إحداها، بل على رأسها، أن عليّ ألا أفكر. ها هم يدينوني (لا يحاكمونني) على ما لا أفعل ولا أقول. أغلِّف ما يجول في سرّي بصفحة صقيلة من غبش الاختناق. قشور الجوز الخضراء بين يديك يفوح منها النبع. فستانك يدخِّن سيجارتي باجترار ولامبالاة. غير آبه بالصباح الذي أنا مشرف على غروبه ما إن أفتح على الجنينة عينيّ.
***
الشمس طالعة تدفِّئ الثلج. تذوب دموعه شفقة علينا، نحن المشتتين...
يرحل الأحباب. خبزُنا اليوميّ ينقُص كلّ ساعة.
يتركون لنا حصتهم ممّا نفتقده من ملحٍ وكهرباء. من طمأنينة وأملٍ بسكَّرٍ مغشوش...
متحسِّراً أحلم بأن أرى امرأة بحاجبين طبيعيين.
لا يرتوي عطشُ ماء لا تترقرق صورتكِ فيه.
"... ذهَبَ الزمانُ وأنتَ منفرِدُ".
الإبرة أيضاً تبحث عن صديق.