كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: سلسلةُ العظماء الخالدين.. جمال عبد الناصر

{سلسلةُ العظماء الخالدين}

- 6  ـ

[جمال عبد الناصر]

ولد (جمال عبد النّاصر) في 15 كانون الثّاني – يناير من عام (1918م)، في حي (باكوس) الشّعبيّ في (الإسكندريّة)،بمصر، لأسرة من أصول "صعيديّة"، و هو الإبن الأكبر لوالديه.

التحق (جمال عبد النّاصر) بروضة الأطفال في (محرّم بك) بالإسكندريّة، ثمّ بالمدرسة الابتدائيّة في (الخطاطبة) في العامين (1923 و 1924م)؛ بعدها انتقل إلى مدرسة "النّحّاسين" الابتدائيّة، بالجماليّة، في القاهرة، في عام (1925م)، حيث أقام في دار عمّه (خليل)، في حيّ شعبيّ لمدّةثلاث سنوات.

في العام (1926م) تُوفّيت والدته في (الاسكندريّة) ، فيما كان هو في (القاهرة)، و لم يعلم إلّا حين عاد إلى (الإسكندريّة)، حيث اعتاد أن يقضي عطلته الصّيفيّة؛ و كانت قد تُوفّيت قبل ذلك بأسابيع. كان لوقع الخبر عليه أثر فظيع، فلقد هزّ كيانه، كما ذكر في لقاء صحفيّ له، مع صحيفة "الصندي تايمز"، إذ قال لمحدّثه:   

"لقد كان فقد أمي في حد ذاته أمراً محزناً للغاية، أما فقدها بهذه الطريقة فقد كان صدمة تركت في شعوراً لا يمحوه الزمن. و قد جعلتني آلامي و أحزاني الخاصة في تلك الفترة أجد مضضاً بالغاً في إنزال الآلام و الأحزان بالغير في مستقبل السنين".

بعد أن أتم (جمال) السنة الثالثة في مدرسة "النحاسين"بالقاهرة، أرسله والده في صيف (١٩٢٨م) عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية .

التحق جمال عبد الناصر في عام (١٩٢٩م) بالقسم الداخلي في مدرسة (حلوان) الثانوية و قضى فيها عاماً دراسيّاً واحداً؛ ثم انتقل في العام التالي (١٩٣٠م) إلى مدرسة (رأس التين) الثانوية بالإسكندرية بعد أن انتقل والده إلى العمل في مصلحة البريد هناك . و فى تلك "المدرسة" تكون وعي (جمال عبد الناصر) القومي، حيث بدأ نشاطه السياسي حينها، عندما رأى مظاهرة في "ميدان المنشية" بالإسكندرية،فانضمّ إليها دون أن يعلم مطالبها، و قد علم بعد ذلك أن هذا الاحتجاج كان من تنظيم "جمعية مصر الفتاة" ، و كان هذا الاحتجاج يندّد بالاستعمار الإنجليزي في (مصر)، و ذلك في أعقاب قرار من رئيس الوزراء حينئذ (إسماعيل صدقي) بإلغاء دستور (1923م)، و ألقي القبض على (عبد الناصر) واحتجز لمدة ليلة واحدة، قبل أن يخرجه والده.

يتحدّث (جمال عبد الناصر) عن أول مظاهرة اشترك فيهاإلى صحيفة "الصندي تايمز"، يقول:

"كنت أعبر "ميدان المنشية" في (الإسكندرية) حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ و بين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال..      

"و مرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة "لوريين" من رجال البوليس لتعزيز القوة، و هجمت علينا جماعتهم، و إني لأذكر أنى – في محاولة يائسة – ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، و حاولت أن أهرب، لكني حين التفت هوت على رأسي عصا من عصي البوليس، تلتها ضربة ثانية، و حينها سقطت على الأرض، ثم شحنت إلى الحجز و الدم يسيل من رأسي مع عدد من الطلبة الذين لم يستطيعوا الإفلات بالسرعة الكافية.." و لما كنت في قسم البوليس، و أخذوا يعالجون جراح رأسي؛ سألت عن سبب المظاهرة، فعرفت أنها مظاهرة نظمتها "جماعة مصر الفتاة" في ذلك الوقت للاحتجاج على سياسة الحكومة..     

"و قد دخلت السجن تلميذاً متحمساً، و خرجت منه مشحوناً بطاقة من الغضب".

في عام (1933م) انتقل (جمال عبد النّاصر) إلى القاهرة،و انضمّ إلى والده هناك، و التحق بثانويّة "النّهضة" في حيّ (الظّاهر) بالقاهرة. و هنا قرأ (جمال عبد النّاصر)، (فولتيرْ) و (روسُوْ)، كما قرأ عن (نابليون) و (الإسكندر)، و (يوليوس قيصر) و (غاندي).

شهد عام (١٩٣٥م) نشاطاً كبيراً للحركة الوطنية المصرية التي لعب فيها الطلبة الدور الأساسي مطالبين بعودة "الدستور" و الاستقلال؛ و يكشف خطاب من (جمال عبد الناصر) إلى صديقه (حسن النشار) في ٤ أيلول - سبتمبر عام (١٩٣٥م) مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول:

"لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس و نفضنا بشائر الحياة و استقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كل ذلك رأساً على عقب، و يعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم. أين من يخلق خلفاً جديداً لكي يصبح المصري الخافت الصوت الضعيف الأمل الذي يطرق برأسه ساكناً صابراً على اهتضام حقه ساهياً عن التلاعب بوطنه يقظاً عالي الصوت عظيم الرجاء رافعاً رأسه يجاهد بشجاعة و جرأه في طلب الاستقلال و الحرية... قال مصطفى كامل "لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرك الأهرام من مكانه المكين أو تغير مجرى (النيل) فلن أتغير عن المبدأ"... كل ذلك مقدمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلمنا مرات عدة في عمل يوقظ الأمة من غفوتها و يضرب على الأوتار الحساسة من القلوب و يستثير ما كمن في الصدور. و لكن كل ذلك لم يدخل في حيز العمل إلى الآن".

في 13 تشرين الثّاني - نوفمبر ( 1935م)، قاد (عبد الناصر) مظاهرة طلابية ضد الحكم البريطاني احتجاجاً على البيان الذي أدلى به (صمويل هور) وزير الخارجية البريطاني قبل أربعة أيام، و الذي أعلن فيه رفض (بريطانيا) العودة "الحياة الدستورية" في (مصر)؛ و قتل اثنان من المتظاهرين وأصيب (عبد الناصر) بجرح في جبينه. وفي 12 ديسمبر،أصدر الملك الجديد (فاروق) قراراً بإعادة الدستور.

و في كلمة له في جامعة القاهرة في ١٥ تشرين الثّاني -نوفمبر (١٩٥٢م) تحدّث (جمال عبد النّاصر) عن أثر أحداث تلك الفترة في نفسه:

"و قد تركت إصابتي أثراً عزيزاً لا يزال يعلو وجهي فيذكرني كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهلي كفرد من أبناء هذا الوطن العزيز. و رسخ في نفسي أن علي واجباً أفنى في سبيله أو أكون أحد العاملين في تحقيقه حتى يتحقق؛ وهذا الواجب هو تحرير الوطن من الاستعمار، و تحقيق سيادة الشعب. و توالى بعد ذلك سقوط الشهداء صرعى؛ فازداد إيماني بالعمل على تحقيق حرية مصر ".

كان من نتيجة النشاط السياسي المكثف لـ (جمال عبد الناصر) في هذه الفترة الذي رصدته تقارير "الشّرطة" أن قررت مدرسة النهضة فصله بتهمة تحريضه الطلبة على "الثورة"، إلا أن زملاءه ثاروا و أعلنوا الإضراب العام و هدّدوا بحرق المدرسة فتراجع ناظر المدرسة عن قراره.

بدأ "الوعي القوميّ العربيّ" يتسلّل إلى تفكير (جمال عبد النّاصر) في تلك الفترة. فكان يخرج مع زملائه كل عام في الثاني من شهر تشرين الثّاني - نوفمبر احتجاجاً على وعد "بلفور" الذي منحت به (بريطانيا) لليهود حقّاً بوطنٍ "قوميّ"،في فلسطين على حساب أصحابها الشرعيين.

في عام (1936م) تقدّم (جمال عبد النّاصر) بطلب للتّطوّع في "الكلّيّة الحربيّة"، و لكنّه رسب فيما سمّي بـ "كشف الهيئة"، بسبب أصوله الصّعيديّة الفلاحيّة، و كونه إبناً لموظّف بسيط لا يملك شيئاً، و كذلك بسبب اشتراكه في مظاهرات (1935)، و أيضاً لأنّه لا يملك "واسطة".

عندها التحق (عبد النّاصر) بكلّيّة الحقوق، في جامعة (القاهرة)، و بقي فيها ستّة أشهر، إلى أن عقدت معاهدة (1936) بين (بريطانيا) و (مصر) و اتّجهتِ "النّيّة" إلى زيادة عدد ضبّاط "الجيش المصريّ" للحاجة، و ذلك بصرف النّظر عن طبقتهم الاجتماعيّة أو ثرواتهم.

تقدّم (جمال عبد النّاصر) بطلب قبول إلى "الكلّيّة الحربيّة" للمرّة الثّانية، و تمكّن من مقابلة وكيل وزارة الحربيّة اللواء (ابراهيم خيري) الذي أعجب بصراحة (عبد النّاصر) و وطنيّته و إصراره، فوافق على طلبه في الدّورة التّالية في عام (1937م).

نظراً لكفاءته و اجتهاده و معرفته و صفاته القياديّة، أصبح "رئيس فريق"، و أسندت إليه منذ أوائل عام (1938م) مهمّة تأهيل الطّلبة المستجدّين، الذين كان من بينهم (عبد الحكيم عامر).

في تموز – يوليو عام (1938م)، تخرّج (جمال عبد النّاصر) من الكلّيّة الحربيّة، أي بعد مرور سبعة عشر شهراً،لسدّ الفراغ الذي تركه انتقال "القوّات البريطانيّة" إلى منطقة "قناة السّويس".

التحق (جمال عبد الناصر) فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى (منقباد) في الصّعيد، و قد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين و بؤسهم. و قد التقى في (منقباد) بكل من زكريا محيى الدين و أنور السادات.

و فى عام (١٩٣٩م) طلب (جمال عبد الناصر) نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم و فى "جبل الأولياء"، و هناك قابل (زكريا محيى الدين) و (عبد الحكيم عامر). و فى أيّار –مايو  (1940م) رقّي إلى رتبة الملازم أول.

أثناء (الحرب العالميّة الثّانية)، و فى نهاية عام (١٩٤١م)بينما كان (روميل) يتقدم نحو الحدود المصرية الغربية عاد (جمال عبد الناصر) إلى (مصر) و نقل إلى كتيبة بريطانية تعسكر خلف خطوط القتال بالقرب من العلمين.

و يذكر (جمال عبد الناصر):

"في هذه المرحلة رسخت فكرة الثورة في ذهني رسوخاً تاماً، أما السبيل إلى تحقيقها فكانت لا تزال بحاجة إلى دراسة، و كنت يومئذ لا أزال أتحسس طريقي إلى ذلك، و كان معظم جهدي في ذلك الوقت يتجه إلى تجميع عدد كبير من الضباط الشبان الذين أشعر أنهم يؤمنون في قرارتهم بصالح الوطن؛ فبهذا وحده كنا نستطيع أن نتحرك حول محور واحد هو خدمة هذه القضية المشتركة".

أثناء وجوده في "العلمين" جرت أحداث ٤ شباط – فبراير  (1942م) حينما توجه السفير البريطاني – "السّير مايلز لامسبون" ليقابل الملك (فاروق) في "سراي عابدين" في (القاهرة) بعد أن حاصر "القصر" بالدبابات البريطانية، وسلّم "الملك" إنذاراً يخيره فيه بين إسناد رئاسة الوزراء إلى (مصطفى النحاس) مع إعطائه الحق في تشكيل مجلس وزراء متعاون مع بريطانيا و بين الخلع، و قد سلّم "الملك" بالشّروط بلا قيد و لا شرط.

و يذكر جمال عبد الناصر [في خطاب له إلى صديقه (حسن النّشّار)، بتاريخ 16 شباط – فبراير عام (1942م)] أنه منذ ذلك التاريخ لم يعد شئ كما كان أبداً. فكتب يقول:     "وصلني جوابك، و الحقيقة أن ما به جعلني أغلى غلياناً مراً، و كنت على وشك الانفجار من الغيظ، و لكن ما العمل بعد أن وقعت الواقعة و قبلناها مستسلمين خاضعين خائفين. والحقيقة أنّني أعتقد أن الإنجليز كانوا يلعبون بورقة واحده في يدهم بغرض التهديد فقط، و لكن لو كانوا أحسوا أن بعض المصريين ينوون التضحية بدمائهم ويقابلون القوة بالقوة لانسحبوا كأي امرأة من العاهرات.  أما نحن، أما الجيش، فقد كان لهذا الحادث تأثير جديد على الوضع و الإحساس فيه، فبعد أن كنت ترى الضباط لا يتكلمون إلا عن النساء و اللهو، أصبحوا يتكلمون عن التضحية و الاستعداد لبذل النفوس في سبيل الكرامة و أصبحت تراهم وكلهم ندم لأنهم لم يتدخلوا – مع ضعفهم الظاهر – و يردوا للبلاد كرامتها و يغسلوها بالدماء.. و لكن إن غداً لقريب.. حاول البعض بعد الحادث أن يعملوا شئ بغرض الانتقام، لكن كان الوقت قد فات أما القلوب فكلها نار و أسى. عموماً فإن هذه الحركة أو هذه الطعنة ردت الروح إلى بعض الأجساد و عرفتهم أن هناك كرامة يجب أن يستعدوا للدفاع عنها، و كان هذا درساً و لكنه كان درساً قاسياً".

في التّاسع من أيلول – سبتمبر عام (1942م)، رقّي (جمال عبد النّاصر) إلى رتبة "نقيب" (يوزباشي).

و في 7 شباط – فبراير عام (1943م) عُيّن مدرّساً في "الكلّيّة الحربيّة". و تزوّج في العام (1944م).

عام (1945م) انتهت الحرب العالميّة الثّانية، و كان العام الذي شهد بداية حركة "الضّبّاط الأحرار". و يروي (جمال عبد النّاصر) فيقول: "    " ركزت حتى ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، و الذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية و التصميم الكافي للإقدام على التغيير اللازم. و كنّا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك و فى خطة مشتركة".

عقد "الضّباط الأحرار" اجتماعاً عقب صدور قرار "تقسيم فلسطين" عام (1947م)، و اعتبروا أن الوقت قد حان للدّفاع عن حقوق العرب ضدّ هذا الانتهاك الفاضح للكرامات الإنسانيّة و الكرامة العربيّة و العدالة الدّوليّة، و أجمعوا على مؤازرة "المقاومة" في (فلسطين).

أمرت "الحكومة المصريّة" الجيش المصري ّ، رسميّاً ، بالإشتراك في حرب (1948م)، في فلسطين. و ذهب (جمال عبد النّاصر) إلى فلسطين في 16 أيّار – مايو (1948م) إلى (فلسطين)، و كان قد رُقّيَ إلى رتبة "رائد" (صاغ) في أوائل هذا العام. جُرح (عبد النّاصر) مرّتين في حرب (فلسطين)، و نظراً لتميّز دوره مُنح "نيشان النّجمة العسكريّة" في عام (1949م). بعد عودته إلى مصر تشكّلت لدى "مجموعة الضّبّاط الأحرار" قناعة أن الملك (فاروق) قد أصبح هو هدف "تنظيم الضّبّاط الأحرار" بين الأعوام (1948 – 1952م).

تزامنت عودة عبد الناصر لمصر مع انقلاب (حسني الزعيم) في سورية وقد شجع نجاحه  (عبد الناصر)في الثقة بالقدرة على نجاح  مساعيه الثورية. بعد فترة وجيزة من عودته، استدعى رئيس الوزراء (إبراهيم عبد الهادي) (عبد الناصر) لاستجوابه بشأن شكوك بأنه تم تشكيل مجموعة سرية من ضباط المعارضة، نفى (عبد الناصر) هذه المزاعم بشكل مقنع. وكان (عبد الهادي)أيضا مترددا في اتخاذ تدابير جذرية ضد الجيش، خصوصا أمام رئيس أركانه، الذي كان حاضرا أثناء الاستجواب، و أفرج عن (عبد الناصر) في وقت لاحق. و دفع هذا الاستجواب (عبد الناصر) إلى تسريع أنشطة جماعته.

بعد عودته من (فلسطين) عيّن (جمال عبد الناصر)مدرساً في "كلية أركان حرب" التي كان قد نجح في امتحاناتها بتفوق في ١٢ أيّار - مايو عام (١٩٤٨م) . و بدأ من جديد نشاط "الضباط الأحرار"، و تألفت "لجنة تنفيذية"")اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار") بقيادة (جمال عبد الناصر) ، تضم (كمال الدين حسين) و (عبد الحكيم عامر) و(حسين إبراهيم) و(صلاح سالم) و (عبد اللطيف البغدادي) و(خالد محيى الدين) و (أنور السادات) و (حسين الشافعي) و(زكريا محيى الدين) و (جمال سالم) ، و هى "اللجنة" التي أصبحت "مجلس الثورة" فيما بعد عام ١٩٥٠م ، ١٩٥١م.

في الانتخابات البرلمانية لسنة (1950م) ، فاز "حزب الوفد" بأغلبية المقاعد، و يرجع ذلك إلى غياب جماعة "الإخوان المسلمين" ، الذين قاطعوا الانتخابات. بدأت الاتهامات بالفساد ضد سياسيي "حزب الوفد" تطفو على السطح، و انتشرت الشائعات و الشكوك حولهم، مما جلب "الضباط الأحرار" إلى واجهة الحياة السياسية المصرية. و بحلول ذلك الوقت، كان عدد أعضاء "التنظيم" قد ارتفع إلى 90 عضوا.

فى ٨ أيّار - مايو عام (١٩٥١م) رقّي (جمال عبد الناصر) إلى رتبة (البكباشى) "مقدم"، و فى نفس العام اشترك مع رفاقه من "الضباط الأحرار" سراً في حرب الفدائيين ضد القوات البريطانية في منطقة "القناة" التي استمرت حتى بداية عام (١٩٥٢م) ، و ذلك بتدريب المتطوعين، و توريد السلاح الذي كان يتم في إطار الدعوة إلى "الكفاح المسلح" من جانب الشباب من كافة الاتجاهات السياسية و الذي كان يتم خارج الإطار الحكومي.

في بداية عام (1952م) اتّجه تفكير "الضّبّاط الأحرار"إلى الاغتيالات، و لكن سرعان ما عدلوا عن هذا الأسلوب، و جرى التّركيز، نهائيّاً، على "التّغيير الثّوريّ".

ومع بداية مرحلة التعبئة الثورية، صدرت منشورات الضباط الأحرار التي كانت تطبع و توزع سراً. و التي دعت إلى إعادة تنظيم الجيش و تسليحه و تدريبه بجدية بدلاً من اقتصاره على الحفلات و الاستعراضات، كما دعت الحكام إلى الكف عن تبذير ثروات البلاد و رفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة، و انتقدت الاتجار في الرتب و النياشين. و فى تلك الفترة اتسعت فضيحة الأسلحة الفاسدة إلى جانب فضائح اقتصادية تورطت فيها حكومة الوفد.

ثم حدث حريق القاهرة في ٢٦ كانون الثّاني - يناير (١٩٥٢م) بعد اندلاع المظاهرات في القاهرة احتجاجاً على مذبحة رجال البوليس بالإسماعيلية التي ارتكبتها القوات العسكرية البريطانية في اليوم السابق، و التي قتل فيها ٤٦ شرطياً و جرح ٧٢. لقد أشعلت الحرائق في القاهرة و لم تتخذ السلطات أي إجراء ولم تصدر الأوامر للجيش بالنزول إلى العاصمة إلا في العصر بعد أن دمرت النار أربعمائة مبنى، وتركت ١٢ ألف شخص بلا مأوى، و قد بلغت الخسائر ٢٢ مليون جنيهاً.

و فى ذلك الوقت كان يجرى صراع سافر بين الضباط الأحرار و بين الملك فاروق فيما عرف بأزمة انتخابات نادي ضباط الجيش. حيث رشح الملك اللواء حسين سرى عامر المكروه من ضباط الجيش ليرأس اللجنة التنفيذية للنادي، و قرر الضباط الأحرار أن يقدموا قائمة مرشحيهم وعلى رأسهم (اللواء محمد نجيب) للرئاسة، و قد تم انتخابه بأغلبية كبرى و برغم إلغاء الانتخاب بتعليمات من الملك شخصياً، إلا أنه كان قد ثبت للضباط الأحرار أن الجيش معهم يؤيدهم ضد الملك، فقرر (جمال عبد الناصر) – رئيس الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار – تقديم موعد الثورة التي كان محدداً لها قبل ذلك في العام (١٩٥٥م) ، و تحرك الجيش ليلة ٢٣ تمّوز - يوليو (١٩٥٢م)، وتم احتلال مبنى قيادة الجيش على "جسر القبة" (كوبري القبّة)و إلقاء القبض على قادة الجيش الذين كانوا مجتمعين لبحث مواجهة حركة الضباط الأحرار بعد أن تسربت عنها الأخبار .

و بعد نجاح حركة الجيش قُدّم (محمد نجيب) على أنه قائد الثورة – و كان الضباط الأحرار قد فاتحوه قبلها بشهرين في احتمال انضمامه إليهم إذا ما نجحت المحاولة - إلا أن السلطة الفعلية كانت في يد "مجلس قيادة الثورة" الذي كان يرأسه (جمال عبد الناصر) حتى ٢٥ آب - أغسطس (١٩٥٢م)عندما صدر "قرار" من مجلس قيادة الثورة بضم (محمد نجيب)إلى عضوية المجلس وأسندت إليه رئاسته بعد أن تنازل له عنها (جمال عبد الناصر).

في صبيحة يوم 23 تمّوز – يوليو (1952م)، و بعد احتلال "الإذاعة"، تمّتْ إذاعة "بيان الثّورة" التّالي:

"اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين، وأما فترة ما بعد الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، و تآمر الخونة على الجيش، وتولى أمره إما جاهل أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، و على ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، و تولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم و فى خُلقهم و فى وطنيتهم،و لا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج و الترحيب.      " أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب، وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية، و أنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف؛ لأن هذا ليس في صالح مصر، و إن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، و سيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس، و إني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم و أرواحهم و أموالهم، و يعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم، و الله وليّ التوفيق".

و بعد نجاح الثورة بثلاثة أيام – أي في ٢٦ يوليو –أجبر الملك (فاروق) على التنازل عن "العرش" لابنه (أحمد فؤاد) و مغادرة البلاد. و فى اليوم التالي أعيد انتخاب (جمال عبد الناصر) رئيساً للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار.

و فى شباط - فبراير (١٩٥٤م) استقال (محمد نجيب) بعد أن اتسعت الخلافات بينه و بين أعضاء "مجلس قيادة الثورة"،و عين (جمال عبد الناصر) رئيساً لمجلس قيادة الثورة و رئيساً لمجلس الوزراء.

في 27 شباط – فبراير من العام (1954م)، و إثر الخلافات التي نشبت بين (محمد نجيب) رئيس الجمهوريّة، من جهة، و باقي أعضاء "مجلس قيادة الثورة"، من جهة ثانية؛بدأت بعد ذلك أحداث الشغب التي دبرتها "جماعة الإخوان المسلمين" التي كان مجلس قيادة الثورة قد أصدر قرارًا بحلّهافي ١٤ كانون الثّاني – يناير (1954م)، مع تورّط  بعض عناصر "النّظام القديم" في تلك الأحداث، و مع اتّساع شقّة الخلاف في "مجلس قيادة الثورة"، حيث انقسم إلى فريقين،الأوّل بقيادة (محمد نجيب) و (خالد محي الدّين)؛ و الثّاني بقيادة (جمال عبد النّاصر) و باقي الأعضاء.. ؛ كلّ ذلك كان من شأنه أن ترك أثره على الجيش، عموماً، كما حاول السّياسيّون استغلاله، و بخاصّة "الإخوان المسلمون" و أنصار الأحزاب القديمة الذين كانوا في صفّ (محمد نجيب) و على اتّصالٍ به.

فى ١٧ نيسان - أبريل (١٩٥٤م) تولى (جمال عبد الناصر) رئاسة مجلس الوزراء و اقتصر (محمد نجيب) على "رئاسة الجمهورية" إلى أن جرت محاولة لاغتيال (جمال عبد الناصر) على يد "الإخوان المسلمين" عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء "الجماعة" و هو يخطب في "ميدان المنشية" بالإسكندرية في ٢٦ تشرين الأوّل - أكتوبر (١٩٥٤م)،و ثبت من التحقيقات مع "الإخوان المسلمين" أن (محمد نجيب)كان على اتصال بهم وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم. و هنا قرر مجلس قيادة الثورة في ١٤تشرين الثّاني - نوفمبر (1954م) إعفاء (محمد نجيب) من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وأن يستمر "مجلس قيادة الثورة" في تولّي كافة سلطاته بقيادة (جمال عبد الناصر).

فى ٢٤ حزيران - يونيو (١٩٥٦م) انتخب (جمال عبد الناصر) رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور ١٦ كانون الثّاني - يناير (١٩٥٦م) ، أول دستور للثورة؛ و هو ثاني رئيس مصريّ، بعد انقلابها إلى "جمهوريّة"، فقد سبقه في ذلك الرّئيس (محمّد نجيب).

و فى ٢٢ شباط - فبراير (١٩٥٨م) أصبح (جمال عبد الناصر) رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين (مصر) و (سورية)، و ذلك حتى مؤامرة الانفصال في ٢٨ أيلول - سبتمبر (١٩٦١م).

فارق الزعيم (جمال عبد الناصر) الحياة في 28  أيلول عام (1970م) ولم يكن قد بلغ من العمر، إلا "52" اثنين وخمسين عاما، وذلك عقب مؤتمر القمة الذي عقد في شهر أيلول - سبتمبر من ذلك العام.

(جمال عبد النّاصر) هو أعظم الزّعماء العرب في تاريخهم القديم والحديث .. و كانت حياته زاخرة بالأحداث المتّصله بمصير أمّتنا العربيّة و تاريخها المعاصر. ففي عهده أُمّمت "قناة السّويس"، و واجهت مصر "العدوان الثّلاثيّ"، و قيام "الوحدة" بين (مصر) و (سورية)، و رئاسته للجمهوريّة العربيّة المتحدة، و حدوث "الانفصال". كما شهدت فترة رئاسته "حرب حزيران" عام (1967م). و كان "العربُ" الخارجون من فجيعة "تقسيم فلسطين"عام (1947م)، و "نكبة" حرب عام (1948م)، و "نكسة"حزيران عام (1967م)، في أكثر و أشدّ عصور الإحباط العربيّ القوميّ، اتّساعاً و عمقاً. كانت العروبة ذاتها محلّ شكّ و يأس مع فقدان الثّقة الجماهيريّة العربيّة بالملوك و الزّعماء العرب الرّجعيين منهم و الخونة، على السّواء. و في هذه الظّروف كانت العواطف الشّعبيّة و الآمال الجماهيريّة العربيّة، في الأوساط اليوميّة العاديّة و في أوساط المثقّفين أيضاً،  تتطلّعُ إلى منقذ و مخلّصٍ قادرٍ على أن يشكّل معادلاً قوميّاً عربيّاً و قائداً تثق به جماهير الأمّة العربيّة لتفوّضه آمالها و تطلّعاتها في التّحرّر و مواجهة الاستعمار من كلّ أصنافه و أساليبه و أدواته، و السّير على طريق الأمم المعاصرة. . و كان (جمال عبد النّاصر) هو هذا الجامع ـ  وليس القاسم  ـ  المشترك الأعظم الذي يلبّي للشّعوب العربيّة أحلامها في برنامج أو مشروع قوميّ كبير.

كانت مواقفُ (جمال عبد النّاصر) مواقفَ قوميّةً أصيلة و صريحة ضدّ كلّ أشكال الاستعمار و الاغتصاب للأرض و الحقوق، و ضدّ الصهيونية و"إسرائيل" وضد مختلف صنوف و أشكال الرّجعيّة العربيّة سواءٌ منها تلك المتمثّلة في القوى الاجتماعيّة و السّياسيّة ذات المشاريع الفكريّة الرّجعيّة و المتخلّفة و الحاقدة و الّلئيمة و المأجورة (كالإخوان المسلمين، مثلاً!)، أو تلك التي تعبّر عنها دولٌ و ممالك و أماراتٌ رجعيّة و مرتبطة بالاستعمار الغربيّ إلى درجة الخيانة لكلّ حقوق الأمّة في التّحرّر و تقرير المصير.

هكذا ترك رحيل الزّعيم الخالد ( جمال عبد النّاصر ) فراغاً كبيراً في الوجدان العربيّ و العاطفة العربيّة سواءً بسواءٍ، كما في مشروع التّحرّر القوميّ العربيّ و النّهضة الفكريّة و السيّاسيّة القوميّة.     

و لكنّ تلك "الفجوة" لم تدُمْ طويلاً، حيث برزَ في سماء الأمّة العربيّة و الفكر القوميّ العربيّ (حافظ الأسد)، هذا القائد العربيّ التّاريخيّ، الذي عمل ليلاً نهاراً لسَدّ الفراغ القوميّ العربيّ،مباشرةً، و دون انقطاعٍ في مسيرة التّحرّر من الاستعمار و الدّفاع عن المقدّسات، و ترسيخ الفكر النّضاليّ العربيّ، و ذلك في آثار شاهدةٍ حتّى اليوم.

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته