"كسر متبدّل".. بعض آلامٍ وبعض مواجعٍ أتت بالصفاء
2024.02.25
علم عبد اللطيف
عندما قرأت المجموعة القصصية الاولى لـ محمد سعيد حسين (مكاشفات زهرة الدفلى).. قلتُ بيني وبين نفسي.. هذا شاعر اكثر منه قاصاً.. ولا أعلم ان كنت قلتها له مباشرة.. رغم ان كل شروط القص وأدواته متوفرة في قصص المجموعة.
وأذكر أنه أصدر مجموعة شعرية بعد تقديم نفسه قاصاً متمكناً، (كأني تنبّأت هذا الوصول).. وكنا في منتدى بانياس الثقافي نحضر الاحتفاء بهذه المجموعة، فقال أحد الاصدقاء الادباء، هذه المجموعة هي قصص اكثر منها شعرا، فوجدت نفسي اقول له: "نعم.. في سياقات النصوص سرد قصصي، لكن الكاتب لو قدمها على انها قصص.. ألن نقول له هي شعر اكثر منها قصصا؟". وافقني وقتها صديقنا بهزة من رأسه..
الآن محمد سعيد حسين يقدم عملاً أدبياً.. (كسر مُتَبِدّل).. صدرت عن دار بعل بدمشق /2018/.. ولا ادري فيما اذا كان قد أخذ بحسبانه اشكالية التداخل بين الاجناس الادبية، وهو الذي اعرفه يكتب بعفوية وشفافية.. ويعنون كتابه (نصوص ساخرة).. اي انه لا يصادر رأينا في جنس هذه النصوص.. ويترك لنا اعتبارها نثراً قصصياً او شعرا منثورا.. او غير ذلك..
بعموم الاحوال.. محمد الذي يحضر فيه الشعر عندما يتحدث.. وعندما يتنفس.. لا يغيب الشعر في خطابه، وهي لعمري مزيّة وقيمة، لكنه هنا يُقدم على مغامرة من نوعٍ مبتكر، فهو يستحضر الشعر في السردية الشخصية عندما يتخذ من ذاته.. حياته.. ظروفه.. علاقاته.. انموذجاً للسخرية الظاهرة والمبطنة.. (على امتداد ستة واربعين كابوساً.. تكتشف بذهول الحمق الكامن فيك.. هولَ الهوة بينك وبين نفسك.. فتقرر ان ترسل روحك واهماً مرة أخرى عبر الازمنة والامكنة والاخيلة.. الى ذلك الركن القصي من املاك الشمس لتأتي بأناك التي تتوهم.. وتسميها بكل صلف الشاعر.. هيولى..).. هو الشعر يفصح عن ذاته في اعلى درجات الالم.. وهي حالة من ارفع مستويات السخرية.. ليس اكثر من تناول الذات في التقديم مصداقية.. لا نتزيّد ولا نقوّل.. ما من احد يعرفنا اكثر منا.. ولا نعتدي على أحد.. ولا نسخر من أنموذج نصادفه او نخلقه باختيارنا وانتقائنا.. فالناس الذين هم هدف الكتابة وغايتها.. لا يجوز ان نسخر منهم .. هم همنا واهتمامنا ومادة كتابتنا، وهم نحن في الاصل والنهاية.
هي مقالات معنونة.. لكن العناوين لا تتيح الوصول الى المحمول مباشرة.. يجب ان نقرأ النص كاملاً لندرك سبب اختياره للعنوان.. وهي ان بدت تحمل هماً خاصاً.. الا انها تغوص في الانساني وتتحرك من داخله.. وتحيل الى معاناتها ونوازعها، وهي – اي النصوص – تقدم موقفاً من العالم.. العالم الذي نعرفه.. او نفهمه.. فلا يقتصر تناول الحدث او التقييم على السيرة الشخصية.. بل يقارب المفاهيم ربما.. ويعطي حكمَ قيمةٍ مفتوحاً من داخل منظومته الفكرية والثقافية والنفسية..وتبدو مواد الكتاب كأنها مادة واحدة، تحيل الى ذات الحالة وذات الفهم والموقف، وأبداً تستمر السخرية من حالات تصل الى مستوى الظاهرة في الوجود والمعاينة، سخرية من لا يملك غير ان يهزأ من ظواهر يرى في مقاربتها بشكل جاد شرفاً لا تستحقه ، ولا تصل معها او فيه الى نتيجة تمنح املاً او وعداً.. فلا انسبُ من السخرية بمواجهته، هي ليست انهزامية امامه.. ولا تنصلاً من ادانته، بل طريقةٌ تشي بالترفّع عن مواجهته ندّاً يستحق الجديّة في السجال والمناقشة. هو الكسر المتبدل في الساق (كما تظهر لوحة الغلاف). الذي لا يتيح الخطو بثبات واتزان. وهو بهذا يُعلي من شأن ذاته بكبرياء المتألّم الناطق بألمه. وهو الذي يقول (القمم العارية.. تناطح العواصف دائماً.. لا لشيءٍ الا لتحتفظ بعريها.. والقمم المكسوة بأخضر الشجر.. تستقبل العواصف كي تخفف من غطرستها.. وتُحيلها الى نسائم وحسب..ما كنت احسبكِ موغلةً في العري.. ما كنت احسبني فائق الحماقة) ويضيف: (أشد الالم.. فقدان الشعور به.. أستحلفكم بقدسية سوريا.. وبكل دمعةٍ ثكلى.. لا تفقدوا هذا الشعور النبيل رغم قسوته..), ويصف مشهداً فيقول: (حيّرتني بعد ان تصالحت مع آلام الضرب المبرّح الذي أتحفني به ذلك المقاتل الشرس (مدرب الفتوة) أشياء كثيرة منها.. طالما نملك مقاتلين بهذه الشراسة. لماذا لا نطحش على اسرائيل ونرميها في البحر ونرتاح منها دفعةً واحدة..؟).. وأيضاً.. (بيدَ أن اكثر ما حيرني حينذاك هو.. كيف يمكن ان اكون كر وابن كلب في الوقت ذاته..؟).
محمد سعيد حسين.. القاص والشاعر والكاتب.. لقد قدمت مزيجاً ما كان له ان يمتزج الا بطريقتك.. لتصل الى الصفاء.. اقول لك..
هي بعض آلامٍ وبعض مواجعٍ.. لكن بعض المزج يأتي بالصفا..