كلمات تأبينية في شيخ المؤرخين السوريين د. عبد الله حنا
2023.11.08
فقدت الساحة الثقافية السورية والعربية أمس 7 تشرين الثاني أحد أهم فرسانها الذين تخصصوا بالتاريخ وعُرفوا بالالتزام الصارم بالموقف واحترام المبادئ التي آمن بها، وهي مبادئ انحاز بها صاحبها كلياً للفقراء والمهمشين والمضطهدين والمعذبين في الأرض، خاصة في بلاده.. فقدت سوريا أمس من كان نبيل الكلمة، طاهر الحرف، كريم المحتد.. فقدت سوريا أمس الدكتور عبد الله حنا.
وقد نعته ابنته ثريا حنا عبر صفحته كاتبة:
إلى متابعي وقرّاء صفحة المُؤرخ الدكتور عبد الله حنا
اليوم توفيَ والدي، المثَل الأعلى لي في ريعان صباي

عبدالله حنا
في عمرٍ يناهز الواحد والتسعين
لكنه الآن سيُدفَن بعيداً عن موطِنهِ الأم.......
على الأقل سيرقد في البلَد الذي تعيش فيه زوجتهُ، ابنتَاه وأحفادهُ
ستبقى مبادِئُكَ، خُلقُكَ الدَمِث وروحك الحلوَة السَمِحَة ترافقُنا مدى العُمرْ
إلى اللقاء يا بابا الحبيب
إبنتك ثُريا حنا
وفي هذه المناسبة كتب القيادي البعثي والوزير الأسبق أ. مروان حبش:
تعود معرفتي وعلاقتي بالمرحوم الدكتور عبدالله، الى عام ١٩٦٩، حين عودته من ألمانيا الديمقراطية، وكان قد عين مدرساً في احدى ثانويات مدينة حمص، وتلازماً مع قرار قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، بتأسيس جمعية الصداقة بين شعب الجمهورية العربية السورية وشعب جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وقررت القيادة تكليفي بتنفيذ القرار، وخلال ذلك رشح لي أكثر من رفيق وصديق الدكتور عبدالله ليكون عضوا في الجمعية، وبدوري اتصلت معه لأخذ رأيه، وحصلت على موافقته، وأثناء عقد اول مؤتمر لأعضائها في مبنى البرلمان، اسهم المرحوم الدكتور عبدالله بشكل فعال وإيجابي في مناقشة النظام الداخلي، وانتخب عضوا في مجلس ادارتها، الذي انتخبني رئسا للجمعية.
والمرحوم، كما عرفته وكما كتب عنه كل من عرفه، كان دمث الأخلاق وجم التواضع، غزير العطاء بأسلوب جذاب، ا
هتم بكتاباته بالقرية السورية وبأحوال الفلاحين، كتب عنهم مفصلا، من خلال لقاءات مع بعضهم، وبذلك كتب تاريخا لهم لم يتطرق اليه أحد قبله.وبعد اطلاقي من المعتقل، كان لقاؤنا دائما في مكتبة دار الوطنية الجديدة، وبعد رحيله الى ألمانيا مع زوجته الألمانية، للإقامة الموقتة مع بناته المتزوجات هناك، استمر تواصلنا عبر وسائل الواصل الاجتماعي، وكنت أتابع كتابته المتميزة على الفيسبوك وأعلق عليها أحيانا، كما كان بدوره يغني بتعليقاته على ما كنت إنشره، ويجملها أحيانا ببعض الفكاهات اللطيفة.
.لروحك الراحة والسكينة يا صديقي، ولرفاقك واصدقائك وذويك حسن العزاء
فيما كتب الصحفي أُبي حسن، رئيس تحرير موقع فينكس:
وترجّل فارس التاريخ..
كان الدكتور المؤرّخ عبد الله حنا كبيراً دون تكبّر، ولطيفاً ودوداً من غير تكلّف..
تعود علاقتي معه إلى مطلع القرن الحالي، وقبل معرفتي الشخصية به وزيارتي له في منزله في حي العدوي بدمشق، كان القائد الشيوعي الكبير، الراحل دانيال نعمة يُحدثني عن كتب د. حنا، ودوره في توثيق دور الحزب الشيوعي السوري في الحركة الفلاحية إبّان نضالها ضد الإقطاع..
قرأت معظم كتب الراحل الكبير، وفي كلّ ما قرأته له كنتُ أجده منصفاً لا يعرف التحيّز سوى لما يؤمن أنّه الحقيقة، السمة الأساسية لمنهجه في التأريخ هي الموضوعية ناهيك عن دراسته للظاهرة التي يتناولها من عدة جوانب وعدم حصرها بجانب واحد.
ولعله المؤرّخ السوري المعاصر الوحيد الذي اشتهر بزياراته الميدانية لما يريد توثيقه، فقد طاف سوريا من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها خلال توثيقه لتاريخ الفلاحين، وهو مؤلف مهم من عدة مجلدات، قام بتأليفه بتكليف رسمي في سوريا، ثم تم إعدام المجلدات بطريقة مؤلمة ومزعجة بعد طباعتها لأسباب ذكرها الراحل الكبير في صفحته (ونشرها حينئذ موقع فينكس)، ذاكراً بضعة أسباب (احتمالية) تسببت في الحكم بالإعدام على ذلك السفر النفيس الذي تبرع عزمي بشارة بطباعته قبل نحو العامين لكنه سرعان ماصار يماطل في الطباعة، والسبب كما ذكر د. حنا، كي لا يُزعج بشارة "جناب" الحكم الأردوغاني كون ذلك السفر النفيس يتحدث، وبلسان الفلاحين، عن مظالم الحكم العثماني (فهمت من د. حنا أن المجلدات طُبعت لاحقاً أو كانت في طريقها للطباعة بواسطة دار نشر موجودة في ألمانيا).
ولعله المؤرّخ السوري المعاصر الوحيد الذي اشتهر بزياراته الميدانية لما يريد توثيقه، فقد طاف سوريا من شرقها لغربها ومن شمالها لجنوبها خلال توثيقه لتاريخ الفلاحين، وهو مؤلف مهم من عدة مجلدات، قام بتأليفه بتكليف رسمي في سوريا، ثم تم إعدام المجلدات بطريقة مؤلمة ومزعجة بعد طباعتها لأسباب ذكرها الراحل الكبير في صفحته (ونشرها حينئذ موقع فينكس)، ذاكراً بضعة أسباب (احتمالية) تسببت في الحكم بالإعدام على ذلك السفر النفيس الذي تبرع عزمي بشارة بطباعته قبل نحو العامين لكنه سرعان ماصار يماطل في الطباعة، والسبب كما ذكر د. حنا، كي لا يُزعج بشارة "جناب" الحكم الأردوغاني كون ذلك السفر النفيس يتحدث، وبلسان الفلاحين، عن مظالم الحكم العثماني (فهمت من د. حنا أن المجلدات طُبعت لاحقاً أو كانت في طريقها للطباعة بواسطة دار نشر موجودة في ألمانيا).أما الظلم الذي حاق به، على خلفية انتمائه الشيوعي، فهو أمر أكثر من مزعج، فتصوروا أن دكتوراً في الجامعة، يُعين في مدرسة "أبي ذر الغفاري" للتعليم الابتدائي في القابون! ولهذا الجرح مكان آخر.
أسرني د. حنا برصانة ما يكتبه وبغزارة انتاجه وتنوع الجوانب التي تناولها في رحلته مع التاريخ، كما أسرني بلطفه ووده.
كان لي شرف تحفيزه على كتابة "محطّات في الذاكرة"، بغية نشرها في فينكس، قبل نحو أربعة أعوام أو أقل بقليل وقد نشرناها في حينها، وهي عبارة عن سيرته الذاتية التي نشرها الراحل الكبير لاحقاً، وأكثر من مرة، في صفحته الشخصية، وهي صفحة تعتبر مرجعاً مهماً في التاريخ السوري المعاصر.
قبل نحو الشهر، افتقدت كتابات د. حنا عبر صفحته، فأحلت -بيني وبين نفسي- سبب الافتقاد لأحد اثنين: -إما أحداث غز.ة والحرب عليها، وإما، وهو مارجحته أكثر، أنه يشكو من وضع صحي (بحكم العمر- 91 عاماً) يحول بينه وبين نشاطه المعتاد، لذا لم أتفاجأ بغيابه اليوم -جسداً- عن مسرح حياتنا، مخلّفاً وراءه سحابات عطر وقوارير فكر -شخصياً- لا أرتوي من الكثير منها.
عبد الله حنا، وباسمك الكبير، أستاذاً ومعلماً ونبراس عطاء وكفاح ونضال، لروحك السلام وليكن ذكرك كفكرك مؤبداً، وطوبى لك ما أنجزت.
أما الشاعر والأديب علم عبد اللطيف فقد كتب:
فقدنا بالراحل الكبير. علماً من اعلام الفكر. وقامة وطنية شامخة. نذر جهده وعطاءه للفقراء. فكتب ما يعد ريادة في شأن القضايا الفلاحية. وتابع تقصي تفاصيل المراحل التي مرت بها سوريا. بكل دقة وموضوعية. لا يطلق الآراء. ولا يلجأ للتنظير. يعتمد المشاهدة والشهادات الحية.
عملتُ على جمع مواده التي نشرها في كتاب ضخم مطبوع. أدركت مدى سعادته حين أرسلت له صورة
الغلاف.
الغلاف.عن شخصيته، وهو الأكاديمي الكبير، لم نر بمثل تواضعه. ونقاء روحه. عرفته في سجالات بيننا. يحب الشعر. شرح لي علاقته وتعلقه بالشعر. كلفني بكتابة نشيد للفقراء. على وزن نشيد القرى المشهور. وضمنه بحثا له. يعلق بعفوية الأطفال.. والله أخذت هذه القصيدة بمجامع قلب الشيخ عبد الله الديرعطاني يا علم.
قال لي منذ أشهر: "أنوي أن أزور سوريا. وسنلتقي. هذا اذا أمهلني العمر ادع لي يا علم". لم يمهله القدر. فغادرنا وهو يكتب وينشر. آخر مادة كتبها منذ أسابيع. لروحه آيات الرحمة والسلام. سيبقى لدى القراء معلما ومنارة فكر.
له منا بقاء الذكر. والوفاء.
أما الأديب قيس يوسف فقد كتب:
أحزنني كثيرا النبأ المؤلم صباح هذا اليوم الكئيب شأنه شأن كل يومياتنا في هذا الفراغ المتراكم، لأننا خسرنا مثقفا سوريا وانسانا عظيما ووطنيا نبيلا وذا خلق ومحبة، نقيا...
رحمك الله يا دكتور عبد الله حنا، وكم كنت أتمنى رؤيتك على أرض الواقع كما تعرفت عليك في هذا الفضاء الافتراضي وقلت لك ذلك وقلت لي: "انشالله ضل عايش وارجع لسوريا لبلدتي دير عطية وأرى جميع المحبين والمتابعين والقراء لصفحتي" التي أقول عنها أنا وكل القراء لها يشاطرونني ذات الرأي:
إنها ينبوع ثر من الثقافة والتأريخ والفلسفة السياسية والاجتماعية الدقيقة للحال السوري، وقارئها يرى في متن سطورها علاج هذا الواقع الأليم المريض لمن يريد ان يفعل...
رحمك الله يا دكتور حنا رحلت شأنك شأن الكثيرين من أبناء وطني في غربتكم اللاطوعية في زمن ليس زمنكم، ولم تختاروا ظروفه السياسية ولا الاجتماعية...
أو بالأدق لم ترحل لأن أمثالك الكبار باقون في الوجدان السوري عند كل ذات سورية حرة ونبيلة، وباق في ما تركت من كتب وأفكار ستخلدك
آثارها ومعانيها ما دامت هناك على مدى هذه الأرض حياة....
آثارها ومعانيها ما دامت هناك على مدى هذه الأرض حياة....لا ترثوا الدكتور حنا، وإنما كونوا كما كان في الفكر والوطنية والأخلاق السياسية والمحبة، لكل هذا الشعب الذي كتب عنه الدكتور الراحل الباقي في وجدان من عرفوه، الكثير من الكتب والتأريخ لواقعه منذ الحقبة الإقطاعية وحتى هذه اللحظة...
نعم رثاؤه يكون في نهل أفكاره والعمل بها...
لروحك السلام دكتور حنا شيخ المؤرخين، وأيقونة الفكر السوري والبقاء لله وعظم الله أجر الجميع...
أما الأستاذة حديجة حديد، فقط كتبت:
الأستاذ الباحث والمؤرّخ عبد الله حنا في ذمة الله
بالأمس تلقينا خبر رحيل الصديق العزيز ، المفكر الإنسان والأستاذ الباحث في شؤون تاريخ سوريا الحديث وصاحب المؤلفات العديدة التي تناولت حيّزا مهما من تاريخ انسان هذه المنطقة من العالم خلال مرحلة شديدة التعقيد من الصراعات متعددة المستويات حيث تناهبت أهلهَا نوائبُ الصراع والمعاناة بسبب الاستعمار العثماني والاوروبي والصهيوني والامريكي وغير هم، ولا تزال تشهد مزيدا من الصراعات حتى يومنا هذا .
الأستاذ عبد الله حنا والذي كان يحلو له ان يقول عن نفسه -عبد الله الديرعطاني- اضطلع بالبحث عن الجوانب المجتمعاتية وإدارة شؤون الحياة اليومية لشعب سوريا في الفترة الحديثة وأظهر حقائق كثيرة تجاهلتها مناهج الدراسة الاكاديمية واالتعليمية والاعلام الرسمي، فكان في كل مرة يدهش القارئ بكمية الشهادات الحيّة الموثوقةِ والمُسنَدِة عن كيفية تعاطي الشعب بكافة فئاته وخاصة تلك الفئات المستضعفة، مع وقائع الصراعات ونتائجها على حياة البشر. فكان يستحق بجدارة لقب مؤرخ الشعب السوري في القرن العشرين؛ كما أنّّه سعى بكل حصافة ان يؤرخ للحرب التي شهدتها بلده خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وأجبرته ان يموت بعيدا عن ذلك البلد. فكانت له بعض التدوينات التي استطاع جمعها من ابناء الشعب الذين طالتهم الحرب وهجرّتهم أو جعلتهم نازحين في مناطق بعيدة عن مناطق سكنهم... ولم يتوقف حتى وفاته، عن الكتابة والسعي لجمع الحقائق والشهادات الحية عن تلك الحرب المروّعة.
الاستاذ الصديق عبد الله الديرعطاني، خاض معترك الحياة متّمتعا بفكرٍ ناقد وعقلٍ منفتح وبصيرةٍ تنحاز الى جانب الحقّ والعدالةِ وليس إلى حانب سرديات السلطان الحاكم التي في غالبيتها مجتزأةٌ بل مزوّرة أحيانا او مضلّلة! فاستحق بسبب ذلك محبة الذين عرفوه شخصيا أو عرفوه عبر قلمه الصادق الصريح.
ها هو اليوم يغادرنا وهو في أتمّ تألقه وإنسانيته وقمّة عطائه الذي لم يتوقف على الرغم من تجازوزه الواحدة والتسعين عاما.
الرحمة لروح المناضل الإنسان التي سكنت جسد الصديق عبد الله والتي ستبقى خالدة خلود كتبه ومؤلفاته الكثيرة، والعزاء لكل الاصدقاء الذين فقدوا صوته المليئ بالفرح وبالمحبة.
العزاء لأهالي ديرعطية التي احبّها بعمق وباخلاص وخصّها بكتابٍ مشهودٍ، سرد فيه كثيرا من تاريخ ديرعطية.
العزاء لأهل سوريا الذين فقد وا بفقدان د. عبد الله أحد أعلام مؤرخي سوريا الحديثة بل ربما أهمَّهم على الإطلاق.
من جانبه، كتب مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر:
رحيل شيخ المؤرخين عبد الله حنا عن دنيانا البائسة
تنعي إدارة مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر الدكتور المؤرخ عبد الله حنا، وتتقدّم مع الفريق الفنيّ الذي يعمل على إصدار مجلدات مؤلفه: تاريخ الفلاحين وعلاقته بالأحداث السياسية، بالعزاء لزوجته المحترمة الدكتورة الألمانية سيجريد حنا، Sigrid Hanna المعروفة في أوساط دمشق الاجتماعية بحبها للناس ومساعدة المرضى في عيادتها واستقبالهم بكل ود، لاسيما أبناء الطبقات الفقيرة، كما يتقدم بالعزاء لابنتيه وأحفاده وأصدقائه وأهله.
كتب فقيدنا المؤرخ الكبير في صدر مقدمته لطبعة جديدة لكتاب (تاريخ الفلاحين وعلاقته يالأحداث السياسية) الشهير: "مؤلف هذا الكتاب فلاح ابن فلاح عاش في دير عطية ذات الملكيات الصغيرة، والتي عمل أهلها في الزراعة المروية والبعلية وتربية الغنم والماعز في براري دير عطية الواسعة والممتدة شرقًا إلى البادية، فحياة (الفلوحية) جزء لا يتجزأ من حياة كاتب هذه الأسطر حتى تَخَرّجِه عام 1958 من الجامعة السورية أيام عزّها"..
عبد الله حنا من مواليد ريف دمشق، بلدة دير عطية عام 1932، تحصّل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة لايبزغ، ألمانيا 1965، عمل مدرسًا في ثانويات دمشق بعدما رفضت الجامعات السورية بظل النظام الشموليّ تعيينه بسبب توجهاته اليسارية.. وقد عرف عنه مؤرّخًا جادًا، ومنذ مطلع السبعينيات كان ملهمًا للشباب الثائر حين تخصص بكتابة تاريخ الفلاحين وحركات العمال والأحزاب و... في سورية، ومن بين كتبه المنشورة: الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان (1973)، والحركة العمالية في سورية ولبنان (1973) ومشكلات الانتقال من الرأسمالية (1981)وحركات العامة الدمشقية في القرنين 18- 19، المرشدية في محيطها العلوي وأجواؤها السياسية والاجتماعية (1923 - 1946) وعبد الرحمن الشهبندر (1879-1940) وصور من حياة مجتمعات سورية القرن العشرين جمعها الدارسون في المعهد النقابي بدمشق، و المثقفون في السياسة والمجتمع، علام العقلانية والتنوير ومجابهة الاستبداد ؛ في عهد الصعود النهضوي والحنين الى أيام عبد الحميد في عهد الهبوط، و"الفلاحون وملاك الأرض في سورية القرن العشرين" و"صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية"، "ملامح من تاريخ الفلاحين" وآخر إصداراته: "تاريخ الفلاحين في سورية وعلاقته بالأحداث السياسية" الذي عدّل فيها لا سيما في المجلد الرابع، وأشرف على إجراء بعض التصويبات.
منذ ثمانينيات القرن العشرين أنهى المؤرخ الدكتور عبد الله حنا سِفره: تاريخ الفلاحين، بناء على تكليف اتحاد الفلاحين، ولكن بعد أن طبع الكتاب أمر حافظ الأسد بوقف توزيعه، ولم يستطع أحد أن يسأله السبب، وقد ذكر المؤرخ حنا في مقدمة طبعة الكتاب الجديدة: "في نهاية المطاف صدر الأمر بمنع تداول كتاب تاريخ الفلاحين المطبوع من كل مجلد عشرة آلاف نسخة من الورق المصقول، ونُقلت مجلداته الخمسة إلى معمل الورق في دير الزور لاستخدامها كعجينة لورق جديد"، ولعل الأسباب تعلقت بنظام البعث الشمولي وبطانة الحكم الفاسدة، وطائفية حافظ الأسد ومن كان حوله".
لقد استطاع المؤرّخ الشهير عبد الله حنّا أن يميط اللثام عن سلسلة لا نهائية من الصراعات والتغيّرات المقنّعة والسافرة حدثت في بلاد الشام، لاسيّما الحركات الفلّاحية وظروفها الصعبة التي مرت فيها، إذ إنّ التاريخ مفعم بأحداث غير متوقّعة.. وربّما شكّلت الأحداث في الدولة العثمانية أو الحركات العربية التي ناهضت سياساتها نهضات مختلفة عن مفهوم عصر النهضة في الثقافة الغربية.
ويؤسس في كتابه هذا لتوصيف الحاضر ومساءلة الماضي رغبة منه في إعادة بناء التراث وفق مقتضيات العصر النهضويّ واحتياجاته.
وقصد المؤرّخ عبد الله حنّا أن يقدّم التّاريخ بصفته تجربة معرفيّة تتضمن فاعليات نقديّة بغية التغيير، أراد أن يستنطق الشواهد فيه؛ ليبثّ الحياة في حاضر يتماوت فيه البشر، أراد أن ينتهي ببحثه تحريك ما هو راكدٌ في المجتمع، وإيقاظ الأمة من سباتها، عن طريق القراءة النقديّة للتاريخ تساوقًا مع قراءة الواقع الاجتماعيّ المتسم بالقهر والتخلف؛ للشروع في دروب عملية الخلق المتجددة.. وذلك باختراع الأسماء مجدّدًا وباجتراح الدلالات اللغوية والكشف عن المحجوبات والمحرّمات والتأصيل لمفاهيم عصريّة تستمدّ مشروعيتها من سيرورة تاريخنا المنفتح على الحضارات الإنسانية الأخرى.
وموقفه من أحداث الثورة السورية واضح، فهو انتصر للتغيرات التي جرت في البلاد، بل لم يعدّل كتابه الأساس، تاريخ الفلاحين، إلّا ليلقي الأضواء على الأسباب الموضوعية التي جعلت من ثورة شعب سوريا مأثرة من مآثر البطولة، وبهذا أضاف للعنوان عبارة: "وعلاقته بالأحداث السياسية"، ومن الجدير بالذكر أنّ الدكتور حنا أشرف على إعداد طبعة جديدة لمؤلفه هذا، لاسيما التصويبات في الحواشي وفي مئات المراجع والمصادر التي أصابها بعض الاضطراب نتيجة انتظار عشرات السنين لإعداد نسخة رضي عنها أخيرًا. وقد صدر المجلد الأول من جزأين، استلمه المؤلف في ألمانيا، وصدر المجلد الثاني بجزأيه، ولم يمهله الموت من استلام نسخه، والمجلدان الثالث والرابع تحت الطبع.
رحم الله المؤرخ الدكتور عبد الله حنا، وسلامًا على روحه الطاهرة، وعهدًا أن نبقى أوفياء لفكره الوقّاد الذي سعى من خلاله لإحداث تغيير في بنية المجتمع الذي نهشه التخلف بظل سلطات أنظمة اتسمت بالفساد والفئوية والقهر.
عبد الله حنا في سطور، بقلمه
- من مواليد ديرعطية في ريف دمشق 1932.
- حاز على إجازة في التاريخ من الجامعة السورية أيام عزّها 1958.

- نال شهادة الدكتوراة في الفلسفة (تاريخ) من جامعة لايبزغ عام 1965. عنوان اطروحته: "حركة التحرر العربية في بلاد الشام في مستهل القرن العشرين".
- سُدّت في وجهه أبواب جامعة دمشق بسبب سياستها الشمولية.
- عمل مدرسا للتاريخ في ثانويات درعا ودمشق، ثمّ أُبعِدَ عن التدريس تعسفا "منفيا" إلى مديرية زراعة ريف دمشق بين عامي 1974 و 1980.
- خريف 1980 نُقل إلى مدرسة ابو ذرالغفاري الإبتدائية في القابون من ضواحي دمشق.
- عمل مدرسا لمادة تاريخ الحركة العمالية العربية في المعهد النقابي المركزي، التابع للاتحاد العام لنقابات العمال.
- أُعيد - مغضوبا عليه – من القيادة البيروقراطية لاتحاد نقابات العمال إلى تدريس مادة التاريخ في ثانوية فايز منصور بدمشق. ويعود سبب "الغضب" إلى فضحه لممارسات البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية في نهب القطاع العام ومال الشعب.
- عمل في الاتحاد العام للفلاحين لكتابة تاريخ الفلاحين وقام في عامي 1984 و1985 وبمعونة اتحاد الفلاحين في جولات ميدانية قابل خلالها أكثر من 400 فلاح من جميع المحافظات.
- لم تَرُقْ كتابة التاريخ الواقعي للفلاحين القيادة الحاكمة فقامت بإتلاف (فرم) المجلدات الثلاثة حول المسألة الزراعية والحركات الفلاحية وإررسالها لمعمل الورق في دير الزور.
- ولهذا طلب المؤلف عام 1987 الإحالة على التقاعد في سن مبكرة صونا لكرامته.
- وهو منذ ذلك الحين متفرغ للبحث والتأليف في التاريخ الإجتماعي المغَيَّب من معظم المؤرخين السوريين.
- من الموقعين على "بيان 99" (وهم 99مثقفا طالبوا في سبتمبر 2000 بإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية المطبقة في سورية منذ عام 1963).
- شارك في منتديات ربيع دمشق (2000 – 2001) المطالبة بالتغيير الديموقراطي، وألقى محاضرة بعنوان: "المجتمعان الأهلي والمدني في الدولة السورية الحديثة".
صدر له
- الاتجاهات الفكرية في سورية ولبنان (1920 – 1945) دمشق 1973.
- الحركة العمالية في سورية ولبنان (1900 – 1945)، دمشق 1973.
- الحركة المناهضة للفاشية في سورية ولبنان (1933 – 1945)، بيروت 1975.
- القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سورية ولبنان (1820 – 1920) ج1، بيروت 1975.
- القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سورية ولبنان (1920 – 1945)، بيروت 1975.
- تحركات العامة الدمشقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نموذج لحياة المدن في الإقطاعية الشرقية، بيروت 1985.
- المسألة الزراعية والحركات الفلاحية من الاحتلال العثماني حتى الاستعمار الفرنسي، دمشق 1986.
- المسألة الزراعية والحركات الفلاحية في مرحلة الحكم البورجوازي الإقطاعي (1943 – 1959)، دمشق 1986.
- دراسات ميدانية عن حياة الفلاحين ونضالهم خلال النصف الأول من القرن العشرين. دمشق 1986.
- من الاتجاهات الفكرية في سورية – النصف الاول من القرن العشرين. دمشق 1989.
- عبد الرحمن الشهبندر (1879 – 1940) علم نهضوي ورجل الوطنية والتحرر الفكري، دمشق 1989.
- العامية والانتفاضات الفلاحية في جبل حوران (1850 – 1918)، دمشق 1990.
- النهضة والاستبداد. دمشق 1994.
- المثقفون في السياسة والمجتمع (الأطباء) دمشق 1996.
- المجتمعان الأهلي والمدني في الدولة السورية الحديثة (1850 – 2000)، دمشق 2001.
- دير عطية: التاريخ والعمران من الوقف الذري إلى المجتمع المدني (أواخر القرن الثالث عشر إلى منتصف القرن العشرين)، دمشق 2002.
- الفلاحون وملاك الأرض في سورية القرن العشرين. بيروت 2003.
- الفلاحون يروون تاريخهم في سورية القرن العشرين. حلب 2009.
- أعلام العقلانية والتنوير ومجابهة الاستبداد "في عهد الصعود النهضوي والحنين إلى ايام عبد الحميد في عهد الهبوط". حلب 2010.
- الحركة الشيوعية السورية، الصعود والهبوط (دراسة تجمع بين التاريخ الشفهي والتاريخ المكتوب).دمشق 2008
- الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وخلفياتها الإجتماعية (مخطوط).
- الإستبداد السلطاني لعبد الحميد متسترا بعباءة الخلافة بين مؤيده ومعارضيه (مخطوط)
*****
***
سأتوقف عن النشر لمدة اسبوعين. الموضوع الجديد على صفحتي سيتناول: "المسألة الزرااعية والحركات الفلاحية في بلاد الشام من القرن السادس عشر إلى يومنا هذا. وسأسميه "تاريخ الفلاحين" وهو مؤلف من أربعة مجلدات لم تعجب المباحث السلطانية السورية لأنه يكشف الاستثمار الطبقي، فأمرت بتمزيق الكتاب 1998 وإرساله إلى معمل الورق في دير الزور لاستخدامه كعجينة.
وبعد زمن وبمبادرة من الدكتور عزمي بشارة المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، جرت عملية إعادة أو تحضير طبع كتاب تاريخ الفلاحين لحساب معهد عزمي بشارة الممول من المال الغازي في قطر. وفجأة وقبل شهر ونيّف أبلغني القائم على الطباعة في قطر بأن كتابي لن يُنشر لأسباب وجد لها أعذارا، سترد فيما بعد. وسبب إحجام المعهد العربي عن النشر حسب تقديري هو:
السطوة العثمانية الأردوغانية، التي لها في الدوحة عاصمة قطر موطئ قدم. وبما أن كتاب الفلاحين يتناول في مجلده الأول الأقطاعية العثمانية "حبيبة قلب أردوغان". وهكذا وقع كتاب الفلاحين ضحية العلاقة الوثيقة بين أردوغان وحكام قطر .
وهنا تذكرت كراس يوسف إبراهيم يزبك الصادر في بيروت 1939 بعنوان: "النفط مستعبد الشعوب"...
وأضيف أيضا: "الغاز خانق الشعوب".
وإلى حلقات قادمة مستمدة من كتاب تاريخ الفلاحين، الذي تتكسر سهام مخابرات دمشق وغاز الدوحة على جسمه الصامد إلى أن يرى النور في قادم الزمن.
الصورة الرئيسة والعليا، للدكتور عبد الله حنا في حديقة داره بدمشق - العدوي في العام 2010 وخلفه شجرة النانرج التي وغرسها بيديه، وهي بعدسة المهندس لؤي نعمة.