أمين الريحاني: ذكرى الزعيم الشهيد* (في رثاء الدكتور عبد الرحمن الشهبندر)
كتب فيلسوف الفريكة العلّامة أمين الريحاني في أربعين الشهيد النهضوي الدكتور عبد الرحمن الشهبندر, الذي أشارت المعطيات يوم اغتياله إلى ضلوع الكتلة الوطنية ورجالاتها في تصفيته, النصّ التالي:
سورية أُمُّنا, رحماك.
إن في قلبك إيماناً خالد الاخضرار, كالغار,
وعطفاً ذا نور وثمار,
وورعاً من شجرة الرسل الأطهار.
وإن في روحك وحياً بعيد الرؤى, بعيد القرار.
فهل تجيء يمينك بما ليس في روحك وقلبك؟
هل يأكل أبناؤك الحنظل, ومن يد أبنائك؟
***
سورية أُمُّنا, رحماك.
إنك في كل يوم تذكرين, رب العالمين-
بألف ألف لسان تذكرين, وتبتهلين.
وإن الذين جاهدوا في سبيلك, ويجاهدون,
لأقرب إليه تعالى من المسيطرين, وإن عدلوا,
ومن السفهاء الأشقياء, وإن قالوا إنّا مسلمون[1].
سورية أُمنا, رحماك
إن في قلب الزمان فكرة مفكرة سكرت بها الأمم العظمى,
فطفرتْ, وبطرتْ, وطغتْ.
وأنت البعيدة من أغراض الزمان الطاغوتية
أنت النائية عن براكين تقذف بحممها في
شعوب أثيمة, وشعوب ضالة وشعوب مضللة,
يهدمون العالم ليسودوه.
فهلا اعتصمت بنايكِ الحاضر, وورعك القديم,
فلا توالين الزمان, المعادي اليوم للإنسان؟!
***
سورية أُمّنا, رحماكِ.
فمن ذا الذي يسأل غداً إلاكِ؟
أنتِ المجردة, وأنتِ المسددة السهام.
أنتِ المثمرة, وأنتِ المنعشة الأحلام.
أنتِ النافخة بالصدر, الحاملة العلم والمشعال
فما هذا التهامس في الظلام؟
***
رحماكِ, أُمنا, رحماكِ.
لقد تعددت الخطوب, وما جُبرت القلوب.
فبالأمس يوسف وفوزي وإبراهيم وسعيد[2].
واليوم عبد الرحمن[3],
المسربل بجلال العلم, وهول العصيان,
في سبيل حق جريح مستهان.
المؤاسي الكريم, والمجاهد العزيز الحكيم,
صُنو ابراهيم,
ورسول يوسف, الشهيد الأول, إلى المجاهدين بعده.
تباركت سُدة المجد الموحدة الأركان.
وتبارك ذكر أربابها أجمعين.
فهم الأخوان, لابراهيم وعبد الرحمن.
وهم المستبسلون في ساحات النضال, والقتال,
بالمنفى والسجون يرحبون, وللحديد والنار يبسمون.
أنهم جميعاً أبناؤك-
أبناؤك بالأمس, وأبناؤك اليوم وغداً-
أبناؤك الأحرار الأبرار.
فرحماكِ, أُمنا, رحماكِ.
***
أتسترحمون الأمّ الحزون, أخت نكبات الدهور؟
أوَتنشرون العزاء عند من في صدرها تعددت القبور؟
فلو جُزّئت قسمتي من النكبات,
ووُزِّعتْ في الأمم,
لعُد كل جزءٍ منها مصيبة كبرى.
فمتى تتساوى المصائب والشعوب؟
متى يعود الله إلى عرش رحمته؟
ومتى يعود إلى عرش عدله؟
العدلَ العدلَ, الرحمةَ الرحمةَ!
العدل للأمم الكبرى, والرحمة للمستضعفين من الشعوب.
فهناك حبوس, يجب أن تهدم.
وهناك عروش يجب أن تحطّم تحطيماً.
حبوس الفِكر الوطنية,
وحبوس المحبة المصهورة في نار الاستقلال,
وعروش الفِكر الطاغوتية, والمحبة التي
تشرب بجماجم الشهداء دماء الأوطان –
متى تُهدّم تلك الحبوس, ومتى تُحطّم العروش؟
جاهدوا, لا تسترحموا غير الله العائد غداً إلى عرشه.
***
جاهدوا, ولا تيأسوا من عدله تعالى.
فالزعيم يلحق بالزعيم, ولا نقصان.
والأحزان تتلو الأحزان, ولا سلوان
في غير المستمر في الجهاد
فإن ثوبي, ثوب الحداد, لا يبلى
وإن عظمتي لفي خطوبي.
***
وإنّ في خطوبك, أيتها الأخت العربية, خيرك الأكبر وخيرنا.
فهي المذكِّرة, وهي المعلمة, وهي الهادية.
وهي المشيِّدة من حجارتك المشتتة بنياناً مرصوصاً للوطن.
وهي المنيرة في بيت العروبة الشموع الثلاث
لأرباب التضحية والصبر والثبات
وستُساقين, وسنُساق وإياك, إلى التضحيات.
وستُحَملين, وسنُحمل وإياك, على الصبر والثبات.
فنواصل الجهاد حتى ينفصم ظهر الشقاق,
وتتلاشى أصوات التقسيم,
وتزول الحواجز بيننا والحدود,
فتتفجّر في السواحل والجبال,
وفي السهول والبوادي,
ينابيع العروبة,
بل ينابيع الوحدة العربية.
[1] -لعل أمين الريحاني يشير هنا إلى رجالات الكتلة الوطنية (شكري القوتلي, جميل مردم بك, لطفي الحفار) المتهمين باغتيال الدكتور الشهبندر (الملاحظة من "فينكس").
[2] - يوسف العظمة وفوزي الغزي و ابراهيم هنانو وسعيد العاص.
[3] - المقصود: الدكتور الشهيد عبد الرحمن الشهبندر.
* الفريكة في 10 آب 1940, كتبها لتُتلى في حفل أربعين عبد الرحمن الشهبندر.