بوذا والديانة البوذية
2023.10.03
مروان حبش- فينكس
لما شبَّ بوذا وجد القيعان والشوارع والغابات في شمال الهند، تتجاوب كلها بأصداء نزاع فلسفي، كان ينحو نحواً مادياً إن الدين هو لب الحياة الهندية وصميمها، ولم تبلغ العقيدة الدينية من القوة أو الأهمية في أقطار الأرض ما بلغته في الهند، وكانت الأفضلية هي للروح لا للجسد، هي للحيوات الآتية التي لا نهاية لعددها لا لهذه الحياة العابرة.
ويبقى التساؤل قائماً عن الظروف التي استدعت ظهور ديانتين جديدتين في الهند، في فترة واحدة "الجاينية والبوذية" ما بين القرنين السادس والسابع قبل الميلاد، تدعوان إلى التقشف والتشاؤم، كما في الصين أيام كونفشيوس، وفي اليونان أيام بروتاجوراس(1). لعل الانحلال العقلي للديانة القديمة الذي أدى إلى شك وفوضى في الأخلاق كان الدافع لظهور هاتين الديانتين اللتين كانتا بمثابة رد فعل من جانب الدين في مقاومته لمذاهب اللذة التي أخذت بها فئات من الناس ونعمت في حياتها.
تحكي الروايات إن والد بوذا كان ملكاً على "كابيلا فاستو" عند سفح هيمالايا، ولقد غمس نفسه في الملذات، ويحدد العلماء مولد بوذا ما يقرب من سنة 563 ق.م، وتتناول الأساطير قصته، وتكشف لنا عن الغرائب التي قد تحدث حين تحمل الأمهات بأعلام الرجال.
أعلن عن الاحتفال بالبدر، وبدأت والدته الملكة "مايا" قبل موعد البدر بسبعة أيام تقيم حفلاتها بالعيد، ووقت اكتمال البدر في اليوم السابع استيقظت واستحمت، وتزيَّنت، وأحسنت للفقراء، ثم دخلت مخدعها المزدان، واستلقت على سريرها، فأخذها النعاس، ورأت حلماً فسَّره أعلام البراهمة بأن الملكة تحمل ولداً ذكراً، ولو سكن ذلك الولد بيتاً فسيكون ملكاً على الدنيا بأسرها، وأما إن ترك داره وخرج في أحضان العالم فسيصبح "بوذا أي المستنير"، وسيكون في هذا العالم رافع غشاوة الجهل عن أعين الناس.
وعند مولده، ظهر في السماء ضوء لامع، وسمع الأصم، ونطق الأبكم، واستقام الكسيح على ساقيه، وانحنت الآلهة من عليائها لتمد له أيدي المعونة، واقبل الملوك من نائي البلاد يرحبون بمقدمه. وتضيف الأساطير ما أحاط نشأته من أسباب العز والترف، وعاش عيشة الأمير الهانئ في ثلاثة قصور "كأنه إله"، وكان والده يقيه شر الاتصال بما تعانيه الحياة البشرية من آلام وأحزان.
جلس بوذا عند "أقدام" الحكماء حتى أتقن دراسة النظريات الفلسفية التي كانت معروفة في عصره، وتزوج وأصبح والداً سعيداً بحياته.
يروي أتباعه بأن شخصيته كانت واضحة المعالم والحدود، فهو قوي الإرادة، صادق الرواية، وديع المعاملة، رقيق الكلام، محسن احساناً لا ينتهي عند حد معلوم، محباً للسلام. ولما شبَّ، كانت الجماعات في شمال الهند تتحاور كلها بأصداء نزاع فلسفي ينحو نحواً مادياً، وخرج من قصره ذات يوم إلى الطرقات حيث عامة الناس، واهتدى سواء السبيل، وفكر لنفسه: (ما دمت أنا نفسي ممن تجوز عليهم الولادة فماذا لو بحثت في طبيعتها... فلما رأيت ما في طبيعة الولادة من تعاسة، جعلت أبحث عمَّن لا يولد، أبحث عن "النيرفانا" أي السكينة الكاملة.. إن الموت هو أصل الديانات كلها، ويجوز لو لم يكن هناك موت لما كان للآلهة وجود، هذه الفكرة كانت بداية التنوير عنده، وصمم أن يترك أباه وزوجته وابنه الرضيع، وبعد تجوال، اتجه نحو مدينة بنارس المقدسة وهناك بدأ يبشر بمذهبه وأخضع نفسه لأشق أنواع التقشف، ورياضة النفس "اليوغا". ولخص ديانته في عبارات مركزة، أريد بها تسهيل وعيها على الذاكرة، وركز عقله في فناء الكائنات وعودتها إلى الحياة في ولادة جديدة، وبنظرة قدسية مطهرة إلهية، رأى الكائنات الحية تمضي ثم تعود، فتولد دنيَّة أو سنيَّة، خيِّرة أو شريرة، سعيدة أو شقيِّة، حسب ما يكون لها من فعل في حياتها هذه أو في حياة تالية تتقمص فيه الروح جسداً آخر.
من هذه الرؤيا ازدرى الحياة البشرية ازدراءً، وبما أن الولادة هي أم الشرور جميعاً، فلماذا لا يوقفها طالما أن التقمص للروح يتيح لها أن تُكَفِر عما ارتكبت من شرور في حيواتها الماضيات. إذن لو استطاع الإنسان أن يحوم بفكره حول ما هو أبدي خالد، عندئذ يجوز أن يجنب نفسه العودة إلى الحياة، وتتحد نفسه باللانهاية اللاواعية، ويمكن أن تظفر بالسكينة الكاملة "النيرفانا(2) .
ولقد زعم لنفسه (الاستنارة)، ولكنه لم يدَّعِ الوحي أو أنه يتكلم بلسان إله، وكان ممتنعاً عن قتل الكائنات الحيَّة على اختلافها، وكانت عباراته التعليمية المقتضبة هي الحقائق السامية الأربع التي شرح فيها رأيه بأن (1-الحياة ضرب من الألم، 2-وأن الألم يرجع إلى الشهوة وخاصة الجنسية منها التي تؤدي إلى الولادة من جديد، 3-وأن الحكمة أساسها قمع الشهوات جميعاً، 4-والقمع يكون بسلامة الرأي، وسلامة النية، وسلامة القول، وسلامة العيش، وسلامة الجهد، وسلامة ما تعنى به، وسلامة العقل، وسلامة التركيز).
وكانت عقيدته تؤكد أن الألم أرجح كفة من اللذة في الحياة الإنسانية، وخيرٌ للإنسان ألاَّ يُولد. وكان لا يجيز الانتحار لأن روح المنتحر، بسبب ما يشوبها من أدران، ستعود فتولد مجدداً في أدوار أخرى من التقمص حتى يتسنى لها نسيان نفسها نسياناً تاماً. وصاغ لأتباعه خمس قواعد للاهتداء بها وهي: (عدم قتل أي كائن حي- عدم أخذ ما لا يُعطى لك- عدم قول الكذب- عدم شرب أي شراب مسكر- عدم الإقامة على دنس).
كانت فكرة "بوذا" عن الدين خلقية خالصة، وكل ما يعنيه هو سلوك الناس، وأما الطقوس وشعائر العبادة واللاهوت، فكلها لا تستحق النظر، واللانهائي أسطورة وخرافة من خرافات الفلاسفة، وكان يسخر من المحاورة في موضوع نهاية الكون أو لا نهائيته، ويرفض أن يبدي رأياً عمَّا إذا كان للكون بداية أو نهاية، ثم إذا كانت النفس هي البدن أو شيئاً متميزاً عنه، ويسمي هذه الأطروحات "غاية التأمل النظري وصحرائه والتوائه وتعقيده"، ويتهكم بقوله: (إن الآلهة أنفسهم، لو كان لهم وجود، لما كان في وسعهم أن يجيبوا عن أمثال هذه التساؤلات). وأن القدسية والرضى لا يكونان في معرفة الكون والله، وإنما يكونان في العيش الذي ينكر فيه الإنسان ذاته، ويعطي كافة الناس إحساناً. ويربأ بنفسه عن الرُقى والدعاء، وبذلك يقدم للناس ديناً حراً أكمل الحرية، والتحرر من جمود الفكر، وصناعة الكهنوت، ويفتح طريق خلاص للكافرين والمؤمنين على السواء.
لا يهاجم بوذا نظام الطبقات مهاجمة صريحة، ولكنه كان يقول لتلاميذه: (انتشروا في الأرض كلها، وقولوا للناس إن الفقراء والمساكين، والأغنياء والأعيان، كلهم سواء، وكل الطبقات تتحد لتجري في مجرى واحد، وتصب في مكان واحد). وكان مرهف الحساسية للألم والقتل الذي ينزل بالكائنات الحية، لذا رفض التضحية في سبيل الآلهة، ورفض كل اعتقاد وكل عبادة لكائنات أعلى من الطبيعة، وكان يرى أن الكون ليس من خلق شخصية إلهية، ولكنه لا يحرم عبادة الآلهة الشائعة بين الناس، ويسخر من فكرة إرسال الأدعية إلى المجهول، ولا يجعل جزءاً من عقيدته جنَّة ولا مطهراً ولا جحيماً، ويرى أن الحياة دوامة تدور وحركة ما تنفك في تغير دائم، وأن الحقيقة الميتافيزيقية النهائية في هذه الحياة هي التغير.
يطرح "بوذا" لاهوتاً بغير إله، وعلم نفس بغير نفس، ويرفض الروحانية في شتى صورها حتى في حالة الإنسان، وكل ما يعرفه الإنسان هو احساساته، ويرى أن المادة كلها ضرب من القوة، والعناصر كلها نوع من الحركة، والحياة تغير مستمر، وهي مجرى دافق محايد من صيرورة وفناء.
كلما دنت حياته من نهايتها راح أتباعه يؤلهونه، على الرغم من أنه كان دائماً يحفزهم على الشك في صحة ما يقوله لهم، حتى يفسح لكل منهم مجال التفكير الحر أمام نفسه، ورغم ازدرائه للمعجزات، انتحل تلاميذه ألاف الحكايات من الأعاجيب التي تمت على يديه، حتى أن مجلس "كانشكا" للاهوتيين البوذيين، الذي انعقد عام 241 قبل الميلاد، أي بعد أكثر من قرنين من وفاته قد أعلن ألوهيته، وأحاطوه بالملائكة والقديسين.
مات بوذا عام 483 ق. م، وهو في عامه الثمانين، وكانت آخر كلماته لرهبانه: (والآن أيها الرهبان، ها أنا ذا أوجه لكم الخطاب بأن كل ما هو مركب مصيره إلى الفساد، فجاهدوا جهاد المخلص الجاد).
ويظهر أن العقيدة البوذية التي أرادت أن تستغني عن الكهنوت، كانت بالفعل قد كونت لنفسها طبقة من النساك الرهبان لا تقل عن آلهة البراهمة "الهندوس"، ولن يطول الأمد بعد موته حتى يحيطوا أنفسهم بكل أسباب المجد.
إن البوذية رغم ما فيها من عناصر الشمم - وهي فلسفة للمنبوذين، ولا يغير الموقف أن ينطق بها أمير- ترمي إلى وجوب الزهد في كل شهوة وفي كل كفاح، وحتى لو كانت الشهوة وكان الكفاح من أجل الحرية الفردية، أو الحرية القومية(3)، مثلها الأعلى هو حالة جمود لا يعرف الرغبات.
ومع أن الديانة البوذية انقسمت بعد وفاة مؤسسها إلى فرق متعددة، وفي الهند أنهتها البراهمية ودفنتها بـ "ضمة أخوية" بعد أن كان بوذا قد أضعف الزعامة الفكرية للبرهمة في الهند، فإنها انتشرت في بلدان جنوب شرقي آسيا كاليابان، وبورما، وسريلانكا "سيلان"، والصين، والتيبت، ومنغوليا، وكوريا، وكمبوديا، وقيتنتام.......
__________________________________________________
(1)بروتاغوراس فيلسوف يوناني في القرن الخامس قبل الميلاد، كان يعتقد أن الإنسان هو مقياس الأشياء جميعها، وأن الخير والشر، والصح والخطأ... يجب أن تحدد بحسب حاجات الإنسان.
(2)النيرفانا عند بوذا هي: اخماد شهوات الفرد كلها للفرار من العودة إلى الحياة (التقمص)، وتقتضي العدم، أي ثواب التقوى في أسمى منازلها، بأن لا يعود التقي إلى الحياة مجدداً. وهي حالة من السعادة يبلغها الإنسان في هذه الحياة باقتلاعه لكل شهواته الجسدية اقتلاعاً تاماً، وانعدام شعور الفرد بفرديته، ورضى النفس رضى تاماً بحيث لا يعنيها بعدئذٍ أمر نفسها، وفردوس من السعادة بعد الموت.
(3) في القصيدة المسماة أنشودة المولى (بها جافاد- جينا400 ق. م ) نقدٌ للروح الهندية من الهمود الذي فرضته الديانة البوذية، وتدعو لإيقاظها كي تحارب من أجل الهند، والقصيدة ثورة (المقاتلين) الذين أيقنوا أن الدين يوهن الأمة.