كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بين المعاصرة والتأصيل في نصوص الشاعر البشير عبيد

ثامر جاسم- فينكس

البشير عبيد، شاعر وكاتب مهتم بقضايا التنمية والتنوير الفكري والمواطنة.. ناشط في الحركة الحقوقية والمشهد الثقافي التونسي..
طاقة ابداعية متأججة قصيدته نثرية حديثة يضخ بها من وهج ذاكرته مازجا اياها برؤية تفعيل ديناميكي مستمر كعجلة في طريق، ومع انه شاعر حداثوي الا انه يرفدها بالموسيقى أحيانا وبالايقاع الخارجي اضافة لايقاع بصمته داخلياً، قاموسه اللغوي والشعري يجعلها مزيجا فريدا بين لغة رصينة راقية وبين لغة سلسة محكية في نصوص لا تخلو من دسامة الحكمة التي توشح نصوص الشعراء المتميزين اضافة الى مغزاها الرسالي.
الشاعر البشير عبيد عروبي الانتماء والنشأة، تقدمي التوجه ففي كل نصوصه التي قرأتها أجد بصمة الهوية واضحة تحمل مشعلا للشباب (الجيل)، والجميل انه يرسم لوحات أمل في استدعاء ذاكرة أقل تشويشا باشارته للأقاليم البعيدة كنوع من التدليل على ان مشكاة الاوطان من هناك تضيء حيث القيم الصافية السامية وهذا تأصيل واضح الوجهة والتوجه لاجل ضخها في ساحة المدنية وجعلها ذات قيمة فعالة منغمسة في جعل الماضي والحاضر ككفي فعل لأجل بناء مستقبل مأمول..
مأمول منهما تحريك الرواكد لأجل اعلاء الأمل وجعله واقعا يتحقق، وتلك هي الروح الفاعلة عند كل مفصل من مفاصل النهوض.
ولعل الاشارة الى مقولات ابن خلدون أكثر تدليلا على دعم هذه القراءة الخاطفة، فابن خلدون يولي اهتماما كبيرا ب(محيط) دائرة الصراع او الفعل اكثر من (المركز) من حيث (التشخيص والابتداء) وان كان المركز هو الغاية الاخيرة (باعتبارة موئل الادارات المنظمة للارادات).
أهالي الأقاليم يقول عنهم (ابن خلدون) انهم تكفيهم الاحتياجات الاساسية الملحة فقط، وإنهم اكثر جدية ونشاطا وبأساً وصبرا وهمة وفضولا ووضوحا، وحتى اخطائهم يمكن تداركها بطرق أبسط من أخطاء أهل العواصم الذين يركنون للراحة والملذات والكماليات أكثر، فتهمد بذلك هممهم ويكون تغييرهم وحملهم على العطاء والجد وتحمّل المسؤولية أصعب، وهنا ابن خلدون يربط ذلك بقوة الدول وضعفها ومحاولات الاصلاح والصلاح الاجتماعي والثقافي والسياسي
وذلك ما وجدته بصمة في نصوص الشاعر البشير.
الذي يرسل اشارات عن البديل بذكره العبور، الهجرة، المنافي وغير ذلك كحمية وقاية او نظام علاج عن وعي تنويري تثويري جماعي السمة لا يفتر مبتعدا في كتاباته عن ذكر مناقبه(هو) ذاتا مبتعدة عن النرجسية واستعراض المغانم الفردية التي يتبجح بها أخر في واجهات المحافل والتجمعات، ألاحظ ذلك من خلال قراءتي شاعرنا البشير شعرا وطروح كتابة وأفكارا وحضورا كثيفا في المواقع والمجلات والصحف وليس عن معايشة او مجايلة ولكنه استقراء من خلال متابعة الأثر، ولا يفوتني القول إن من الفضيلة ان نحتفي بمبدعينا بحياتهم قبل ان تخط عكاز الوهن طريقها لصوامع العزلة التي تجعل المبدع رهين اكثر من محبسين ملصقة به تجاعيد نسيان وتناسٍ مخلفة رماد رأس كان يتدفق عطاء وحيوية..
-----
حفريات في جسد المدى
البشير عبيد / تونسالبشير عبيد
قبل هطول مطر يناير
كانوا يمدحون الظلال
اخذتهم خطاهم إلى مدن الثلج
و الرماد
ليس في دفاترهم حكايا الرحيل المباغت
للملكوت
اصواتهم تجاوزت الشرفات
قبل مجيء الغروب ٫ يأتي الغرباء
ذاهلين تراهم عيون العسس
حالمين بالافق و التلال البعيدة
كانها منارة امراء الحرب قبل ضياع
الفريسة
هنا وصايا الولد العنيد تكتبها سواعد
فتيان الرصيف
لم نر في وجوه العابرين
دهشة الأجداد حين غابت عنهم حكايا
الولد الأسير
كثير من نبيذ الشرق على طاولة الذكرى
قليل من بياض الروح حذو النهر المتاخم
للحنين
قيل لاولاد الروابي انهم جاؤوا من ضفاف
المدى
ليس لهم في المدينة ذاكرة و أحفاد
لا يخافون من الأنواء
لا يهابون الضجيج الطالع من افواه
السفهاء
لا مكان لهم في مشهد الغيم المتناثر
في الزوايا
ربما خذلتهم الأجساد
و تبعثرت ألأوراق
بامكان القوافل الآتية من بعيد
أن تحفر في دهاليز الزمان
للمدى ذاكرة و انوار
للصدى إنفتاح المسافات على بهاء
الصياح
للريح الآتية من جنوب الأقاليم
ولد جسور و صبايا ذاهلات
هنا حبري و غضبي و ذاكرتي و دعاء الأمهات
إحداهن إسمها آمنة
كانت تقول لي فجر كل يوم:
أكتب يا ولدي
و لا تلتفت إلى الوراء
حبرك محلق في سماء الينابيع
أكتب أيها الآتي من الزمن البعيد
و لا تخف من سفهاء المرحلة
في البدء كانت الكلمة و نوارة الروح
ربما نسي الأحفاد ذاكرة الأجداد
و صار المكان القصي ملاذا للعابرين
هنا قريباً من الصدى ينام الفتى
بلا حقيبة باذخة
ولا مدد يأتي من الأنصار
لا خوف في الجسد النحيل
لا افق تراه العيون
لا أمل في القادمين من الأنفاق
كانهم جاؤوا من زمن بعيد
يحملون على الأكتاف بهاء اللغة
المشتهاة
هنا حبري و دمع الرجل الشريد
لم نكن وحدنا في لهيب العاصفة
كانت معنا الرياح اللواقح
ذاكرة الأيام
إنفتاح الكلام على ورقات الحنين
إخضرار الشجر الحزين
قبل هبوب العاصفة
رحيل الخطى إلى الملكوت
للجسد الغارق في المتاهة
آهات و صيحات الآتين من الأقاصي
قبل مرور الشاحنات تباغتني امراة
النور بالسؤال اليتيم:
كيف صار المشهد قريباً من الغيم
و البلاد صارت سرابا....؟!
ستبقى أصوات الرعاة ملاذا للعابرين
هنا سرب من حمام الشرق
يعبر الأقاليم
على الأجنحة ذاكرة الفيافي
و إرتمام الجسد في النهر المتاخم
للرخام القديم
28 فيفري / فبراير 2023
-----
وحدهم يعبرون الجسر
البشير عبيد
يرحلون بإتجاه الغيم الآتي
من ذاكرة القرى الهاربة من التيه
يحملون حقيبة تلو أخرى ذاهلين
من جدار عتيق تداعى
و احلام فتية تبعثرت في الروابي
لم تكن الشفاه جاهزة للهمسات
في الخامس من تشرين تاخذنا الخطى
إلى ينابيع الظلال
و الشيخ الضرير يباغتهم بالحكمة الباذخة:
باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب
لاحفادنا بهاء الفكرة و كبرياء المعنى
العشاق لا تهمهم حرب هنا و عاصفة هناك
تلتقي الأجساد و الأرواح في الضفة الأخرى
من ذاكرة النور
إنتصف الليل و لم يأت المدد
لا خوف لي من الأفق البعيد
الأحداق
الكوابيس
عشق الفتى للورقات المكتوبة بحبر
الانحياز
ذهاب العسكر الى حروب عبثية
خروج الشبيبة من حدود بلاد غابت عنها
اقواس الحقيقة
يرحلون إلى زمن تداعت فيه المرايا
و صارت نوافذ الضوء ملاذا
للعابرين
ربما نسيت أو تناست امراة النور
كيف تحكي لاولاد الزقاق العتيق
ملحمة الأجداد قبل هطول المطر الغزير
و انسحاب الغزاة الشقر من لهيب
المعركة
يرحلون إلى مدن غابت عنها الينابيع
لم يكونوا فرسانا للكلام
أو عشاقا لانفلات الحبر في مدح النور الطالع
من قبو قديم
فرادى يعبرون الجسر قبل مرور العاصفة
لم ينسوا ذاكرة القرى
حقيبة الشيخ الضرير
موسيقى الجاز
ثمار الحديقة المنسية
وصايا الأم للطفل الشريد
حكايا الصبايا في ليلة ماطرة
إنتصف الليل و لم يكتمل العناق الطويل
طلع النهار و لم يأت المدد
ربما صار الجسد الهزيل مزارا
لمن ناموا في العراء
هنا ذاكرة المرايا و انفتاح الأقاليم
على الشجر الحزين و الينابيع
لعبور الجسر مباهج
و لاخضرار الروح طقوس و هواجس
فتيان القرى المنسية ٫كانوا وراء التلال
يحملون حقيبة تلو أخرى
لا شيء على الأكتاف
سوى حنين الأجساد للزقاق القديم
ذاكرة الأيام
هروب الفتية من صقيع الضواحي
كانهم جاؤوا من زمن بعيد
و ارتماء الجسد في اليم العتيق
كان لزاما على الفتيان ان يعبروا الجسر
فرادى
هناك حذو العربات القديمة
تتعالى الأصوات
ترتبك الأصابع
تكتب الأنامل النشيد المشاكس
هنا قرب الشيخ الضرير٫تمر القوافل
معلنة ذهاب الكلام الذهبي إلى ضفة الرؤيا
إنتصف الليل و لم يكتمل العناق الطويل
صارت الأجساد كفاكهة الشتاء
و امطار زمن المماليك
سريعا تاتي العواصف
قبل عبور أولاد القرى الجسر المتاخم
للانين
و متاهة المشهد
لا خوف للفتية من ضباع الشوارع
لا خوف للبلاد من ضباب مباغت......
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"