في مقهى الإتوال
2024.06.07
محمد صباح الحواصلي
كنت جالساً في مقهى "الأتوال" بساحة النجمة بدمشق مع زميلي في الجامعة (الراحل) نصري عقيل، المصور في جريدة الثورة، نتحدث عن الأدب والجامعة والكتب والمعاناة، واللامعنى واللاأدرية واللامنتمي والبنات، والنادل إلياس يقدم لنا الكبتشينو، وعندما دخل الناقد يوسف اليوسف وجلس إلى طاولة قبالتنا قمنا وجلسنا معه، وجعل يحدثنا عن الشعر، وأليوت الذي ترجم له (الأرض اليباب) وكنا نستمع إليه باهتمام.. ثم بدأتْ الحلقة تكبر فصرنا ثلاثة، ثم أربعة.. وكان مذاق قهوة الكبتشينو من النوع الذي ترسخه الذاكرة مع شخوص الذكرى على نحو يتعذر محوه.

ثم دخل بعض الأصدقاء وهم يحملون الكتب في أيديهم، رأيتهم من النافذة المشرفة على الرصيف يدخلون والسجائر مشرعة في أفواههم مثل ألبير كامو. وكان في المقهى كتَّاب وصحفيو (الثورة) و(البعث) و(الطليعة)، (ولم تكن صحيفة تشرين قد تأسست بعد، ولا حرب تشرين قد اندلعت)، ضحك نصري عقيل من دون سبب، وقال:
"سآتي لعندك لأستعير كتباً من مكتبتك."
"مثل ماذا؟"
"لا على التعين: ديستوفسكي، (الغثيان) لسارتر، (الجحيم) لهنري باربوس، (زوربا) لكازنتزاكي، (النقد الذاتي بعد الهزيمة) لصادق العظم، المهم أن أقرأ."
وتابع نصري ضحكه العبثي قائلاً:
"ولا تتوقع مني أن أعيد إليك الكتب التي سأستعيرها." وانفجر ضاحكاً ساخراً من نفسه ومني ومن العالم.
"لماذا؟"
"لأنني لا أدري إن كنت سأقراؤها.."
وعاد يضحك بعبث وقال لي وهو يرتشف من قهوته ويخرج دخان سيجارته كثيفاً من أنفه وفمه:
"لماذا لا تندهش من صراحتي؟"
"وما الفائدة إذا اندهشت؟"
وكان نصري ينظر نحو مدخل المقهى وأومأ برأسه قائلاً:
"جاء صاحبك كنعان فهد."
"كنعان ليس صاحبي.. أعرفه فقط."
هو علامة بارزة في ذاكرتي. فهو أول من نشر لي مقالا في جريدة الثورة سنة ١٩٧٠. اعطيته المقال (همسة في أذن الجو الأدبي) ونشرها في الصفحة الثقافية بجريدة الثورة.
قمتُ وسرت لا على التعين، سلمت على كنعان فهد، وخرجت، أشعلت سيجارتي ووقفت عند مدخل الإيتوال مع الشاعر حسين حمزة وغيره من الواقفين، وكان في وقوفنا متعة التسكع عند ساعة المغيب، وسرنا لا على التعين، مشينا ببطء طويلا في شوارع دمشق، والطقس ليل، والوقت على شيء من البرودة، ورأينا أنفسنا في غرفتي في شارع بغداد، وقد اشترينا مزيداً من السجائر، وفي غرفتي احتسينا أكوابَ الشاي، والقهوة التركية، والمتّة، وحرقنا في صدورنا الكثير من السجائر والأحاديث، واستمعت لحسين حمزة بصوته الأجش عن خيباته، وكان نصري عقيل واقفاً أمام مكتبتي يخرج منها بشغف كتباً ويضعها على الطاوله، وكنت أنظر إليه بغبطة ولسان حالي يقول: وما يضيرني ألا تعود الكتب.
وعندما تقدم الوقت من منتصف الليل، خرجا وكأنهما لم يأتيا، تأبط حسين حمزة حديثه عن خيباته صامتاً، وحمل نصري عقيل كيساً فيه كتبي المستعارة التي برّ بوعده ولم يعدها!
واشنطن ٨ شباط ٢٠١٩