أنا والبحر
2023.12.09
جمانة طه
بعد غياب طويل شدني اشتياق إلى مدينتي وبحرها.. فعدت، يسرقني حنيني إلى زمن ماض فأتوه في دهاليزه وأتساءل، من أين أبدأ؟
صور تملأ مساحة بصري، ووجوه بلا عدد تداعب ذاكرتي. رفيقاتي من الزمن الأول، ومشاويرنا بين شطوط الماء وحقول اليابسة.
زرت البحر..
فوجدته قد تَغرّب عن الأزرق إلى الأحمر. شباكهم تجرف خيراته، وسفنهم تغتال براءته.غابت عنه أسراب النوارس، والمائيات الصغيرة اختبأت في مسامات الصخور. ومع ذلك ما زلت أيها التليد المتجدد تميس في بهاء باذخ تهدر وتمور بدقة بندول. ترغي وتزبد، تصطخب وتهدأ، تعلو وتنخفض بألوان تتبدل وتتداخل بلوحة ربانية. دفّاق في الشتاء، حزين في الخريف، بسّام في الربيع، وفي الصيف مسالم ورخيّ.
وفي كل هذا لا تتوقف مياهك عن مشاكسة الصخور والحصى وعن منح الرمال تاجها السكّري.
كم كنت في فتوتي أهرب من تعبي إليك لأروّح
عن نفسي وأنا أراك تكركر بالضحك على مراوغة الأسماك لشباك الصيادين.
و يملؤك الطرب وأنت تسمع البحارة يصدحون ب هيلا هوب.هيلا هوب. اليوم أنا أمامك يا صديقي أجالسك شطًا وصخرًا ورملًا مثلما كنت أفعل بالأمس البعيد. يداي تداعب حصواتك وقدماي ترتاحان في مائك. وهناك نورس وحيد يقف على صخرة ناتئة منفردًا بامتدادك الخالب، يدني رأسه إلى سطح الماء لعله يحظى بسمكة تُسكت جوعه.لم ينجح، ينهض.. ويحط قرب صياد يحاول أن يقنص سمكة من وعائه، يهشُّ عليه فيطير إلى السماء مخذولًا.
هل تعلم يا بحر أني معك وأمامك ما زلت تلك الشابة التي كنتُها منذ عشرات السنين، أستلهم الجمال منك، والصبر من صمودك. يؤنسني هسيس محارك، ويرقص قلبي مع نسائمك. روحي تطير مع رذاذك، وعيناي تغضي من أناقة الكشاكش البيضاء التي تحف ثوبك الأزرق.
أيها المستبد..لا تغضب إن قلت إنك لاتؤتمن. فأنت تمنح الخيرات بيد، وبأخرى تصطاد كل ما يمكنك الفوز به من بشر ومراكب وسفن وأرزاق.
أَبحر في صحرائك المائية المئات من البشر، الواحد فيهم يساند الآخر. صدر الأم يحتضن الصغير، ذراعا الأب يطوقان الكبير، وآخر يخفف بيده الحانية من خوف صديق. لِمَ لَمْ تمنحهم فرصة الوصول إلى برّ يجدون فيه الأمان، ولِمَ آثرت الاحتفاظ بهم مائدة دسمة للحيتان؟
دعني أسألك: هل كنت ستحتفظ بكل هذا البهاء لو غاب عنك الصيادون والسفن والمراكب؟ هل كنت سترضى
بعزلتك لو توقف الناس عن مصاحبتك والسعي إليك؟
ما تراك كنت فاعلًا لو هاجرت من مياهك الأسماك والحصى والأعشاب، وحجبت الشمس لونك السماوي؟
جميل أن أرقبك عن بعد، والأجمل أن تعيش معي لحظاتي وأنا مبحرة فيك. كبر عمري على شطك المعطر بمائك والمكحل بأصدافك، ولأنك حقيقي لا أخشى من أن أستودعك أسراري، فدعني أجعل من شمسك ظلًا ومن رملك وسادة، وأقول:
عندماجئت بولديّ إلى هذه الدنيا كنت شابة نضرة الوجنتين، صحتي جيدة وهمتي عالية
قامتي هيفاء
عيناي صقر
وشعري بني اللون
ينسدل بعضعه على جبيني بغنج ودلال..
سهرت الليالي على راحتهما بسعادة وغسلت فضلاتهما بمحبة
....
زارتني الشيخوخة.
وهنت صحتي
فترت همتي
وصار..
الشعر أبيض
والجبين أجرد
والبصر أعشى
....
واليوم..
وهما بعيدان عني في الاغتراب
لا أجد عينًا تبصر طريقي ولا يدًا
تسند قامتي، ولا حنانًا يمسح على جبيني.
....
يا صديقي البحر
الوحدة جلفة وقاسية، لا تعرف الحنان ولا المواساة. إنها وبلا هوادة تقضم أيامي، وتطوي صفحاتها بلطف مرة وبقسوة مرات.
آهِ..كم أتوق إلى كتف أستند إليها، وأشعر معها بالدفء والأمان!
من نصوص كتاب"للبحر نوافذ" الصادر عن دار كنانة بدمشق.