د. بهجت سليمان: سلسلة العظماء الخالدين.. جوزيف بروز تيتو
** سلسلة العظماء الخالدين **
- 4 -
(جوزيف بروز تيتو)
ولد جوزيف بروز (تيتو) في السّابع من أيّار – مايو عام (1892م)، في (كومروفيتش) و هي إحدى القرى "الكرواتيّة" القريبة من (زغرب)؛ و كانت بلاده، يومها، خاضعة لحكم إمبراطوريّة (النّمسا و المَجر). كان (تيتو) الإبن السّابع لأسرة فقيرة كادحة [أبٌ كرواتيّ و أمّ سلوفينيّة]، و كان والده "صانع أقفال".
عمل (تيتو)، كغيره من أبناء القرية، في أعمال و مهن مختلفة من راعٍ إلى خادم. و في عام (1907م) انتقل من الرّيف إلى المدينة و عمل كصانع أجير في أحد المعامل في (سيساك)، ثمّ عاملاً في المطاعم، إسهاماً منه في إعالة أسرة والده الكبيرة. و حيث لم تُتح له الفرصة للالتحاق بإحدى المدارس الرّسميّة، فإنّه عوّض ذلك بالتحاقه في إحدى المدارس الّليليّة التي تلقّى فيها علومه الأولى.
في عام (1910م) انتسب (تيتو) إلى "حزب العمّال الاشتراكيّ الدّيموقراطيّ الكرواتيّ". في الفترة مابين (1911- 1913م) عمل من جديد عاملاً في مصنع في (تيتان)، ثمّ سائقاً في شركة (ديمْلر). في خريف (1913م) تمّ تجنيد (تيتو) برتبة "رقيب" في الفوج "الكرواتيّ" التّابع للجيش "النّمساوي- المجري"، و حاز على "الميداليّة الفضّيّة". عند اندلاع "الحرب العالميّة الأولى" تمّ إرساله إلى (بودابست)، ثمّ إلى (رومانيا)، و شارك، إلى جانب والده.. ، في هذه الحرب، و لكنّه اعتقل و سجن في حصن (بتروفارادين)؛ و في كانون الثّاني – يناير عام (1915م) تمّ إرساله إلى الجبهة الشّرقيّة للقتال ضدّ الرّوس، و بقضل شجاعته تمّ تكريمه بالميداليّة الذّهبيّة، حتّى أصيب إصابة خطرة في إحدى المعارك، حيث أسرته القوّات الرّوسيّة.
بعد 13 شهراً من البقاء في المستشفى تمّ إرسال (تيتو) إلى معسكر للأعمال الشّاقة في جبال "الأورال"، و اختاره السّجناء زعيماً لهم؛ و عند اندلاع "الثّورة البلشفيّة" في العام (1917م) تمّ اقتحام السّجن و تحرير السّجناء؛ و عند إطلاق سراحه انضمّ (تيتو) إلى "البلاشفة" (الشّيوعيّون الّلينينيّون الرّوس)، لكنّه تم إلقاء القبض عليه، ثمّ ما لبث أنْ تمكّن من الفرار و شارك في إحدى المظاهرات في (بطرسبورغ).
في 17 تموز – يوليو من العام (1917م) تمّ اعتقاله أثناء سفره إلى (فنلندا)، و سجن في حصن (بول بيتر) لمدّة ثلاثة أسابيع، تمّ تمّ نفيه بعدها ىإلى (كونغور)؛ و في أثناء الطّريق قفز بنفسه من القطار و هرب و اختبأ مع عائلة روسيّة في (أومسك) في (سيبيريا)؛ و هناك انضمّ (تيتو) إلى صفوف "الحزب الشّيوعيّ السّوفييتيّ"، و عمل في صفوف "الجيش الأحمر".
في كانون الثاني – يناير من عا (1920م) قرّر العودة إلى (يوغسلافيا) حيث انضمّ إلى صفوف "الحزب الشّيوعيّ اليوغسلافيّ". كانت تلك التّجربة الفريدة و المعقّدة، بالنّسبة إليه، محطّة أولى على طريق النّضال من أجل مستقبل بلاده.
في غضون ذلك كان (تيتو) قد حمل أفكار "ثورة أكتوبر" السّوفييتيّة، أبّان أسره، متأثّراً، بخاصّة، بأهدافها في الحرّيّة و المساواة بعيداً عن العصبيّات القوميّة و الدّينيّة و العرقيّة، و قد خبر عن كثب مشكلات مجتمعه و تطلّعاته، فنذر نفسه لتحقيق آماله، و في المقدّمة توحيد بلاده و رفع مكانتها بين دول العالم.
في العام (1928م) اتُّهم (تيتو) بالتآمر على النّظام الملكيّ في بلاده، و زُجّ به في السّجن حتّى عام (1934م)، و لكنّ السّجن لم يحدّ من طموحه أو يفتّ من عزيمته.
في العام (1934م) انتخب (تيتو) عضواً في اللجنة المركزيّة و المكتب السّياسيّ للحزب الشّيوعيّ اليوغسلافيّ.
في الأعوام ما بين (1935- 1936م) عمل، في موسكو، عضواً في "الحركة الشّيوعيّة العالميّة"، و عاد إلى (يوغسلافيا) في العام (1937م) و ترأس الحزب الشّيوعي اليوغسلافيّ في بلاده.
شارك (تيتو) في "الحرب الأهليّة الأسبانيّة" (1936- 1939م) ضدّ دكتاتوريّة (فرانكو).
في الحرب العالميّة الثّانية، و لمّا احتلّت القوات الألمانيّة بلاده، قاد (تيتو) في الأعوام (1941- 1945م) حرب عصابات كبرى كرئيس على "المقاومة اليوغسلافيّة" ضدّ الاحتلال "النّازيّ"، في الوقت الذي كانت فيه هذه المقاومة (اليوغسلافيّة) أكثر الفصائل العسكريّة نشاطاً في (أوروبّا) المحتلّة في مواجهة "النّازيّة"؛ و قد تميّز خلالها (تيتو) بالجرأة و الشّجاعة النّادرتين.
عندما انتهت "الحرب العالميّة الثّانية" باندحار الألمان و رحيلهم من البلاد، و بطرد الملك اليوغسلافيّ (بطرس)، مُنح (تيتو) لقب (مارشال)؛ و شغل حتّى عام (1952م) منصب رئيس لجنة الدّفاع القوميّ اليوغسلافيّ، و تقلّد منصب رئيس الوزراء بعد نجاحه في حلّ المشكلات و الخلافات العرقيّة في (يوغسلافيا)؛ و في عام (1953م) انتُخبَ رئيساً لجمهوريّة (يوغسلافيا الاتّحاديّة)، كما شغل في الوقت نفسه منصب رئيس البرلمان اليوغسلافيّ ("فينسا")، و رئيس "اتّحاد العمل الاشتراكي الشّعبيّ اليوغسلافيّ". و في عام (1966م) انتخبّ أميناً عامّاً للحزب الشّيوعيّ اليوغسلافي، و قائداً عامّاً للجيش و القوّات المسلّحة اليوغسلافيّة حتّى وفاته عام (1980م).
مُنح (جوزيف بروز تيتو) وسام "بطل الاتّحاد اليوغسلافيّ" ثلاث مرّات في الأعوام (1944م) و (1972م) و (1977م).
كان لـ (تيتو) أثر بالغٌ و كبير في تاريخ (الاتّحاد اليوغسلافي [يوغسلافيا]) الحديث و المعاصر. فهو لم يوقفْ الفتن العرقيّة و القوميّة و الدّينيّة، فقط، بل و نقل بلاده من مرحلة التّشتّت و التّخلّف إلى مرحلة التّقدّم و الاستقرار، متابعاً ذلك إلى قدرة بلده على دعم و مساندة حركات التّحرّر العالميّة.
لم يكن النّهج الاشتراكيّ الذي سلكه (تيتو) تقليداً لأيّ "نمط" اشتراكيّ أو شيوعيّ آخر أو تابعاً للآخرين، و إنّما اصطبغ نموذجه بطابع وطنيّ بعيداً عن الأشكال و النّظريّات الجاهزة، و بما ينسجم و يتوافق مع طبيعة و مصالح المجتمع اليوغسلافيّ و أهدافه القوميّة. و كان لـ (ستالين) ردّة فعلِهِ إزاء هذه الاستقلاليّة اليوغسلافيّة، إذ قام بطرد (يوغسلافيا) من منظّمة "الكومنترن" (أو الأمميّة الثالثة) التي كانت تمثيلاً لاتحاد الأحزاب الشّيوعيّة العالميّة تحت "المظلّة السّوفييتيّة". و من جهته وقف (جوزيف بروز تيتو) موقفاً مناوئاً للسّياسات السّتالينيّة.. ، و نادى بتعدّد الطّرق في الوصول إلى الاشتراكيّة. و هكذا واصل (تيتو) في سياسته الرّامية، أوّلاً، إلى تحقيق أهداف بلاده في الدّرجة الأولى، و المرتبطة ارتباطاً مباشراً و وثيقاً بمصلحة بلاده ، و ثانياً في التّعايش السّلميّ بين الأمم و الشّعوب و الأنظمة المختلفة في العالم.
و عرفت هذه الرّؤية السّياسيّة بالـ "تيتويّة" نسبة إلى (تيتو)، في الوقت الذي استخدمها "السّوفييت" (الستالينيّة) لنعت "الشّيوعيّة اليوغسلافيّة" بالرّجعيّة. و مع أنّ العلاقات "السّوفييتيّة- اليوغسلافيّة" تحسّنتْ و صارتْ أفضلَ بعد رحيل (ستالين)، إلّا أنّ سياسة (تيتو) بقيتْ مستقلّة عن "الاتّحاد السّوفييتيّ"، مستغلّاً حقائق "الأمر الواقع" في توازن القوى في (أوروبّا) و العالم، حيث كان من نتائج هذه "السّياسة"، ذلك الّلقاء مع الزّعيمين (جواهر لالْ نهرو) و (جمال عبد النّاصر)، و الذي شكّل "النّواةَ" التاريخيّة لقيام "حركة عدم الانحياز"، فيما بعد، التي ساهمت في صناعة سياسة "الحياد الإيجابيّ" التي تبنّاها هؤلاء الزّعماء و في مقدّمهم (جوزيف بروز تيتو).
و على رغم أن (يوغسلافيا) في عهد الزّعيم (تيتو) كانتْ أكثر الدّول الشّيوعيّة انفتاحاً على العالم و على الغرب أيضاً، فإنّ ذلك لم يمنعها من قطع علاقاتها مع (تشيلّي) الدّكتاتوريّة، إثر إعدام المناضل الشّيوعيّ العالميّ (سلفادور ألّندي)، مؤكّدة في ذلك مبدئيّتها في قضايا العدالة في العالم.
في عام (1955م) عُقد في (أندونيسيا) "مؤتمر (باندونك)، و شارك فيه الزّعماء الكبار (جمال عبد النّاصر) و (جواهر لالْ نهرو) و (جوزيف بروز تيتو)، و كان هذا "الّلقاء" بمثابة "المؤتمر التّمهيديّ" للمؤتمر الأوّل "التّاسيسيّ" لحركة "عدم الانحياز"، الذي سيُعقد لاحقاً، بعد ستة أعوام، في (بلغراد [يوغسلافيا]) في العام (19661م) و الذي سيعتبر، تاريخيّاً، (تيتو) مؤسّساً لتلك "الحركة" في مرحلة من أعقد مراحل الظّروف السيّاسيّة الدّوليّة التي كانت تطبع "النّظام العالميّ" بتوتّرات "الحرب الباردة".
ازدهرت (يوغسلافيا) في عهد زعيمها (تيتو)، على الصّعيد الدّاخليّ، في شتّى الحقول و الميادين الصّناعيّة و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و العسكريّة و السّياسيّة، و ذلك طوال فترة حكم "الزّعيم". و لقد جعل هذا الواقعُ البعضَ يفسّر ذلك بأسباب ذاتيّة تتعلّق بشخصيّة (تيتو)، ما دفعهم إلى توقّع تعرّض هذه "التّجربة" للخطر بعد وفاته، لا سيّما بالنّسبة إلى صراعات النّزعات العرقيّة و القوميّة و الإقليميّة و الدّينيّة في الوَلايات الاتّحاديّة اليوغسلافيّة، و التي تهدّد بالانفصال و الاستقلال. و هذا ما حدث، بعد رحيله، بالفعل!
و أمّا في السّياسة الخارجيّة فقد وقف (تيتو) موقفاً صلباً و مبدئيّاً داعماً للحقوق العربيّة، و بخاصّة بالنّسبة إلى قضيّة (فلسطين)، و كان "صديقاً" جريئاً للعرب؛ و ينبع موقفه ذاكَ، بطبيعة الحال، من انسجامه مع مبادئه المعروفة في تبنّي حقّ الشّعوب المناضلة في تقرير مصيرها و تحرّرها من كافّة أشكال السّيطرة و التّبعيّة و الهيمنة و الاستعمار. رحل (جوزيف بروز تيتو) عن عالمنا في 4 أيّار – مايو (1980م).
---------------------------
- القرن العشرون: قَرْنُ العمالقة الذين أبدعوا بصناعة التاريخ.. بدَأَ و مَرَّ ب:
لينين
و ماو تسي تونغ
و نهرو
و تيتو
و هوشي منه
و جمال عبد الناصر
و فيديل كاسترو
و حافظ الأسد
و هواري بومدين
و الإمام ا لخميني
و مانديلا
و تشافيز
و السيّد حسن نصرالله..
- وقد رحلت أجسادُهُم جميعاً، وبقيَتْ أرواحُهُم.. ما عدا رَمْزٍ أسطوريٍ واحد، هو سيّدُ المقاومة، أطالَ اللهُ عُمْرَهُ.
- و بَدأَ القرنُ الحادي والعشرون، بِعملاقٍ لا ثاني له حتى اليوم، هو: أسد بلاد الشام: الرئيس بشار الأسد.