كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نحو مجتمع أكثر إنسانية

لم تعُد ثقافة التعصب ورفض الآخر سمة خاصة بالعالم العربي والإسلامي، تبعاً لما دأبت على تأكيده النظريات العنصرية منذ القرن التاسع عشر. بل إن هذه الثقافة بالذات باتت تهدّد الغرب الليبرالي، ومن قلب أوروبا، مهد الحرية والتسامح وقبول الآخر المختلف فكرياً أو دينياً أو إثنياً.
هذا المنحى الأصولي الذي يطبع الحضارة البشرية في هذه الحقبة من التاريخ هو ما أقلق عالم الاجتماع الأميركي ريتشارد سينيت، إذ لاحظ أن الولايات المتحدة اليوم تحوّلت مجتمعاً قبلياً، يعارض الناس فيه التعايش مع مَن يختلف عنهم. وليس بوسع الأوروبيين الاعتداد بالنفس في هذا الخصوص. فالقبلية بصيغتها القومية دمّرت أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين. وبعدها بنصف قرن نجد لدى هولندا، التي لطالما كانت شديدة التسامح، نسختها من القبلية العنصرية، حيث إن مجرد ذكر كلمة «مسلم» تحرّض على حملة شعواء من الاحتجاجات.
في مواجهة هذه التوجّهات عمل سينيت في كتابه «في مواجهة التعصب، التعاون من أجل البقاء»، دار الساقي 2016، على دحض النزعة القبلية المدمّرة للاجتماع الإنساني، طارحاً تصوّراً حضارياً بديلاً يقوم على تفهم الآخر والتعاطف معه، وصولاً إلى التعاون من أجل بناء مجتمع أكثر تماسكاً وأكثر أمناً لجميع أفراده.
القبائلية، كما يعرّفها المؤلف، هي تضامن مع آخرين مشابهين لنا، بحثاً عن عدائية ضد مَن هو مختلف. وهذا دافع طبيعي لدى الحيوانات الاجتماعية، لأنها تصطاد سويّة على شكل قطعان، ولذلك فإن الحالة القبلية عندها ضرورة للبقاء. لكن القبائلية ذات نتائج عكسية في مجتمعاتنا الإنسانية المعقّدة والمتنوّعة عرقياً ودينياً. فالعداء المتبادل، كما لاحظ أرسطو، يهدّد تمسك المدينة التي تتشكّل من أناس مختلفين في مشاربهم ويحملون ولاءات مختلفة. فماذا إذاً يمكن أن نفعل بشأن القبائلية، وكيف يمكن أن نعيش في وئام مع آخر مختلف عنّا؟
هنا يفرّق المؤلف بين نمطين من التعاون. نمط هدّام من نوع «نحن ـ ضد ـ هم» الذي ينحطّ إلى تواطؤ تآمري ضد الآخر، وآخر يستجيب للآخرين وفق شروطهم، ويتمثل في الإدارة الجيدة للصراع، سواء في الحرب أو في الصراع السياسي. هذا النمط من التعاون هو الذي أبقى المجموعات الاجتماعية متماسكة خلال النكبات وانقلابات الزمن، لكن كيف نتواصل إليه وبأي مهارات؟
إن المهارة أهمّ ما يحتاجه التعاون، وهي تتمثّل بشكل أساسي في إتقان الإصغاء، وإيجاد نقاط الاتفاق، وإدارة الاختلاف، وتجنّب الإحباط. لكن المجتمع الحديث أضعف التعاون بأساليب متميّزة، فقد حلّقت ثروة الواحد في المئة الأعلى دخلاً، وابتعدت النخب عن الكتل الشعبية، فيما القوى الثقافية تعمل ضد ممارسة التعاون، وتحلّ الروبوتات مكان العمل البشري. وهكذا نفقد باطراد مهارات التعاون اللازمة لجعل المجتمع المتنوّع تجربة ناجحة. يحدّد المؤلف هذه المهارات بالانتباه والاستجابة للآخر من أجل بلوغ فهم مشترك آخر من خلال الجدل، ما يؤسس أرضية مشتركة، ويوجد حالة من التعاطف والمواساة مع الآخر. إن المحادثة الحوارية، في رأي المؤلف، تساعدنا في الوصول إلى فهم قضايا عدة معقدة واجهتنا، فالاستجابة للآخرين تنطوي على غنىً، وتؤكد ان إمكانيات البشر للتعاون أكبر بكثير وأكثر تعقيداً مما تسمح به المؤسسات، ويجب ألا يمنعنا غياب الفهم المتبادل مع الانخراط مع الآخرين. وقد جهد المؤلف ليبين أن البشر قادرون على التفاعل في ما بينهم، وأننا نستطيع أن نكون مرتاحين مع غيرنا من البشر، وأن التطلّع خارجاً لإقامة روابط اجتماعية أفضل من أن نكتفي باعتبار الآخرين مجرد انعكاس لنا في ذواتنا.
لقد أُفسد القرن العشرون بالتعاون باسم التضامن، حيث حافظت قوة التضامن المفسدة في نسختها «نحن ـ ضد ـ هم» على حيويتها في المجتمعات المدنية الديموقراطية الليبرالية، كما نراها في المواقف الأوروبية إزاء مهاجرين إثنيّين قد يشكلون تهديداً للتضامن الاجتماعي. وتتزايد الفجوة بين النخبة والجمهور مع تزايد حدة اللامساواة في الأنظمة النيوليبرالية في بريطانيا والولايات المتحدة، حيث تعيش النخب في انفصال عالمي عن مسؤولياتها تجاه الآخرين على الأرض. وهذا ما لمسناه خلال الأزمة الاقتصادية، فلا عجب إذا أصبح الناس مكرهين، تحت هذه الظروف، لإيجاد تضامن هدّام في ما بينهم وفق صيغة «نحن ـ ضد ـ هم».
إن رأسمالية اليوم تتفق مع ذلك الشكل المتوحش الذي كانت عليه منذ قرن. إلا أن الأمراض القديمة تعمّقت، وبرزت حالة اللا مساواة بشكل فاقع، وبات الرأسمالي في طور المفترس الأعلى. وعليه، فإن التماسك الاجتماعي حالياً، في المجتمع الأميركي أو الأوروبي أقلّ مما كان عليه قبل ثلاثين سنة. إذ بات مجتمع المدينة يتميّز بالمشاركة السلبية، وأصبح الأطفال الأميركيون يعتمدون على استهلاك الأشياء أكثر من اعتمادهم على الناس الآخرين، مما يمكن أن يفقدهم قدرة التعاون ليتحوّلوا معتمدين على الآلة ـ «الفيسبوك»، الحاسوب، التلفاز ـ بحثاً عن الصداقة وتعويضاً عن الخلل في الاختلاط الاجتماعي.
وقد دلّ بحث ميداني في سبعينيات القرن الماضي في بوسطن على أن العمال شكّلوا روابط غير رسمية في ما بينهم، وكانوا يغطّون عن زملائهم الواقعين في مشاكل، ويؤدون عمل عمال غيرهم في حال حصول خطب طارئ. بينما اليوم، بعد أربعين سنة على هذا البحث، بيّنت المقابلات مع عمال مكاتب ذوي ياقات بيض فقدوا وظائفهم إثر الانهيار المالي العام 2008، أن هؤلاء عبّروا عن ثقة سطحية بزملائهم، وعن هشاشة التعاون فيما بينهم، فضلاً عن تآكل ولائهم لشركاتهم، وإحساسهم بالمرارة بسبب الروابط الاجتماعية الضحلة التي كانت قائمة مع زملاء العمل.
خلص المؤلف من خلال كل هذه الوقائع والاستنتاجات إلى أنه يمكن للتبسيطات الحداثوية الفظيعة أن تقمع وتُفسد مقدرتنا على العيش المشترك، لكنها لا تستطيع إزالة هذه المقدرة ولا محوها. بل إننا قادرون، كحيوانات اجتماعية على التعاون بشكل أعمق من الآفاق المستقبلية للنظام الاجتماعي القائم.

ريتشارد سينيت «في مواجهة التعصب، التعاون من أجل البقاء» دار الساقي 2016، 365 صفحة.

كرم حلو

السفير

في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"