كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بمناسبة ترجمة "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل إلى العامية المصرية بـ"عزبة البهايم"

علي بدر- فينكس

أول دعوة مرموقة طرحها مثقف عربي لاستبدال الفصحى بالعامية هو فارس نمر في العام 1888 عندما أصدر "فيلهم سبيتا" كتاباً عن العامية المصرية داعياً الى ترك الفصحى والكتابة باللاتينية.
انخرط يومها فارس نمر في الدفاع عن فكرة سبيتا بقوة، أيده يعقوب صروف، وهاجمهما رشيد رضا بمقالتين مشهورتين.
في الأربعينيات انخرط عبد العزيز فهمي في نقاش مماثل في القاهرة، أيده أنيس فريحة في لبنان، ونيقولا يوسف وحمدي ابراهيم الملا. بعدها جاءت الدعوة الفينيقية من مي غصن وسعيد عقل، حينها كتب يارا ويردلي، ثم برز نقاش حاد بين أعضاء مجلة شعر حيث تفرد يوسف الخال بالدعوة العملية للعامية وكتب بها مقالات نقدية، عارضها آدونيس وشوقي أبو شقرا، وانفرط عقد مجلة شعر لهذا السبب. وهو May be an image of textما أطلقوا عليه حاجز اللغة.
بعض هذه الدعوات دون شك أيديولوجية تخص مكانة الأقليات داخل الجماعة العربية المسلمة، ولكن بعضها الآخر هي نقاشات عقلية ثقافية محضة، نقاشات امتدت لسنوات. والمضحك أنها كلها أديرت بالعربية الفصحى وليس بالعامية.
ثمة دعوات تصل الى القرن السادس عشر، مدرسة باسيلوس للعامية في روما. دعوات أخرى طرحها مستشرقون مرموقون مثل سيمون جارجي، كارل بروكمان، ويليام ويكليكس "أقل مكانة" كارلو وندنبرك، جاك بريسينيه، جاك بيرك الذي كتب كتابه المهم اللغات العربية ايحاء بأن اللهجات العربية هي لغات.
كل هذه الحركات والدعوات فشلت لا لأسباب قومية كما يدعي القوميون ولا لأسباب دينية كما يدعي الدينيون، انما لديناميكية وحيوية اللغة العربية الفصحى.
المقاربة مع اللاتينية كلغة دينية وانحطاطها الى اللهجات الرومانية مثل الفرنسية والاسبانية والإيطالية مقاربة خاطئة. اللاتينية لغة دينية وتوقفت عند حدود الشرع في البحث في الكتب المقدسة، اللغة العربية لغة حضارة كاملة لم ولن تكن لغة دينية وإن نزل بها القرآن. كتب بها مسيحيون أناشيدهم الطقسية، كتب بها أحبار اليهود قصصهم الروحية. جمعت شعراء الخمرة والمتصوفة والزنادقة والملعونيين بالحرف نفسه، وتركت لنا آلاف المخطوطات في الأدب الايروتيكي كما عدها صلاح الدين المنجد.
عاشت العامية إلى جوارها ولم تقهرها ولم تحل محلها، طوال تاريخها استخدمت العامية استخدامات عملية وعاطفية وأعانت الفصحى ودخلت عليها حتى في الآداب. لكنها لم تقهرها أو تحل محلها. لقد ضاقت العامية على الفكر الفلسفي والعمق والشعرية العالية والعلوم، وارتضت لنفسها مكاناً منزوياً، وبقيت الدعوات كما جاءت أول مرة ويقال في القرن السادس عشر حينما تأسست مدرسة باسليوس في روما للغات العربية المحكية والى اليوم صخباً ما أن يظهر حتى ينطفي.
وتطويراً لنقاش العامية والفصحى أقول: ما وجدته تقريبا ان الحجج المستخدمة في نقاش الفصحى والعامية ما زالت ذاتها منذ القرن التاسع عشر ولم تأخذ بنظر الاعتبار التطورات الكبيرة التي حدثت بعد ثورة الميديا، القول بأن العربية الفصحى لغة جامدة ولم تتطور هذا الامر عار عن الصحة، بل تفاوضت الفصحى مع العامية على مدى عقود ولم تنجح فقط في ثورة الميديا كلغة أساسية في الاخبار وحتى في النقاش، حيث لم تعد لغة النقاش العامية ذاتها انما استعارت العامية من الفصحى أيضاً كل امكانياتها، بل تعدت الى الشكل المكتوب في الرواية وفي الشعر وجميع الاشكال الأدبية الأخرى، وأصبحت اللغة المكتوبة سهلة في السوشيال ميديا حتى ممن لهم ثقافة بسيطة،.
ما أردت فعله في العام ٢٠٠١ حينما شرعت بكتابة روايتي الاولى بابا سارتر في التقريب بين العامية والفصحى حتى في القواعد، مثل استخدام الأفعال الناقصة مع الفعل المضارع مجاراة للعامية وكان هذا صعبا بالنسبة لحراس اللغة، اوMay be an image of 1 person and text استخدام المفردات العامية وادخالها في السياق الادبي ياتي الان في الرواية المكتوبة على يد الشباب سهلاً جداً.
كما اتساع رقعة القراءة والاقبال الكبير على قراءة الرواية في العالم العربي هو واحد من الأدلة على اقتراب الفصحى من الفهم وهذه كلها من ديناميكية اللغة العربية. أما مقارنتها باللاتينية، كما فعل المستشرقون مثل فيلهم سبيتا وسيمون خارجي بعده وجاك بيرك واخذ به بعض المثقفين العرب هو أمر خاطئ جدا، اللهجات العربية لهجات منحطة عن اللغة الام وليست بعيدة كما بين اللاتينية والفرنسية، صعوبة فهم اللهجات المغاربية بالنسبة لاهل المشرق بسبب مركزية الثقافة في المشرق العربي وهذا اسبابه التاريخية كثيرة، الاستقلال المبكر للمشرق العربي، الثورة اللغوية التي دشنها المسيحيون الشوام في تحويل اللغة العربية من سياق ديني الى سياق دنيوي، منذ جهود جرمانوس فرحات (منذ القرن الثامن عشر، وهذه صنعت أساليب متطورة وسهلة للاستخدام اللغوي جعلت المشرق مركزا، ولذلك نجد المغاربة يتكلمون اللهجات المشرقية بسهولة ويفهمونها بسهولة.
مع ذلك ماذا نقول عن المشارقة الذي قطنوا في المغرب العربي لم يحتاجوا الكثير للتكلم او لفهم اللهجات المغاربية هذه من وجهة نظري لهجات وليست لغات، تحمل كل ما تحمله الفصحى على مستوى السنتاكس، الاختلاف هو سيمونتيكي على مستوى استخدام مفردات امازيغية أو فرنسية تم تطويعها للعربية في المغرب العربي، مثلما تم تطويع الكثير من المفردات اليونانية او الفارسية او التركية في المشرق العربي في الاستخدام العربي العامي.
القول بأننا مزدوجو اللغة وان العامية لغة نحن نفكر بها ونكتب بالفصحى هذه اسطورة. انا ترجمت مثلا فيخته هل كنت افكر فيه بالعامية واكتبه بالفصحى؟... هذا الكلام مضحك جدا.. نحن نتناقش ونكتب ونعيش في سياق لغة واحدة متعددة المستويات مستويات مكتوبة ومنطوقة ومفكر بها، لكن السنتاكس واحد.
الصورة لروايتي بابا سارتر مترجمة للفرنسية قبل عشرة اعوام يذكرني الفيس بوك الان بها، خضت نقاشا كبيرا مع نفسي اثناء كتابتها، وخصوصا في الحوار هل اكتبه بالعامية ام بالفصحى، من هنا وجدت ان تسكين أواخر الفصحى يقترب كثيرا من العامية وبالامكان كتابات لغة عربية قريبة من فهم ابن الشارع.
 
 
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"