عن الشعر والبحر والإنسان.. عن زكريا
2024.02.26
جهاد عطا نعيسة- فينكس
في تلك السنوات البعيدة، حين كانت الأيام تمنحنا بركتها وهي تمضي بنا إلى غير رجعة تعرَّفت على شاب في الصف الثالث الثانوي، حسن الهندام حاد الطباع وودوداً بما فيه الكفاية.. اسمه زكريا الشعار.. كنتُ حينها في أولى سنوات دراستي الجامعية، مولعاً بالجماليات بأنواعها.. الأدب.. السينما.. المسرح.. الفن التشكيلي، وكذلك بغناء فيروز.. فيروز دون سواها من أساطين الغناء العربي.. وكان زكريا كذلك. وكان أيضاً ما لم أستطع أن أكونه يوماً.. كان صياد سمك هاوياً ثم محترفاً ثم - ويا لعميق الأسف- متقاعداً يجزُّ ساقاً موجعة وعقابيل جراحة قلب مفتوح مضى عليها سنوات... لكنه كان أيضاً زكريا.. زكريا الذي أحببناه في كل الفصول.
هكذا تمتنت صداقتنا منذ أيامها الأولى وتمتنت معها معرفتي بزكريا الشاعر والإنسان والصديق.. زكريا الشاعر العمودي الذي كان في بدايات علاقته بقصيدة التفعيلة، والذي كتب لاحقاً جُّلَّ قصائده ملتزماً وحريصاً ومفتوناً بجملة إملاءاتها، وزكريا الإنسان ذي القلب المشرع لكل الناس.. كل الناس، وزكريا الصديق شديد الوفاء لقيم الصداقة وشرطها الأول؛ وهو أن نكون عابرين للطوائف والمذاهب في وعينا وممارستنا على السواء، بل في لا وعينا أيضاًـ وإلا فما قيمة ذلك الوعي الدعِيِّ غيرِ المُحَصَّن بأعلى درجات المصداقية..؟ ويا إلهي كيف لغول الطائفية أو المذهبية البغيض أن يبتلع كل تلك الطاقة المتأججة لرفضه وازدرائه لدى بعض اليساريين في سنوات يفاعهم، فيستحيل طائفيةً ومذهبيةً تحاول تسويغ ردَّة مرتدّيها تحت عناوين تثير السخرية والازدراء في آنٍ معاً...؟!
سلامتك يا وطن...!!!
كانت غرفة زكريا المَنسيَّة على سطح منزل أهله الريفي في قرية ابن هاني البحرية ملتقىً وملاذاً حقيقياً للصحب جميعاً، وحضناً دافئاً وَسَعَنا جميعاً بكل نزوعات شبابنا وفوضانا في تلك السنوات المبكرة من العمر، وفي واحد من تلك الأيام وقد جمعتنا قيلولة مسائية بعد رحلة بحرية ممتعة في قارب صيد زكريا: الراحل الحبيب أكثم نعيسة، فارس قضايا حقوق الإنسان وزوجته مها... علي الشهابي الزيتونة الفلسطينية الخصيبة وزوجنه التي يغيب اسمها الآن عن ذاكرتي (أين أنت الآن يا علي...؟!) وزكريا وأنا.. لم يكن قد مر وقت طويل على الوجبة المسائية التي أتحفتنا بها أم زكريا (ويا لَموائدكِ الشهية التي كنتِ تمنحين بركتكِ لنا فيها حين كانت تدركنا ساعة الغداء أو العشاء في تلك الغرفة يا أم زكريا.. يا أمنا...!)..
بغير توقع انطلق صوت ملائكي أشبه بنسمة عذبة يتهادى رفيفاً منعشاً في فضاء اللحظة ونشوتها:
"بكوخنا يَبْني بها لكوخ الفئير (الفقير)،
والتلج ما خَلاّ ولا عُودة حطب،
والريح عم تصفر فوق المنّو صفير..
تخزِّق يها الليل منجيرة أصب (قصب)"
جاء النداء الفيروزي آنذاك سحراً خالصاً يمنح اللحظة بعداً إضافياً يمضي بها بعيداً عن كل سياقات الزمن الأرضي ومواضعاته.
- من كاتب كلمات هذه الأغنية يا زكريا...؟!
- ميشيل طراد.. أهي المرة الأولى التي تسمعها..؟!
- نعم.
وتمر السنين ويمضي زكريا إلى الخدمة الإلزامية، زكريا الذي أقلع عن الدراسة مؤثِراً عملَ الصيد البحري على دراسةٍ منضبطة تبعده عن البحر وعوالمه التي اعتنقها طفلاً وشاباً.. وتُباعِدُنا الأيام إذ تتنازعنا السجون واحداً إثر آخز، (حتى زكريا لم توفره تلك المضافات القسرية في استضافات متكررة قصيرة)، وحين نستعيد حريتنا يكون زكريا أول المحتفين بها وبنا.
وتستعيدنا غرفة زكريا، ويستعيدنا بحر ابن هاني ولكن كهولاً متعبين (أين ذهبتم يسنوات شبابنا أيها ال...؟).. لم يعد زكريا قادراً على الإبحار صيداً، فقد وهن الجسد وشاخ قاربه البحري وتَعَطَّلَ وتعثرت إمكانيةُ إصلاحه.
لكن زكريا شاعرَ التفعيلة المفتون بها وببحر ابن هاني لم يتوقف عن العوم والإبحار والمغامرة في مياه كلا اليَمَّين.. يُصيبُ ويُخفِق.. لكنه لا يتراجع. حتى حين يخونه بحر ابن هاني ورحلات القارب المُنهَك المتصدع ّفإنه يلوذ بشاطئه القريب التماساً لصيد قريبٍ أيضاً.
مع الشعر كان زكربا أكثر عناداً؛ فقد استمرت رحلاته السندبادية التفعيلية، على اختلاف موانئها وشطآنها في قضاياها وموضوعاتها. أنتج خلالها أربعة دواوين تفعيلية وديواناً باللغة المَحكية وبضع مقطوعات في قصيدة النثر وشارك في الكثير من الأمسيات الشعرية؛ في اللاذقية ودمشق وطرطوس ومدن سوربة أخرى، لكنه لم يُصدِر ديواناً واحداً من دواوينه. وعلى الرغم من موافقة وزارة الثقافة منذ سنوات على ديوانه الأول فقد تراجع عن إصداره.. (لماذا يا زكريا..؟!)
- لأنني زكريا.
"هذي بلاد الأقوياء الخالدين
وأنتَ فيها العبدُ
والعددُ المضاف إلى قطيع الماشية
فإذا مرضتَ
إذا عطشتَ
إذا أرادو ذبحكَ
جعلوا دماءَكَ اُضحية".
الآن والشيخوخة اللعينة تُمعِنُ في أذانا وأذاه أقنعناه و(ربما ألزمناه) بإعداد أحد دواوينه للطباعة، وأظنه لن يتراجع هذه المرة.
بشوقٍ وترقب ننتظر ديوانك الأول با زكريا، فأسرع.. أسرع يا صديقي قبل فوات الأوان.
"عُد لعندي يا ولد
عدتُ..
لكن..
أين أنت يا بلد...؟!
نصفيَ الناجي لحينْ
لم يطمئنه الحنين
فتوارى هارباً
بين حبَّات البَرَد".
وسلاماً.. سلاماً لك ولإنشادكَ/ الجرح، يا زكريا.