تحيّة لروح الدّكتور عمر الدّقاق
2024.05.18
أحمـد عزيـز الحسيـن
كان الدكتور عمر الدقاق (1927-2020) ملء السمع والبصر في سبعينيات القرن الماضي؛ إذ استطاع الجمعَ بين الحضور الأكاديميّ المتميز، والنشاط الثّقافيّ العام، من خلال توليه رئاسةَ فرع اتحاد الكتاب العرب في حلب، وعمادةَ كلية الآداب فيها، وقد استطاع تحويلَ مدرجات الكلية وقاعاتها إلى خلية نحلٍ مفعمةٍ بالنشاط والحيوية، وكانت المحاضراتُ والأماسي المتنوعةُ التي تُقامُ فيهما تشهدً إقبالا منقطعَ النظير من الطلبة والجمهور على حدٍّ سواء، ويشترك فيها أساتذةُ الكلية مع أدباء حلب ونقادها، وكبار الأدباء السوريين والعرب، كعمر أبي ريشة، والشّاعر القروي، ونزار قباني، وشفيق جبري، ومحمود درويش، ووجيه البارودي؛ ووليد إخلاصي، ومحمود علي السعيد، وغيرهم؛ ولذلك كنتُ أشعر برهبةٍ عندما أمرُّ أمام مكتبه في الكلية؛ إذ أراه دائماً غارقاً في القراءة، أو مقبلا على الكتابة، أو منشغلا بالحوار مع أحد الأساتذة، وكان يبادرُ إلى الخروج بسرعة عقب انتهاء محاضراته كي يقوم بالأعباء الإدارية الكثيرة الملقاة على كاهله، ولعل هذا هو ما جعلني أتخفف من الذهاب إلى مكتبه، وأشعر بالحرج إذا قصدته إلا لضرورةٍ قصوى، وكنتُ أعرّج بدلا من ذلك على مكتب أستاذي الراحل الدكتور فؤاد المرعي؛ أو مكتب العلامة الراحل محمد حموية؛ أو مكتب الأستاذ الباحث محمود فاخوري؛ حيث كنتُ أحظى بنعمة الحوار معهم، وأنعم بفنجان قهوة مع حديث شائق، وحوار عميق وجذاب.
ومع أن الدكتور الدقاق تخصص في الأدب الحديث، ونال درجة الدكتوراه عن أطروحته (العصبة الأندلسية في المهجر)، إلا أنه لم يقتصر على التعمّق في هذا الأدب، والكتابة عن قضاياه المختلفة، بل أقبل على التراث العربيّ إقبالَ الراغب في نبش كنوزه؛ والتعرف إلى درره؛ فقرأ متونه المهمّة، وغاص في موسوعاته ومعاجمه، وأخرج لنا مجموعةً من الكتب التعليميّة المهمة منها: مصادرً التراث العربي، وفنونُ النثر العباسي، وملامحُ الشعر الأندلسي، وقد لاتنبثق أهميةُ هذه الكتب من طبيعة المنهج العلميّ الذي اتكأ عليه الدكتور الدقاق في التعامل مع المدوّنة التراثية؛ إذ حرص على أن يُقدِّم نظرةً أفقية لهذا التراث لتحفيز طلابه على قراءته، والاطلاع على خباباه من دون أن يكون في هذه القراءة جديدٌ على صعيد تأويله، أو النظر إلى متونه نظرةً معاصرةً تتصادى مع قراءاتٍ أخرى قدمها باحثون آخرون لهذا التراث كعبد الكريم اليافي، وأدونيس، وطيب تيزيني، ويوسف اليوسف، وغيرهم.
وقد أولى الدكتور الدقاق قضايا اللغة العربية جزءاً من اهتمامه؛ فبحث قضاياها، وعني بتيسيرها، والذود عن حياضها، وهو ما جعله يحظى بعضوية مجمع اللغة العربية في دمشق، فضلا عن رئاسته لتحرير حولية جمعية العاديات في حلب، وقد كرمته جهاتٌ رسميةٌ وحكوميةٌ كثيرةٌ، وحظي بتقدير عالميّ؛ إذ عدته جامعة كامبردج أحد الكتاب النابهين على مستوى العالم.
رحل الدكتور الدقاق عن دنيانا في عام 2020 بعد أن عمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات العربية والعالمية، وحظي بسمعةٍ علمية طيبة، وترك مجموعة من المصنفات المهمة في قضايا الأدب الحديث والقديم، ومسائل التراث، ولاشك في أن كثيراً مما أنجزه لايزال حيّاً بيننا من خلال صداه وتأثيره في عقول طلابه ومحبيه، والمأمول أن يحظى نتاجه بالقراءة المتفحصة لوضع اليد على المهمّ منه بغية موضعته في حياتنا الوجدانية والعقلية.