الفرزدق.. جاء الإمامَ عليّاً شاعراً وعاد بعد عام يحفظ القرآن
2024.02.03
محسن سلامة- فينكس
الفَرَزْدَق سُمّي كذلك لأنّ وجهه يشبه الرغيف الضخم الناضج، شُبِّهَ بذلك لأنّه كان غليظاً جَهماً.
اسمه هَمَّامُ بنُ غالب بن صَعْصَعَة، كنيتُه أبو فراس،
عميق الإحساس بتفوّقه،عظيم الأب والجدّ شديد الشعور بامتيازه وتفوّقه، فجدّه صَعْصَعه محيي الوئيدات، فدى أربعمئة موْءُودة، وأبوه غالب ذهب في كرمه حدّ الإسراف.
كان الشاعر يتكلّف في حياته مظهر السادة، فكان لايُرى إلّا مُقنَّعاً على طريقة السادة الرؤساء، يقول خصمه جرير:
وتقول ظبية إذ رأتك مُقنَّعاً أنت الخبيث عِمامةً وإزارا
يقول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين ٣: ٥٨: (القناع من سيما الرؤساء، حتّى أنّ الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم كان لا يكاد يُرى إلّا مُقنَّعاً).
فنشأ الفرزدق في حضن جدّه عظيم النفس، مولعاً بالمشاكسة، حتّى أنّه ساءَت علاقته بالولاة جميعاً،
وهذا الوالي خالد القَسْري يهدم منائر المساجد، فيقول الشاعر:
ألا قطع الرحمنُ ظهرَ مطيّةٍ أتتنا تمطّى من دمشقَ بخالد
بنى بيعةً فيها الصليب لأمّه وهدّم من كُفرٍ منارَ المساجد
فرمى الوالي خالد القسريّ الشاعر في السجن.
وقد هجا الشاعر الحجّاج بأبيات لا يليق ذكرها هنا:
وما عسى الحجّاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد
وكان قد صوّر رهبة الناس من الحجّاج:
إذا ما بدا الحجّاج للناس أطرقوا و أُسْكِتَ منهم كلّ من كان ينطق
وطارت قلوب الناس شرقاً ومغرباً فما الناس إلّا مُهْجِسٌ أو مُلَقْلِقُ
الهجس الصوت الخافت، اللقلقة اضطراب الصوت.
قال الشاعر يتوسّل إلى الخليفة هشام أن يطلقه من السجن و يأمر بالعفو عنه:
دعوت أمين اللّه في الأرض دعوة ليفرج عن ساقيّ خيرَ الخلائف
فيا خير أهل الأرض إنّك لو ترى بساقيّ آثار القيود النواسف
إذاً لرجوتُ العفو منك و رحمة وعدلَ إمام بالرعيّة رائف
فإن أكُ محبوساً بغير جريرة فقد أخذوني آمناً غير خائف
كان يرعى الغنم في طفولته، فرأى عن بعد ذئباً جائعاً، فزجرَ الكلابَ وأعطى للذئب الفرصة في اقتناص كبش، فعلمت أمُّهُ بالأمر، فغضبتْ أشدَّ الغضب، فقال:
تلومُ على أن صبَّحَ الذئبُ ضأنَها فألوى بكبشٍ وهو في الرّعي راتعُ
وقد مرّ حولٌ بعد حولٍ وأشهرٍ عليه ببؤسٍ وهو ظمآنُ جائعُ
ومَن منّا لايحفظ قصيدته: دعوة الذئب إلى طعام العشاء، فكان بذلك أوّل إنسان على الأرض يرفق بالحيوان،
وأطلسَ عسّالٍ وما كان صاحباً دعوتُ بناري مَوهناً فأتاني
تعالَ فإن عاهدْتَني لاتخونني نَكنْ مثلَ مَنْ ياذئبُ يصطحبانِ
أخذهُ والدُهُ إلى الإمام عليّ بن أبي طالب، فنصحه الإمامُ عليٌّ عندما رأى ذكاءَه أن يحفظ القرآن، فقيّد الشاعر نفسه بالقيود حتّى حفظ القرآن، وجاء إلى الإمام عليّ بعد عام، فباركه.
يُقال: لولا الفَرَزْدَق لضاع ثلثُ اللغة العربيّة، أضاف بشعره أربعين ألف لفظة إلى اللغة العربيّة، يجمع الألفاظ جمعاً على غير اتّفاق، وها هو يقول وقد مرّتْ جنازة:
إذا جاءني يومَ القيامةِ قائدٌ عنيفٌ وسوّاقٌ يسوق الفرزدقَا
قال الناس: والله هذا ليس برثاء، وإنّما هو أشبه بصوت قَحْقَحة الدجاجة تتهيَّأُ للبيض (لكثرة القافات في البيت).
كان شجاعاً في قول كلمة الحقّ، قدم على الخليفة معاوية يطالبه بميراث عمّه الحُتات الذي أكله معاوية، فقال الشاعر:
فما بالُ ميراثِ الحُتاتِ أكلْتَهُ وميراثُ حربٍ جامدٌ لكَ ذائبُهُ
فلو كان هذا الأمرُ في غير مُلْكِكُمْ لأَدّاهُ لي أو غَصَّ بالماء شاربُهُ
وكم من أبٍ لي يا معاويَ لم يكن
أبوك الذي من عبد شمسٍ يقاربه
ومن شجاعته في قول الحقّ أيضاً عندما كان في الحجّ، وهو في السبعين من عمره، أنّه تصادفَ وصول الخليفة هشام بن عبد الملك إلى الحجّ عام 106 هجريّة ومعه رؤساء أهل الشام بوصول الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، (عليّ زين العابدين)، ففتح الناس للإمام عليّ الطريق ليستلم الحجر الأسود تعظيماً وهيبةً وإجلالاً،
فقال الخليفة: من هذا الفتى؟ فقام الفرزدق، وارتجل قائلاً:
هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحَرَمُ
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللّهِ كلِّهِمِ هذا التّقيُّ النّقيُّ الطّاهرُ العَلَمُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إنْ كنْتَ جاهلَهُ بجَدِّهِ أنبياءُ اللّهِ قد خُتِموا
ما قال لا قَطُّ إلّا في تَشهُّدِهِ لولا التّشهُّدُ كانتْ لاءَهُ نَعَمُ
وليس قولُكَ مَنْ هذا؟ بضائرِهِ العُرْبُ تَعرِفُ مَنْ أنكرْتَ والعَجمُ
يُغضي حياءً ويُغضَى من مَهابتِهِ فما يُكَلَّمُ إلّا حينَ يَبتسِمُ
من مَعشَرٍ حُبُّهم دينٌ وبُغضُهمُ كُفرُ وقربُهمُ مَنجىً ومُعتَصَمُ
وقد هاجم الشاعر الخليفة هشام حين حجّ معه:
يقلّبُ عيناً لم تكن لخليفةٍ مُشوَّهةً حولاء بادٍ عيوبُها
وقال فيه أيضاً ذات يوم:
لَبِئسَ أميرُ المؤمنين أميرُكم و لَبِئسَ أميرُ المؤمنين هشام
وله أيضاً قصائد كثيرة في مدح الخليفة هشام ذكرنا منها سابقاً أبياتاً يطلب منه العفو والرحمة، وقد رافقه زمناً.. دعوت أمين اللّه في الأرض دعوة ليفرج عن ساقيّ خيرَ الخلائف
عاش الفرزدق حياته قويّاً فظّ القلب، وهو القائل:
أطعتك يا إبليسُ سبعين حجّةً فلمّا انتهى شيبي وتمّ تمامي
فررْتُ إلى ربّي وأيقنتُ أنّني مُلاقٍ لأيّامِ المنونِ حمامي
حين مات رثاه جرير خصمه في الشعر قائلاً:
فتىً عاش يبني المجدَ تسعين حجّةً وكان إلى الخيرات والمجد يرتقي
مات الفرزدق عام 114 هجريّة.