أدونيـس ومفهوم الهُوِيّة
2024.05.09
أحمد الحسين
لا تأتي الهوية من «الداخل» وحده، ولا من «الخارج» وحده: إنها في هذا التفاعل المتحرك أبداً؛ لهذا يمكن القول: إن الهوية ليست في ما يثبت بل في ما يتغيّر. أو يمكن القول، بتعبير آخر: الهوية معنى لا صورة له –أو هي، بشكلٍ أدق: معنى في صورة متحركة دائماً؛ فالهوية «لا تتطابق مع أية تجربة محسوسة»، كما يعبّر ليفي شتراوس. إنها تتجلّى في «الاتجاه نحو»، لا في «العودة إلى». إنها في التفتح، لا في التقوقع، في التفاعل لا في العزلة، في الإبداع لا في الاجترار.
(المحيط الأسود، ط: دار الساقي، لندن، ٢٠١٤، ص: ١٧).
2
في الشعر، في الإبداع الفني، بعامة، تتجلى مسألة الهوية في إشكاليتها الأكثر سطوعاً. فالهوية، في اللغة الشعرية، هي موضع تساؤل دائم. لا يكون الإنسان نفسه، في تجربة الإبداع الفني، إلّا بقدر ما يخرج مما هو عليه؛ فهويته جدلٌ بين ما هو وما يكون: هي في هذه الحركية الدائمة – في اتجاه أفق آخر، وضوء آخر.
والهوية في هذا المنظور، هي أمام الإنسان أكثر مما هي وراءه –وذلك بوصفه مشروعاً، وإرادة خلق وتغيير. أو لنقل: الهوية هي أيضاً إبداع: فنحن نبدع هويتنا، فيما نبدع حياتنا وفكرنا.
(المحيط الأسود، ط: دار الساقي، لندن، ٢٠١٤، ص: ١٨).
3
ليست مسألة الهوية مسألة صراع بين ذات من جهة، وموضوع هو الآخر، من جهة ثانية. لذلك ليست محواً للآخر في الذات، أو محواً للذات في الآخر. فالذات لا تكون نفسها حقاً إلاّ إذا كانت، في الوقت نفسه الآخر. فأنا حين أنفي الآخر، أنفي نفسي كذلك.
وفي هذا المنظور لا تكون الهوية –هوية الإنسان بما هو إنسان– في مجرد الاختلاف عن الآخر، سواء كان هذا الاختلاف دينياً أو قومياً. فإذا سألتك: «مَن أنت؟» وأجبتني: «أنا لبناني» أو «أنا فرنسي»، أو أجبتني: «أنا مسلم» أو «أنا مسيحي»، فإن هذه الأجوبة لا تفصح عن هويتك إلاّ سطحياً، ومن خارج. الاختلاف اللغوي نفسه، على أهميته، لا يعطي للهوية إلاّ مظهرها الخارجي.
إن الهوية التي هي قوام الإنسان، ذاتاً وإبداعاً، ليست في مجرد اختلافه عن الآخر، وإنما هي في حركية اختلافه، داخل ذاته – بين ما هو وما يكون. الهوية في الحالة الأولى انفصال وانكفاء، وفي الحالة الثانية اتصال وتوثب.
والهوية، في هذا المعنى، ليست تماهياً مع جوهر اسمه الأمة أو الوطن، وليست تطابقاً مع ماضٍ ما –مع شخصية قومية ما، أو موروث ما. ليست مثالاً نتطابق معه، سلوكاً وتفكيراً. ليست دائرة ندور فيها. ليست مطلقاً نتوحّد به وننصهر فيه.
الهوية تفتُّحٌ بلا نهاية. فأنتَ لستَ أنتَ، لمجرد أن لك اسماً خاصاً، ولغة مختلفة، وقومية مختلفة. أنتَ أنتَ لا بما كنتَ، بل بما تصير. تكون الهوية صيرورة، أو لا تكون إلاّ سجناً. ومن هنا فإن الاختلاف الذي يعطي الإنسان ماهيته هو في هذه الفسحة داخل الإنسان، حيث يتحرك دائماً لكي يتخطى ما هو، ويغيّر ما هو –مغيراً العالم.
وهذا، ما يعلمنا إياه، على نحو خاص، الإبداع في الأعلى: الشعر. ويعلمنا إياه التاريخ: ليس للحيوان تاريخٌ، لأنه لا يقدر أن يتحرك داخل ذاته –لا يقدر أن ينفصل عن الطبيعة، ولا أن يتخطى ذاته (مع أن لبعض الحيوانات لغة). ولهذا كان التاريخ إنسانياً –للإنسان وحده، ويصنعه الإنسان وحده.
وفي هذا ما يشير إلى أن الهوية ليست ظاهر الشخص، بل هي في عمقه الخفي، –ليست في ما يمكن تحديده، وإنما هي، على العكس، في ما لا يمكن تحديده.
(المحيط الأسود، ط: دار الساقي، لندن، ٢٠١٤، ص:34-35)