(بلدي.. وحبيبتي) مهداة لروح الشاعر الخالد أحمد فؤاد نجم
2024.03.17
محمد سعيد حسين
أنا لست سكراناً..
صحيح أنني لم أعد أذكر رقم الكأس التي أمامي، كما لم يخطر لي يوماً، أن أعدّ الكؤوس التي "أتسممها"، عقب كل خازوق يخترقني مقدّماً على شكل هديّةٍ مجانية لي من بعض أبناء بلدي، الذين لا يطيب لهم أن يقدموا "خدماتهم" الجليلة لـ "الوطن" إلا على ظهري وظهر أمثالي من مدمني "الخوازيق" و"العرق"... والعياذ بالله!!
أنا لست سكراناً..
بدليل أنني مازلت أذكر تاريخ هجرتي من قريتي البائسة، إلى "مدينة" طرطوس.. فلقد مضى على هذه الهجرة أكثر من عشرين عاماً..
وأذكر أنني طيلة هذه السنين، لم أقم بزيارة إلى القرية إلا للقيام بواجب العزاء لصديق أو قريب، لا أفجعكم الله بعزيز.. وأذكر أنني أصبّ الآن كأساً أخرى...
لم أسكر بعد..
بدليل أنني ما زلت أميز الفعل من فاعله، وأنني المفعول به وفيه و "عليه" في وطنٍ يصرّ على "إعرابي" في هذا الموضع تحديداً، عبر فصحاء لغة هذا الزمان، وأبطالِهِ الأشاوس الشجعان، رجالِ أجهزة الأمن والأمان...!!
بصحتكم جميعاً...
لم أسكر بعد ـ أقسم لكم ـ بعلامة أنني ما زلت أتذكر أن أول أيام عيد الأضحى...
(بالمناسبة، وكدليل على أنني لست سكراناً، لن أنسى أن أقول لكم: كل عام وأنتم بخير)
لنعد إلى حديثنا: كان يوم الثلاثاء الماضي، أي بتاريخ (10/1/2006) وأنني في ذلك اليوم "المبارك" قررت أن أعيد ما انقطع لي من صلات بالقرية، فذهبت إليها رفقة زوجتي وولديّ، محمّلين على أجنحة الشوق للقاء ما ومن نحب هناك..
وكانت محطتنا الأولى في منزل أحد أقربائنا، الذي ورث الكرم وحسن الضيافة أباً عن جد، فكان منزله عامراً بالزوار والمباركين بقدوم العيد، وقد درجت العادة هناك أن تكون الزيارات مسائيةً، للسهر والسمر حتى الهزيع الأخير من الليل..
(كيف شفتولي هذه "الهزيع الأخير"؟! بربكم... هذه لغة سكرانين؟!!)
المهم..
لدى وصولنا، كانت آثار المرح والضحكات بادية على وجوه الجميع، لأفاجأ بالوجوه وقد احمرّت واصفرّت واربدّت، والضحكات تلاشت، لدى مشاهدتهم لي، ما عدا ابتسامة قسرية حاول قريبي ـ صاحب الضيافة ـ أن يبقي بعض آثارها على وجهه، مرحباً بي بدماثةٍ لم تستطع أن تخفي آثار ارتباكه ، وهو يقلب نظره بيني وبين رجلٍ من زملاء دراستي، سمحت له شهادة "التاسع" أن يرتقي إلى رتبة مساعد أول في أحد الأجهزة الأمنية الكثيرة التي منّ الله بها علينا..
المهم، ما هي إلاّ بضع دقائق حتّى بدأ تسرب "السّهّيرة" واحداً تلو الآخر، وبالطبع كان آخر المتسربين، حضرة المساعد أول، زميل دراستي العزيز، الذي لم ينس ـ قبل خروجه ـ أن يغمز بعينه لقريبي الطيب، وهو يقول موجّهاً كلامه لي: (لا تنسى تزورنا أستاذ أبو السعود.. نحنا زملا دراسة، زائد انّو نحنا والكتاب والشعراء صحبة قويّة مو هيك؟!!)

وعدته خيراً وأنا أنظر بطرف عيني إلى مضيفي، الذي بدا وكأنّه يستعجل مغادرة ضيفه "الزميل" بطريقة أوحت إلي أنّه يطرده طرداً مهذباً...
ما الأمر؟!! سألت مضيفي باستغراب.
لا شيء.. لاشيء مهم، أنت تعرف.. (الناس تريد سلّتها بلا عنب، والواحد منّا يمشي الحيط الحيط، ويقول يارب السترة.. أنا بعرف أنك ابن حلال، ولكن الشباب يسألون عنّك كثيراً هذه الأيام، وواحد منهم قال لي أنّك من "هدوك الجماعة"... بصراحة .. أنا ما صدقتهم، ولكن انت تعرف.. العين لا تقاوم المخرز.. والحذر واجب، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة، ولوّ.. أنت سيد العارفين.....)
ـ ومين "هدوك الجماعة"؟!! سألته باندهاش .
ـ يا أخي أعفني من التفاصيل.. هم يقولون هذا، وأنا لا أصدقهم، يا أخي اسأل "زميلك" أبو........ فهو على علم بكل شيء.....!!!
يا جماعة الخير..
أنا لست سكراناً.. القنّينة خلصت.. وصرلي عشرين سنة طالع من الضيعة.. وزميلي المساعد أول الو وزنو، وبيعرف كل شي، كل شيء؛ ما عدا رقم تلفوني.. وعنوان بيتي في طرطوس.. لذلك فهو يسأل عني في الضيعة.. وحجار الضيعة أخبرته أنني من "هدوك الجماعة".. علماً أنّ جميع الأفرع التي خلقها الله في طرطوس تعرف بيتي وأرقام تليفوناتي ومكان عملي، ونمرة حذائي، وقياس خصري، ومضامين أحلامي ومواعيدها.. يعرفون كم سيكارة لفّ أدخن في اليوم، وكم كأس عرق أتزهرم، وكم كابوس أحتاج لتمضية سويعات ركوني في الفراش لغرض ما يسمى بـ"النوم" ويعرفون أيضاً أنني لا أنتمي إلى جماعة القاعدة، أو القمّة... لا زرقاوي ولا صفراوي.. لا معارضة ولا موالاة..!
أسمع الأخبار ولا أعلّق عليها مخافة أن يكون في تعليقي ما يعيق مسيرة التطوير والتحديث..!
أشاهد المسلسلات التاريخية، وأصدّق كلّ الأكاذيب التي تلقنها لنا..!
أتابع جلسات مجلس الشعب التي يعرضها التلفزيون، وأدعو لمن يجلسون عنّا تحت قبته بالنوم الهنيء وطول العمر..!
لست من جماعة الخضر أو الحمر أو السّكلما..!
حفظتُ عن ظهر قلب جميع كتب التربية القومية الاشتراكية التي رافقتني طيلة حياتي الدراسية، وكذلك كتب التاريخ التي تتغنى بأمجادنا الغابرة في الشرق والغرب!!
وحفظت رسم خريطة الوطن العربي بكل تشوهاتها التي أورثها لنا الاستعمار والامبريالية .. أستيقظ في الصباح، أردّد الشعار ثلاث مرات، وألعن الرجعية ثلاث مرات، وأُسقطُ أمريكا والامبريالية ثلاث مرات.. وأدعو الإله أن يغرق ما يسمى بـ "اسرائيل" في بحور من الظلمات ثلاث مرات.. ثمّ أبدأ باستعراض صور السادة المسؤولين عنا و"علينا"، أصبّح عليهم سيداً سيداً.. أطلب رضاهم سيداً سيداً، ومن يخرج منهم عن الصف أو النسق، لأيّ سببٍ كان، أمزّق صورته شرّ تمزيق، وأكتشف ببراءةٍ كم كان فاسداً، وكم كنت مغفّلاً.. هذا هو أنا يا سادتي، فهل بعد هذا يستطيع أحدٌ أن يقول عنّي أنني من "هدوك الجماعة" ؟!!
لم أسكر بعد .. أين الكأس .. هاتوا لي الكأس.. أريد كأساً أيها السادة لأغني مع أحمد فؤاد نجم:
بلدي وحبيبتي..
الغرام في الدم سارح..
والهوى طارح معزّة
والحنين للقرب بارح..
والنوى جارح ياعزّة..
........................
..........................
..........
.................
.......................................
هوّ فيه يا عزّة عندي ممنوعات!!
غير بحب الناس..
وبكره السكات؟!
من كتابي كسر متبدل