كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جرير يغرف من بحر والفرزدق ينحت من صخر

الشاعر الكبير جرير سمّي كذلك لأنّ أمّه رأت وهي حامل كأنّها تلد حبلاً يجرّ ويأخذ بأعناق الناس.
وُلِدَ لسبعة أشهر فقط، فكان يعيّره الفرزدق: لم تنضجْكَ أرحام النساء.
يقول العلم: أغلب هؤلاء يصبحون عباقرة.
قال الأصمعيّ: كان جرير يواجه ثمانين شاعراً ويغلبهم، وثبتَ له الفرزدق والأخطل فقط.
وهو القائل:
أعددتُ للشعراء سمّاً ناقعاً فسقيتُ آخرهم بكأس الأوّل
أرسلَ الشاعر الأخطل الكبير ابنه ليرى خبر جرير والفرزدق، فعاد إلى أبيه يقول:
وجدتُ جريراً يغرف من بحر، والفرزق ينحت من صخر
وهذا الشاعر الراعي النميريّ يتجرّأ على تفضيل الفرزدق أمام الناس على جرير،
فلم ينم جرير تلك الليلة إلى أن طلع الصباح، قال قصيدة في هجاء الشاعر الراعي سمّاها الناس القاضية، لأنّ الشاعر الراعي مات على أثرها كمداً:
فغُضَّ الطرفَ إنّك من نُميرٍ فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
إذا وُزِنتْ حلومُ بني نُميرٍ على الميزان ما وزنتْ ذبابا
هدّد الفرزدق جريراً بالقتل ولو في الشعر، فردّ عليه جرير في أكثر من قصيدة، من مطالع بعص هذه القصائد:
_ زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتلُ مربعاً أبشرْ بطول سلامةٍ يا مربعُ
_ أشاركتني في ثعلب قد أكلتُهُ فلم يبقَ إلّا رأسه وأكارعه
_ لقد ولدتْ أمُّ الفرزدق فاجراً فجاءت بوزواز قصير القوائم
_ مات الفرزدق بعدما جدّعْتُهُ ليت الفرزدق كان عاش طويلا
اختارت العرب جريراً شاعرها الأوّل لقوله في المديح، مديح الخليفة:
ألستم خيرَ مَنْ ركبَ المطايا وأندى العالمين بطون راح
انتصر على الفرزدق والأخطل في حضرة الخليفة عبد الملك بن مروان، ونال الجائزة الأولى،
بدأ الفرزدق المبارزة الشعريّة في مديح نفسه وهجاء خصميه:
أنا القطران والشعراء جربى وفي القطران للجربى شفاء
ثمّ تقدّم الأخطل، وقال:
فإنْ تكُ زقّ زاملةٍ فإنّي أنا الطاعون ليس له دواء
وقام جرير بكلّ اعتداد بالنفس يقول:
أنا الموتُ الذي آتي عليكم فليس لهاربٍ منّي نجاء
فانتصر على خصميه، فالموت أقوى من القطران والطاعون.
لم يقبل الفرزدق تلك الهزيمة، في اليوم الثاني حلف بطلاق زوجته "نوار" إن خسر المعركة الشعريّة، فبدأ قائلاً:
فإنّي أنا الموت الذي هو واقع بنفسك فانظر كيف أنت مزاوله
فردّ جرير:
أنا الدهر يفني الموت والدهر خالد فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله
فخسر الفرزدق المرّة الثانية، فقال:
ندمت ندامة الكُسعيّ لمّا غدت منّي مُطلّقةٌ نَوارُ
وكانت جنّتي فخرجت منها كآدم حين لجّ به الضِّرارُ
كان جرير رقيق العاطفة، وهو الذي يقول في زوجته:
لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ ولزرتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ
وهو القائل في جمال العيون:
إنّ العيونَ التي في طرفها حَوَرٌ قتلْنَنَا ثمّ لم يُحيينَ قَتلانا
حجّ جرير، وكان على كلّ شاعر أن يذهب إلى دار سُكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب لينال رضاها على شاعريّته، فلم تأذن له، لقوله في حبيبته وقد زارته يوماً:
طرقتْكَ صائدةُ القلوبِ وليس ذا وقتَ الزيارة فارجعي بسلامِ
قالت سُكينة:
كان الأحرى به أن يقول: فادخلي بسلام
لأنّ الأنثى لا تُردّ بهذه الفظاظة، فعاد مكسوفاً
قال جرير في الفاسدين والأغنياء:
تركتُ عيالي لا فواكهَ عندهم وعند ابن سعد سكّرٌ وزبيبُ
تحني العظامُ الراجفاتُ من البِلى وليس لداء الركبتين طبيبُ

هو أبو حَزْرة جرير بن عطيّة بن حذيفة التميميّ، ولد باليمامة سنة 653 م - 33 هجريّة.

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"