كلمة الأديب والشاعر د. نوفل نيّوف في ذكرى أربعين الأديب الليبي ابراهيم حميدان
2024.01.28
د. نوفل نيّوف
"لا أذكر كيف انعقدت، في النصف الأوّل من تسعينات القرن الماضي، عُرى تلك الصداقة السلسة التي ترسّخت تلقائيّاً بيني وبين فقيدنا الراحل قبل الأوان، الأديب الساخر المثقّف والصحفيّ الألمعيّ اللمّاح إبراهيم حميدان، رحمه الله وطيَّبَ ذِكرَه وثراه.
كأنما لم تكُن هناك بدايةٌ لتلك الصداقة. كأن إبراهيم كان موجوداً في حياتي مثلما تكون في عائلةٍ، مع أقرباء وجيرانٍ لك، لا تفكِّر ولا يخطر لك على بالٍ أن تتساءل يوماً متى وكيف نشأ التعارف الذي سرعان ما تفتُّحَ شجرةَ صداقة دائمة
الخضرة والنماء.
لم يكن إبراهيم بين أوائل من عرفتُهم من المثقّفين الليبيين المقرّبين، نور الدين النمر، عمر الككلي وعاشور الطويبي، مع حفظ الألقاب، ولكنّه يظلُّ في عِداد أحبِّ أصدقاء حياتي الباقين في الذهن والقلب والذاكرة ما حييت.
كانت بسمتُه الدائمة، وألقُ عينيه، مرآةِ الروح، أناتُه المهذّبة، وملاحظاته النبيهة، وأحاديثه المركّزة الدافئة جزءاً عضويّاً من سحر شخصيّته المحبوبة المتواضعة بكبرياءٍ أصيل، كانت سراجاً لا يُستغنى عنه في سهرات شتاء مظلمٍ مديد.
اللقاءات والجلسات التي تجمعنا، بميعادٍ وعلى غير ميعاد، سواءٌ في مقهى أو بيت، في مربوعة أو شارع، في مناسبة أو ندوة أو في رابطة الكتّاب... كانت أشبهَ ما تكون بأعيادٍ صغيرة لا يحكمها إطار، برحلةٍ ارتجالية إلى أمكنة وأزمنةٍ تضيئها كتبٌ وتَلاقُحُ أفكارٍ، تداعياتٌ وذكريات، مُتعةُ حوارٍ واكتشافٍ، أحلامُ كبارٍ وأطفالٍ لا يكبرون. كأننا، في السر، لم نكن نريد أن نكبرَ ونشيخ. كأنّ الزمنَ مرتعٌ للتجارب وزرْعِ الأمل واختبارِ المجهول بحماسةٍ مكتومة وثقةٍ لا يسندها يقين. ذلك كان زمانُنا، وهكذا نحن. كنّا جيلاً، نخجل بألمٍ، ونكبح جموحَ خيالنا إلى "طوفانِ أقصى" مجيدٍ مستحيل!
كنّا نعيش هواءً ينفض غبار الذاكرة والأيام، يقلِّب صفحاتِ كتبٍ ومجلّات ومجرياتِ حياة لا تَشفي الغليل. نبحث عن جديدٍ، عن مدهشٍ أو بصيص وعدٍ يفتح ولو كوّةً صغيرة على أسئلةٍ وبواطنَ مؤرِّقةٍ، وفسحةً للاختلاف.
لم تكن همومُنا الشخصيةُ ولا مشكلاتُ العمل والحياة مادّة تشغلنا كثيراً في جلساتنا واللقاءات. كنّا نلتقي ونجتمع، كأنْ بتواطؤٍ مضمَرٍ مكتوم، لنشعر بالحياة، لنفتح معاً للروح نافذة ما تجلو ظلام سجنها الخانق، وتنعش ولو قليلاً زمننا اليابس السقيم.
ظلّ إبراهيم حميدان علَماً مرموقاً في الحياة الثقافيّة والاجتماعية الليبيّة، نزيهاً، متفانياً، مفعَماً بالاهتمام اليوميّ والنشاط المثمر الدؤوب حتّى آخِر أيّامه.
وداعاً، أيّها الصديق الحميم، إبراهيم حميدان! وداعاً لا يعوِّضه حزنٌ ولا عزاء".